رحيل راتكو ملاديتش مجرم حرب البلقان ذي العين الزرقاء
مات راتكو ملاديتش القائد العسكري الصربي البوسني المسؤول عن مجازر حرب البوسنة بما فيها إبادة سربرنيتشا. رحل وهو يقضي حكماً بالسجن المؤبد بعد سنوات من المحاكمة والعدالة التي طال انتظارها. وورلد برس عربي.





مات راتكو ملاديتش، القائد العسكري الصربي البوسني الذي أمر بقصف سراييفو وأشرف على أسوأ مجزرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وهو يقضي حكماً بالسجن المؤبد جراء جرائمه وذلك وفق ما أعلنه مسؤولون في الأمم المتحدة. كان ملاديتش في الرابعة والثمانين من عمره.
وأفاد مسؤولو المحكمة الأممية بأن ملاديتش فارق الحياة في مستشفى سجن أممي في لاهاي بهولندا. وأكّد أحد أفراد عائلته الذي اشترط عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الوضع صحّة هذه التقارير ، مشيراً إلى أن نجل ملاديتش، داركو، كان في طريقه إلى لاهاي.
كانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة قد أصدرت بحقه حكماً بالسجن المؤبد عام 2017، في خطوةٍ وصفها كثيرون بأنها محطّة محورية في مسار تحقيق العدالة للضحايا. وقد ظلّ ملاديتش فاراً من العدالة لسنواتٍ طويلة، قبل أن يُلقى القبض عليه عام 2011.
كان هذا الضابط ذو العيون الزرقاء الذي تحوّل من ضابطٍ شيوعي إلى أمير حربٍ قومي متشدّد أحد أبرز وجوه الصراع الذي أودى بحياة أكثر من 100,000 شخص وشرّد أكثر من مليون آخرين. أمر جنوده بـ«إحراق أدمغة» البوسنيين المسلمين، ووصف نفسه بأنه «الإله الصربي».
حين اندلعت حرب البوسنة عام 1992، تولّى ملاديتش قيادة قوات صرب البوسنة، وبسط سيطرته على مساحاتٍ شاسعة من البلاد بهدف تأسيس كيانٍ صربي مستقل. وفرضت القوات الصربية تحت إمرته حصاراً خانقاً على العاصمة سراييفو وعددٍ من المدن والقرى، وأنشأت معسكراتٍ للاحتجاز حُشر فيها المدنيون من غير الصرب والأسرى، وجرى فيها إعدام السجناء بصورةٍ منهجية.
في سراييفو، عزل الجنود الصرب المدينة وراحوا يقتلون المدنيين بنيران القنّاصة. وفي عام 1995، نفّذت قوات ملاديتش مجزرة سربرنيتشا، إذ ذبحت أكثر من 8,000 رجلٍ وفتى من المسلمين وهي الحادثة الوحيدة التي صُنِّفت إبادةً جماعية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
غير أن ملاديتش نفسه وأنصاره من الصرب لم يُبدوا يوماً ندماً. فقد رأى فيه كثيرون وطنياً يسعى إلى تأسيس الدولة الصربية الكبرى. وحتى في قاعة المحكمة، لم يتخلَّ عن غطرسته؛ إذ صرخ في وجه القضاة حين صدر بحقه حكم السجن المؤبد.
قالت منيرة سوباشيتش، من مجموعة «أمهات سربرنيتشا»، إنها تشعر بمشاعر متضاربة إزاء موت ملاديتش، وأبدت أسفها لأن جرائمه لا تزال موضع إنكارٍ لدى شريحةٍ واسعة من صرب البوسنة.
وقالت سوباشيتش: «اليوم مات مجرم حربٍ كبير، مجرم البلقان». لكنّها أضافت أن أمهات الشهداء «لا يزلن يحملن الألم في أرواحهن» بعد 31 عاماً، فيما «لا يزلن يسمعن الإنكار، ولا يزلن يسمعن كيف كان راتكو ملاديتش بطلاً للصرب».
وأردفت: «أنا آسفة لأنه مات، وأنه لم يعانِ قليلاً أطول، ولم ينتظر أكثر ويحلم بعيون أطفالنا».
في المقابل، نعى سكان بالي معقل صرب البوسنة قرب سراييفو ملاديتشَ. وقال يانكو سيسليا، الجندي الصربي البوسني السابق: «لقد قُتل هناك في تلك الزنازين. أشعر بالحزن على الجنرال ملاديتش، كان رجلاً شريفاً وجندياً وقائداً شريفاً».
وُلد ملاديتش في 12 مارس 1942 في قرية بوزينوفيتشي البوسنية الصغيرة، في التلال الواقعة على بُعد 40 كيلومتراً جنوب سراييفو. وكما كان حال كثيرٍ من أبطال الصراع اليوغوسلافي، تشرّب القومية من مأساة عائلته في الحرب العالمية الثانية إذ قُتل والده على يد الكروات.
انحاز ملاديتش، الضابط الشيوعي السابق، إلى الصرب حين بدأت يوغوسلافيا تتفكّك في أتون الحرب. وقاد في البداية تمرّداً صربياً في كرواتيا، قبل أن يتولّى قيادة جيش صرب البوسنة المدعوم من صربيا والرئيس آنذاك سلوبودان ميلوشيفيتش الذي لقي هو الآخر حتفه عام 2006 في احتجاز محكمة لاهاي، خلال محاكمته بتهمة الإبادة الجماعية.
اشتُهر ملاديتش بهوسه بتاريخ أمّته؛ فقد رأى في حرب البوسنة فرصةً للانتقام من الاحتلال العثماني الذي امتدّ خمسة قرون. وكان يُطلق على مسلمي البوسنة تسمية «الأتراك»، ويتباهى بالانتقام منهم حين اقتحمت قواته المنطقة الآمنة التي أعلنتها الأمم المتحدة في سربرنيتشا عام 1995.
وقال ملاديتش بكل فضاضة بعد السيطرة على سربرنيتشا: «جاء الوقت... للانتقام من الأتراك في هذه المناطق».
كانت سربرنيتشا «منطقةً آمنة» أممية للمسلمين، غير أنها سقطت في يد الصرب الذين فصلوا الرجال والفتيان عن ذويهم، وأجبروهم على خلع ملابسهم، وأعدموهم، ثم دفنوا جثثهم في مقابر جماعية بالجرّافات في حملة إجرامية استمرّت أكثر من أسبوع.
يحمل الناجون من سربرنيتشا صورةً لن تمحى من ذاكرتهم: ملاديتش يوزّع الحلوى على أطفالٍ مسلمين جُمعوا في ساحة البلدة، مطمئناً إياهم بأن كل شيء على ما يرام بل يربّت على رأس أحدهم.
وكان ملاديتش يقول لجنوده، واثقاً من قوة جيشه: «حين أعطيكم ضماناتي، فكأنما أعطاكم إياها الله». وكان يُخاطب المتحكّمين في الحركة الجوية ليُفسحوا المجال لهبوط مروحيّته قائلاً: «يتكلّم راتكو ملاديتش القدوة الصربي».
لا يزال أهل سراييفو يتذكّرون أوامره للمدفعيين الصرب وهم يقصفون العاصمة البوسنية مطلع عام 1992. كان يُصدر أوامره عبر جهاز راديو عسكري دون أن يُشفّر الإشارة، فالتقطتها شرطة سراييفو وسجّلتها.
كان بإمكان أهل سراييفو سماع ملاديتش يوجّه مدفعيّته نحو أحياء بعينها قائلاً: «اتّجهوا نحو فيليسيتشي، لا يوجد صرب هناك». وأمر مسلّحيه: «أحرقوا أدمغتهم».
حين صدر بحقه قرار اتهام بالإبادة الجماعية من المحكمة الأممية، بدأ ملاديتش عام 1996 سنوات فراره مختبئاً في هان بييساك، وهو مجمّع عسكري في شرق البوسنة شُيّد في عهد الزعيم الشيوعي اليوغوسلافي يوسيب بروز تيتو، وصُمِّم ليصمد أمام ضربةٍ نووية.
أقام ملاديتش مع زوجته بوسا حياةً منزليةً مفروضة عليه، يقضي وقته في رعاية النحل والماعز. وتقول الروايات إن ماعزه الثلاثة والعشرين كانت تحمل أسماء مسؤولين أجانب يكنّ لهم العداء، من بينهم مادلين أولبرايت، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة.
محاطاً بحراسةٍ مشددة، كان يخرج أحياناً من الغابات الكثيفة لحضور مناسباتٍ كذكرى تأسيس جيش صرب البوسنة ويوم القديس فيتوس، الذي يُحيي ذكرى هزيمة الصرب على يد العثمانيين في كوسوفو عام 1389.
وحين أصبح تعقّبه في البوسنة أشدّ خطورةً في أواخر التسعينيات، انتقل مع عائلته إلى فيلا في ضاحيةٍ من ضواحي بلغراد. وفي العاصمة الصربية، شُوهد يحضر حفل زفاف نجله، ويتردّد على ملاعب كرة القدم ويتناول الطعام في المطاعم الفاخرة ويرتاد المقاهي الراقية، رافضاً إجراء أي مقابلات، مبتسماً بنظرةٍ استفهامية حين يُصوَّر.
حين أُطيح بميلوشيفيتش من السلطة في أكتوبر 2000، وأشارت السلطات اليوغوسلافية الجديدة الموالية للديمقراطية إلى احتمال تسليمه للمحكمة، أفادت الصحف الشعبية بأنه غادر بلغراد عائداً إلى البوسنة. غير أن ملاديتش، لم يغير أسلوبه، دحض تلك الشائعات وغيرها التي أشارت إلى إصابته بمرضٍ عضال. وقبل اختفائه التام عام 2002، رُصد مراراً في الأماكن العامة، أحياناً برفقة حراسه وأحياناً وحيداً، يقود سيارة يوغو متواضعة في شوارع العاصمة.
اختفى ملاديتش كلياً عن الأنظار عام 2008، وجرى اعتقاله أخيراً في مايو 2011 في قريةٍ قرب بلغراد، حيث كان يختبئ في منزلٍ متواضع لأحد أقاربه.
في قاعة المحكمة بلاهاي، بدا عجوزًا هزيلاً بعيداً كلّ البعد عن صورته أيام الحرب. لكن طابعه العنيد والقسوة لم يفارقاه. وحين أصدر القضاة الأمميون حكمهم بإدانته، صرخ في وجوههم: «كل ما قلتموه محض أكاذيب. عار عليكم!»
كان ملاديتش يعاني وهناً صحياً ملحوظاً حين اعتُقل عام 2011، ويُعتقد أنه أصيب بجلطاتٍ دماغية متعددة خلال سنوات فراره، فضلاً عن دخوله المستشفى في مناسباتٍ عدة أثناء احتجازه.
وفي تعليقها على الحدث، قالت إليزابيث إيفنسون، مديرة العدالة الدولية في منظمة Human Rights Watch، إن موت ملاديتش «تُذكّر بالحاجة المستمرة إلى العدالة والحقيقة والتعويضات في غرب البلقان».
وأضافت في بيانٍ لها: «إن المساءلة الكاملة عن جرائم بالغة الخطورة، في البوسنة وغيرها، تستلزم التزام الحكومات بمسار العدالة، حتى بعد عقودٍ من وقوع تلك الأحداث».
أخبار ذات صلة

الأخوان تيت في المحكمة يطلبان الإفراج عنهما قبل جلسات التسليم

ضابط الهجرة المتهم بإطلاق النار في مينيابوليس يُفرج عنه في تكساس بعد رفض التسليم الفوري
