فتح الرحلات المباشرة بين لبنان وأمريكا يغيّر قواعد السفر
قرار أمريكي تاريخي يسمح باستئناف الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان بعد أكثر من أربعة عقود من التوقف. خطوة تعزز التواصل مع الجاليات اللبنانية وتفتح آفاقاً جديدة للسفر المباشر إلى كندا أيضاً على وورلد برس عربي.

رُفعت قبل أيام قليلة حجابٌ كان يُخفي واحدةً من أطول القيود المفروضة على الطيران المباشر في التاريخ الحديث، حين أعلن الرئيس الأمريكي Donald Trump أنه يوجّه إدارته للسماح للناقلات الأمريكية باستئناف رحلاتها المباشرة إلى لبنان، وذلك لأول مرة منذ أن علّقت إدارة Reagan هذه الرحلات عام 1985 إثر حادثة اختطاف رحلة TWA 847 وما رافقها من أزمة رهائن استمرت 17 يوماً وأسفرت عن مقتل غوّاص من البحرية الأمريكية.
جاء الإعلان في أعقاب زيارة الرئيس اللبناني Joseph Aoun للبيت الأبيض، وهي زيارةٌ حرص المسؤولون اللبنانيون على تقديمها باعتبارها مسعىً لانتزاع دعمٍ أمريكي ملموس في مرحلة بالغة الحساسية بالنسبة للبلاد. كتب Trump على منصة Truth Social: "بعد لقائي مع رئيس لبنان، Joseph Aoun، الذي يبذل جهداً استثنائياً في تحويل مسار بلاده، أوجّه إدارتي بالسماح لجميع شركات الطيران الأمريكية بالتحليق مباشرةً إلى لبنان، كي يتمكّن الأمريكيون من زيارة هذه الأرض الجميلة بيُسر"، مختتماً منشوره بعبارة: "استمتعوا!" وسارع وزير النقل Sean Duffy إلى الردّ: "بأمرك، سيادة الرئيس."
خلفية القرار وسياقه
ظلّ الحظر قائماً طوال أربعة عقود وأكثر، متجاوزاً الحرب الأهلية اللبنانية، ومحاولات التطبيع السياسي المتعاقبة، والنموّ الكبير للجاليات اللبنانية في أمريكا الشمالية. وقد جاءت زيارة Aoun في سياقٍ تسعى فيه بيروت إلى الحصول على دعمٍ أمريكي لإطار تفاوضي تُرعاه واشنطن مع إسرائيل، فضلاً عن حرصها على تقديم الانخراط الدبلوماسي مع واشنطن باعتباره قادراً على إنتاج مكاسب فعلية للدولة اللبنانية.
غير أن مسؤولي الطيران يُحذّرون من قراءة الإعلان على أنه استئنافٌ فوري للرحلات. فمن الناحية الإجرائية، يُمثّل قرار Trump خطوةً سياسية ضرورية، لكنه لا يُغني عن المسار التقني والقانوني الذي لا يزال أمامه شوطٌ طويل.
الخطوات التقنية المطلوبة
أوضح الكابتن محمد عزيز، المدير العام لهيئة الطيران المدني اللبنانية، في تصريحاتٍ له أن لبنان يحتاج أولاً إلى تقييم الجدوى التجارية والتقنية لهذه المسارات. قال عزيز: "نحتاج إلى شهرٍ أو شهرين لإجراء دراسة الجدوى"، مضيفاً أن الخطوة التالية ستكون مفاوضاتٍ رسمية بين البلدين.
"الخطوة الأولى التي يمكن بعدها القول إن هذا المسار دخل المرحلة العملية هي تشكيل وفود تفاوضية بين البلدين لمناقشة الاتفاقية الثنائية"، أضاف عزيز. وأشار إلى أن الإعلان الأمريكي يُعدّ خطوةً لازمة من الناحية القانونية، "لأن القرار الصادر عام 1985 كان قراراً رئاسياً أفضى لاحقاً إلى إنهاء الاتفاقية الثنائية بين هيئتَي الطيران المدني في البلدين."
وقد أعلنت إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) أنها ستعمل مع شركات الطيران والوكالات الأمريكية المعنية لتنفيذ توجيه Trump.
يُلفت عزيز إلى أن المشهد تغيّر جذرياً منذ 1985: "في تلك الحقبة، كانت Middle East Airlines تُسيّر رحلاتٍ مباشرة إلى نيويورك حيث يتمركز أكبر تجمّع للبنانيين. اليوم، تغيّرت الظروف بالتأكيد."
بوّابة كندا
لعلّ أبرز ما يترتّب على القرار الأمريكي، من منظور المسؤولين اللبنانيين، ليس فقط احتمال فتح خطٍّ مباشر بين بيروت ونيويورك، بل ما يُتيحه من إمكانية فتح مسارٍ مباشر إلى كندا، التي تحتضن واحدةً من أكبر الجاليات اللبنانية خارج الشرق الأوسط. تُقدّر السلطات الكندية حجم هذه الجالية بما بين 200,000 و400,000 شخص، فيما سجّل تعداد Statistics Canada لعام 2021 نحو 210,605 شخصاً أفصحوا عن أصولٍ لبنانية.
قال عزيز: "هذه الخطوة ستُتيح بالتأكيد ما يريده لبنان، وهو فتح خطٍّ مباشر إلى كندا. لقد أبرم لبنان سابقاً اتفاقيةً ثنائية مع كندا، لكنها ظلّت معلّقة بسبب الموقف الأمريكي. وهذا أمرٌ يمكن تحقيقه إذا أخذ القرار الأمريكي مجراه حتى النهاية."
صدى القرار لدى المغتربين
بالنسبة للمغتربين اللبنانيين، ولا سيما في كندا والولايات المتحدة، يمسّ هذا القرار مسألةً حيوية تتعلق بمدى تواصلهم مع وطنهم وعائلاتهم. مروان عيّان، طالبٌ لبناني في مونتريال، قال أنه تلقّى خبر احتمال استئناف الرحلات المباشرة "بحماسٍ كبير". قال: "زيارة لبنان عادةً ما تكون خطّةً سنوية بسبب طول الرحلة. أنا طالب ولا أستطيع زيارة عائلتي إلا في العطل الطويلة. لو فُتح خطٌّ مباشر وأمكنني الوصول إلى بلدتي في أقل من يوم، فهذا سيزيد بالتأكيد من تكرار زياراتي، وأنا متأكد أن الأمر ينطبق على آلاف اللبنانيين المقيمين هنا."
في الوقت الراهن، يعتمد معظم اللبنانيين المسافرين من أمريكا الشمالية إلى بيروت على العبور عبر أوروبا أو الخليج أو مطاراتٍ إقليمية أخرى، مما يُطيل وقت السفر ويرفع تكلفته ويجعله أكثر عُرضةً للاضطراب، خاصةً في أوقات التوتر في المنطقة.
تحفّظات وتساؤلات مفتوحة
يبقى المسار الفعلي أمام استئناف الرحلات محاطاً بعلاماتٍ استفهام. فإلى جانب الترتيبات القانونية بين هيئتَي الطيران المدني، ثمة تقييماتٌ أمنية وجدوى تجارية لشركات الطيران ومتطلبات تخطيط المسارات. ويُقرّ المسؤولون اللبنانيون بأن الحجة التجارية لصالح الرحلات المباشرة قد تختلف عمّا كانت عليه في الثمانينيات، حين كانت رحلات بيروت-نيويورك تعكس سوق سفرٍ مغايراً وتوزيعاً مختلفاً للجالية اللبنانية في المهجر.
فتح إعلان Trump باباً كان موصداً منذ 1985. أمّا ما إذا كان هذا الباب سيُفضي فعلاً إلى رحلاتٍ جوية، فذلك رهنٌ بالعمل التقني والسياسي الذي ينتظر الطرفَين في المرحلة المقبلة.
أخبار ذات صلة

سيناتور أمريكي يعرض دعماً عسكرياً لإسرائيل في حربها على لبنان

لماذا تطلب الكير من المسلمين الأمريكيين التوجه إلى وزارة الأمن الداخلي؟

البيت الأبيض يسعى لتوظيف المحاربين القدماء بدلاً من سائقي الشاحنات المهاجرين
