وورلد برس عربي logo

هل تمنح دعم الأمن الحكومي حماية أم تهديد للمساجد؟

نداء CAIR للمساجد الإسلامية لتقديم طلبات منح الأمن الحكومية يثير جدلاً بين حماية المساجد من العنف وتعزيز التعاون مع أجهزة إنفاذ القانون وسط مخاوف من فتح أبواب الدولة على المجتمعات المسلمة وورلد برس عربي.

مسؤول شرطة يتحدث أمام حشد بجانب شريط تحذيري أصفر في موقع حادث إطلاق نار على مسجد في سان دييغو لتعزيز أمن المساجد.
قدمت الشرطة والمسؤولون إحاطة إعلامية عقب حادث إطلاق النار الذي وقع في المركز الإسلامي في سان دييغو بتاريخ 18 مايو 2026 (كارلوس أ مورينو/غيتي إيمدجز عبر وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ أن أطلق مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) نداءه الأخير للمؤسسات الإسلامية بتقديم طلبات الحصول على منح الأمن الحكومية، بات السؤال الجوهري مطروحاً بصورة أكثر إلحاحاً: هل تحمي هذه المنح المساجد فعلاً، أم أنها تفتح أبوابها أمام أجهزة الدولة؟

يغلق باب التقديم على منح الأمن لهذا العام، الصادرة عن وزارة الأمن الداخلي الأمريكية (DHS)، في 24 يوليو، ويحثّ مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) المساجدَ والمدارس الإسلامية والمنظمات غير الربحية المسلمة على تقديم طلباتها قبل انقضاء الأجل.

منذ الهجوم المسلح على مسجد سان دييغو في مايو الماضي، الذي راح ارتقى فيه 3 أشخاص، تسعى CAIR بنشاط لاسترداد حق المجتمعات المسلمة في الوصول إلى هذا التمويل الحكومي، مقدِّمةً إياه وسيلةً لحماية المساجد من العنف.

وفي السياق ذاته، دعت CAIR المسلمين إلى تعزيز علاقاتهم مع الشرطة، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً يعكس انقساماً متنامياً داخل المجتمع المسلم: بين من يرى في التعاون مع «أجهزة إنفاذ القانون» ضرورةً عملية، ومن يعدّها ذراعاً من أذرع منظومة اجتماعية ظالمة.

موقف ملتبس

دأبت CAIR على التعامل بحذر بالغ مع هذا الملف المعقد. فهي، بوصفها منظمة حقوق مدنية ومناصرة تضم ما يقارب 30 فرعاً، تُقدّم نفسها درعاً أمام ما تصفه بـ«الممارسات الأمنية المفرطة الاتساع» التي تطال المسلمين.

غير أنها في الوقت ذاته قضت عقوداً تحثّ المسلمين على «بناء جسور» مع الأجهزة الأمنية ذاتها التي تعمل على الطعن في ممارساتها.

يوحي خطاب CAIR بأن المسلمين وأجهزة إنفاذ القانون فريقان تفصل بينهما الغرابة وسوء الفهم. لكن التاريخ بينهما ليس تاريخ تواصل منقوص.

لقد عرف المسلمون الأجهزة الأمنية المحلية والفيدرالية معرفةً وثيقة، عبر سجلٍّ طويل من المواجهات العدائية: عقود من طرق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) على الأبواب، وقضايا الاستدراج، ومداهمة مخيمات التضامن مع فلسطين التي حوّلتها الشرطة المحلية إلى ملاحقات قضائية بحق طلاب مسلمين، والمضايقات أمام فعاليات بيع الأراضي الصهيونية، والمحاولات المتواصلة لتجنيد المسلمين في ضبط مجتمعاتهم بأنفسهم.

وإن كانت هذه المشاعر من الريبة تجاه أجهزة إنفاذ القانون قد ظلّت غير متكافئة التوزيع، فإنها باتت أكثر وضوحاً في عام 2020، إبان الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في أعقاب مقتل جورج فلويد على يد الشرطة. ولم تزدد إلا حدةً منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الإبادية على فلسطين.

حين يُقابَل أي موقف مقاوم جاد من السياسة الخارجية الأمريكية بعنف الشرطة، يغدو من الصعب إغفال الخيط الرابط بين الاحتلال في الخارج والقمع الداخلي. ومع ذلك، تواصل CAIR التمسك بمسار تعزيز تعاون المسلمين مع أجهزة إنفاذ القانون.

«أفضل الممارسات»

في أعقاب إطلاق النار على المركز الإسلامي في سان دييغو، وزّعت فروع CAIR المتعددة وثيقة «أفضل الممارسات لسلامة المسجد والمجتمع»، وهي كتيّب موجَّه لقيادات المجتمع والمصلّين العاديين. تنطلق توصياته من مسلّمة مفادها أن احتضان المسلمين لأجهزة إنفاذ القانون سيحمي المساجد من العنف والتدنيس.

تشمل «أفضل الممارسات» الواردة في الوثيقة: إطلاع الشرطة المحلية على جداول المسجد اليومية، ودعوة عناصرها إلى حضور اجتماعات فيه، وتقديم تدريب للشرطة على الكفاءة الثقافية.

تمتد التوصيات أيضاً لتشمل الأجهزة الفيدرالية. يشدّد الكتيّب على ضرورة «السعي إلى إقامة تواصل مع الأجهزة الحكومية على المستوى الولائي والفيدرالي، بالأسلوب ذاته المتّبع مع الشرطة المحلية، التي يمكنها تيسير هذا التواصل».

ويُذكّر الكتيّب المجتمعات التي تعجز عن تمويل تفتيش أمني خاص بأن أقسام الشرطة قادرة على تقديم هذه التقييمات، وكذلك متخصصون من وزارة الأمن الداخلي.

والأغرب من ذلك ما يتضمنه الكتيّب من توصيات لا تستند إلى أي دليل لردع العنف ضد المسلمين؛ إذ يحثّ المساجد على «الإشادة بالعمل الجيد لضباط الشرطة الأفراد» وسائر المسؤولين المحليين عبر «رسائل الشكر والمكالمات الهاتفية ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وفعاليات التكريم السنوية وما شابه ذلك».

كما يوصي بأن يكون قادة المسجد «على معرفة شخصية وعلاقة ودية بالضابط الموكل بصفة منتظمة بمنطقة المسجد».

وعلى الرغم من تقديم هذه التوصيات باعتبارها دليلاً لـ«حماية» المؤسسات الإسلامية، يبدو أن «أفضل الممارسات» لدى CAIR أقل اهتماماً بالدفاع عن المسلمين، وأكثر حرصاً على أن يُبدي المسلمون صورة من الاحترامية.

«تستغل الحكومة الرغبة المتصوَّرة لدى المجتمع المسلم في الاندماج والانتماء»، قال تيري ألبري، العميل السابق في FBI الذي تحوّل إلى مُبلّغ عن مخالفات. ألبري، الذي قضى حكماً بالسجن بسبب تسريب وثائق حكومية، أكد أن السلطات لا يردعها تصرّف المسلمين كمواطنين نموذجيين.

وأضاف: «كثيراً ما يكون المخبرون متطوعين يعرضون خدماتهم على FBI مقابل مصلحة ما... غير أن ثمة حالات يُوهَم فيها أحد أبناء المجتمع بأنه يؤدي واجبه المدني. كثيراً ما يُحكم العميل نسج هذه العلاقة بأسلوب يجعل الشخص لا يرى نفسه قط مخبراً، بل مجرد 'مسلم صالح'».

ورغم توظيف أجهزة إنفاذ القانون لحاجة بعض المسلمين إلى الظهور بصورة إيجابية، يُلمّح كتيّب CAIR إلى أن الخضوع والامتنان للشرطة قد يُسهمان في حماية دور العبادة. بيد أن تاريخ تجريم المسلمين يُثبت العكس تماماً إذ أفضى الترحيب بالشرطة في المسجد إلى وضع المسلمين في مرمى الأجهزة الحكومية.

كثير من المسلمين الذين يتحفّظون على التعامل مع FBI يعتبرون مركز الشرطة المحلي كياناً مختلفاً وأقل خطورة. لكن بنية المنظومة الأمنية الأمريكية لا تعترف بهذا الفارق.

شراكة تُفضي إلى مراقبة

من خلال شراكات متعددة الأجهزة كفرق مكافحة الإرهاب المشتركة (Joint Terrorism Task Forces)، التي أُسّست لتيسير التواصل بين الأجهزة المحلية والفيدرالية، يمكن لفعالية «بيتزا مع شرطي» في المسجد المحلي أن تتحوّل بسهولة إلى منصة لجمع البيانات ورسم خرائط المجتمع.

لأكثر من عقد بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فعلت وحدة الديموغرافيا التابعة لشرطة نيويورك ذلك بالضبط، إذ رسمت خرائط للأحياء المسلمة وصنّفت المساجد والمطاعم والاتحادات الطلابية في إطار برنامج مراقبة أُدير بمساعدة وكالة المخابرات المركزية (CIA).

«تستخدم الحكومة التواصل المجتمعي وذريعة التنسيق لجمع المعلومات الاستخباراتية... وأنا أعلم ذلك لأنني وظّفت هذه الأساليب مع FBI في منطقة خليج سان فرانسيسكو وفي مدينتَي مينيابوليس وسانت بول في ولاية مينيسوتا لسنوات طويلة»، حذّر ألبري.

معاملة تجارية، لا منحة

كتيّب «أفضل الممارسات» لدى CAIR مليء بتوصيات يجدها كثير من المدافعين عن الحقوق المدنية مثيرة للقلق. وبالقدر ذاته من القلق تأتي التوصيات المتغيّرة لـCAIR بشأن برنامج منح أمن المنظمات غير الربحية (NSGP) التابع لوزارة الأمن الداخلي، والذي تديره وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (Fema).

يُعدّ وصول المسلمين إلى برنامج NSGP أولويةً محورية لـCAIR منذ الهجوم على مسجد سان دييغو.

تُخصَّص أموال البرنامج لتعزيز الأمن المادي للمنظمات غير الربحية التي تُعدّ «عرضةً لخطر الهجمات الإرهابية». وبالتالي، يمكن للأموال المُحصَّلة عبر البرنامج أن تساعد مسجداً ذا بنية تحتية متهالكة على أن يبدو أشبه بمنشأة عسكرية أو ملعب رياضي، مع إخفاء الأعطال خلف حاويات قمامة مقاومة للانفجار معتمدة من وزارة الأمن الداخلي.

بوصفه برنامجاً تابعاً للوزارة، لا يُمثّل NSGP وسيلةً محايدة لحماية الأقليات الدينية، بل هو جزء من منظومة تبادل المعلومات التي أفرزتها الحرب على الإرهاب، حيث تعمل الأجهزة الفيدرالية والسلطات المحلية و«شركاء المجتمع» في تناسق. وتطوير البنية التحتية لهذا التفاعل هو في حقيقته الغرض الجوهري لوزارة الأمن الداخلي.

يُقال للمجتمعات إن «التهديد» المقصود هو المعتدي الإسلامي الكاره للإسلام الواقف خارج باب المسجد، لكن أوراق البرنامج الرسمية تُكذّب هذه الرواية. فالمسجد في هذه الأوراق ليس طرفاً محمياً فحسب، بل هو أيضاً موضع شك وريبة.

لا يحق للمساجد التقدم إلى Fema مباشرةً؛ إذ تمرّ الطلبات عبر أجهزة الأمن الداخلي على مستوى الولايات، التي تُقيّمها وتُرتّبها.

يتعيّن على كل جهة متقدمة تقديم تقييم خاص بنقاط ضعف المنشأة خريطة موثّقة لثغراتها الأمنية إلى جانب أسماء وعناوين أعضاء مجلس إدارتها، الذين تخضع سيرهم الذاتية لـ«الموافقة».

يستلزم الطلب أيضاً تقديم بيان رسالة المنظمة، تُقيّمه الولاية للتحقق من «الغرض المحوري للمنظمة». تندرج دور العبادة ضمن فئة «القائمة على الأيديولوجيا» لدى وزارة الأمن الداخلي، حيث يتعيّن على المتقدمين الإشارة إلى أي «ممارسات قد ترفع من مستوى المخاطر التي تواجهها المنظمة»، وإثبات التهديدات الموجهة إليها «استناداً إلى أيديولوجيتها ومعتقداتها و/أو رسالتها».

مسجد يسعى للحصول على كاميرات مراقبة عليه أولاً أن يُخضع معتقداته للمراجعة، وموظفيه لفحوصات الجنسية. ويُصرّح إعلان التمويل لهذا العام بأن المستفيدين «لا ينبغي أن يشمل موظفوهم أجانب أو غير مواطنين»، وأن من يوظّفونهم يجب أن يخضعوا للتدقيق وفق سياسة تُسمّى «وظّف أمريكياً، وابقَ في أمريكا».

قبل أي منحة، تفحص وزارة الأمن الداخلي المنظمات المتقدمة في مقابل «تقارير مجتمع الاستخبارات الأمريكي». ويُعدّ التكامل مع هذه الأجهزة من الأهداف المُعلنة للبرنامج، وتحصل الطلبات على درجات أعلى بقدر ما تُبدي انخراطاً في هذا التكامل.

تشمل أولويات التمويل الواردة في الإعلان «جهود التواصل المجتمعي لتعزيز الثقة وتشجيع الإبلاغ عن التهديدات»، والتنسيق مع نظام الإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة الحكومي، و«منصات تبادل المعلومات بين دائرة الهجرة والجمارك (ICE) والأجهزة المحلية».

قبل صرف دولار واحد، تسأل Fema عمّا إذا كان «عمل المنظمة أو رسالتها ينطوي على دعم الأجانب».

تأمّل إذن مسجداً تدافع خطب جمعته عن فلسطين أو تنتقد السياسة الأمريكية. يستلزم الطلب منه أن يقرر ما إذا كانت هذه المواقف تندرج ضمن «الممارسات التي قد ترفع من مستوى المخاطر» وأن يُثبت التهديدات التي يواجهها «استناداً إلى أيديولوجيته ومعتقداته و/أو رسالته». وكي يوثّق سبب تعرّضه للتهديد، عليه أولاً أن يُودع مواقفه السياسية لدى الدولة.

يُفحص هذا الملف بعدها في مقابل تقارير استخباراتية بحثاً عن «معلومات مسيئة» مصطلح لا يُعرَّف في الإعلان قط من قِبَل الجهة ذاتها التي اعتقلت محمود خليل بحجة أن نشاطه المؤيد لفلسطين يُلحق الضرر بالسياسة الخارجية الأمريكية. ويمكن إنهاء أي منحة في أي وقت تقرر فيه Fema أنها «لم تعد تخدم المصلحة الوطنية».

مسجد يريد الحفاظ على كاميراته الجديدة لديه كل الأسباب لأن يُرقّب خطبه.

ليست هبة

تضمّ وزارة الأمن الداخلي أيضاً دائرة الجمارك وحماية الحدود، إلى جانب دائرة الهجرة والجمارك (ICE)، التي أطلق عناصرها النار وقتلوا مهاجرين خلال مداهمات وإيقاف على الطريق، وشهدت مراكز احتجازها العام الماضي أعلى معدل وفيات خلال عقدين. والمؤسسات الإسلامية تُدفع نحو الشراكة مع الجهة التي تُشرف على كل هذا.

كما يُشدّد إعلان طلبات NSGP لعام 2025 على أن وزارة الأمن الداخلي نشأت من الإجماع القائل بأن الإخفاقات في التواصل أسهمت في إتاحة هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وبعد ربع قرن، تواصل هذه الرواية التأسيسية تشكيل نظرة الوزارة إلى المسلمين: إما تهديدات تستوجب المراقبة، وإما مصادر استخباراتية قابلة للاستغلال.

وهكذا، كما يكتب المحامي والباحث أحمد شيخ: «المنحة ليست هبة؛ إنها معاملة تجارية تتنازل فيها عن سيادة مجتمعك مقابل تجهيزات إضاءة وكاميرا مراقبة».

في ضوء ذلك، فإن الشكاوى الأخيرة من عدم مساواة المسلمين في الوصول إلى المنحة ومنها ما يستند إلى الإسلاموفوبيا البنيوية تنمّ إما عن افتراض ساذج بأن NSGP أداة محايدة، وإما عن محاولة انتهازية من سياسيين و«قادة مجتمع» للظهور بمظهر المدافعين عن المصالح الإسلامية.

أبدت CAIR نفسها تحفّظاً على برنامج المنح عام 2020، محذّرةً من أنه قد «يُجنّد منظمات المجتمع المدني في أنشطة ينبغي أن تبقى في نطاق أجهزة إنفاذ القانون». غير أن البيان ذاته يخلص إلى أن «أحكام وزارة الأمن الداخلي الجديدة التشديد في الأصل تُفرز معادلة مقايضة فعلية تُحرج المجتمعات الهشة بين أمنها والتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون».

وبينما يُشخّص البيان بصورة صحيحة مسعى الوزارة لدمج المؤسسات الإسلامية مع الأجهزة الأمنية، فإنه يُختزل المشكلة في بنود بعينها داخل البرنامج، لا في المنطق الذي أُسّس عليه في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر.

وهكذا تأرجح موقف CAIR مراراً: أحياناً استجابةً لتغيّر صياغة منح وزارة الأمن الداخلي، وأحياناً أخرى بحسب الحزب الحاكم، وفي نهاية المطاف بسبب الإقصاء الفعلي للمسلمين من المنحة عام 2025.

فلا غرابة إذن في صدور بيانات علنية عن CAIR تنتقد شروط NSGP ولا سيما حظره على المستفيدين مقاطعة إسرائيل وإلزامه بالتعاون مع ICE.

لكن هذا الانتقاد الاستعراضي هو بالضبط ما يجعل السياسة الإصلاحية من قبيل ما تمارسه CAIR بالغة الخطورة. فبإحصار اعتراضاتها في بنود محددة، تُقدّم CAIR في الواقع للبرنامج مساراً سهلاً نحو استمالة المجتمع مستقبلاً. كما تُبيّض المنظومة الأمنية الأشمل التي يُشكّل البرنامج جزءاً منها.

حتى عام 2024، وزّعت CAIR نماذج طلبات NSGP على المساجد لتحتذي بها. وفي الطلب النموذجي، يُبرز «مسجد الوحدة» الخيالي التزامه بـ«الحفاظ على علاقة متينة مع شركاء الأمن الداخلي على المستوى الولائي والمحلي». يبدو أن CAIR تعرف جيداً أي نوع من المقترحات تُموّله وزارة الأمن الداخلي فعلاً.

هذا التوجه نحو أن تصبح شريكاً للدولة يسير على خطى المنظمات الصهيونية التي طالما كانت المستفيدين الرئيسيين من NSGP. بل إن الأمر لا يقتصر على CAIR، إذ تسعى أيضاً الاتحادات اليهودية لأمريكا الشمالية إلى توظيف أحداث سان دييغو المأساوية للحصول على تمويل أكبر من البرنامج.

ولعل المآل الذي تسير نحوه CAIR هو أن تُشبه منظمة مثل رابطة مناهضة التشهير (ADL) الصهيونية الشهيرة. فقد أفضى التنسيق الوثيق على مدى عقود بين ADL وFBI إلى تآكل الحدود الفاصلة بين الكيانين تدريجياً.

بهذا المعنى، فإن الإشكالية في NSGP من حيث علاقته بالمجتمع المسلم لا تكمن في بند بعينه ولا في الإدارة الحاكمة، بل في غرضه الجوهري: إذابة الحدود بين المجتمعات المسلمة والأجهزة الأمنية.

بيد أن CAIR لم ترفض NSGP من حيث المبدأ حتى الآن ولهذا أطلقت مؤخراً نداءها للمؤسسات الإسلامية بتقديم طلباتها لدورة تمويل البرنامج لعام 2026.

عمل شُرطي

تنبع تناقضات CAIR من دورها المزدوج: فهي تُقدّم نفسها في آنٍ واحد محاميةً (مدافعة عن المسلمين) وسياسيةً (المسلمة «الصالحة»). يستلزم الدور الأول موقفاً مواجِهاً من سلطة الدولة وتصنيفاتها الجنائية كالتطرف والإرهاب.

غير أن ذلك يتعارض مع أهداف CAIR-السياسية، التي تدور نداءاتها للمسؤولين المحليين والولائيين والفيدراليين حول تصوير المسلمين بوصفهم أمريكيين ملتزمين بالقانون.

هذا الغموض في الرسالة أتاح وقوع أمور محيّرة على مرّ السنين: ضابط شرطة متقاعد يُلقي الكلمة الرئيسية في حفل عشاء لـCAIR، ونائب شريف يتقلّد منصب مدير في CAIR قرابة عقد من الزمن، والضابط ذاته يعود بصفة «خبير أمن المساجد» في أعقاب الهجوم على مسجد سان دييغو، بل وورش عمل عرفة حقوقك التي تُقدَّم بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون.

على غرار قطة تُعلّم الفئران كيف تتفادى الإمساك بها، فإن ورشة حقوق مدنية تُشارك فيها الشرطة تنطوي على إشكالية جوهرية منذ البداية.

سواء من خلال البرامج المشتركة أو التوصيات بتكريم ضباط الشرطة، توظّف CAIR مكانتها الموثوقة كمدافعة عن المجتمع لتلميع صورة مؤسسات تمارس الإيذاء. ولأن هذه الجهود تقع عادةً في نطاق أقسام الشرطة ذاتها (وحدات العلاقات المجتمعية)، فإن نشاط CAIR يتجاوز مجرد «بناء الجسور». إنه عمل شُرطي.

لا تشحّ الجسور الرابطة بين CAIR وأجهزة إنفاذ القانون بل هي كثيرة لدرجة يصعب معها تحديد أين تنتهي CAIR وأين تبدأ الشرطة. لذا فإن تصوير CAIR واقفةً على شاطئ والشرطة على شاطئ آخر وكلتاهما تبني «جسراً» بينهما هو تصوير مضلّل.

الصورة الأدق أن الطرفين يقفان على الشاطئ ذاته، يمدّان جسراً واحداً نحو المسلمين العاديين. هل نعبر، أم نختار مساراً مختلفاً؟.

أخبار ذات صلة

Loading...
السيناتور ليندسي غراهام يلوح بيده أمام دبابات قديمة تحمل أعلام أوكرانيا، في سياق مناقشات حول الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والسياسة الخارجية.

سيناتور أمريكي يعرض دعماً عسكرياً لإسرائيل في حربها على لبنان

يكشف الوثائقي الجديد أسرار دعم السيناتور ليندسي غراهام للحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران وعلاقته الوثيقة برؤساء السياسة. اكتشف التفاصيل المثيرة وكن أول من يعرف الحقيقة. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
جندي أمريكي يسير بجانب مركبة عسكرية ثقيلة في واشنطن، في سياق حملة لتدريب المحاربين القدامى على قيادة الشاحنات التجارية.

البيت الأبيض يسعى لتوظيف المحاربين القدماء بدلاً من سائقي الشاحنات المهاجرين

تسعى إدارة ترامب لتمكين المحاربين القدامى من قيادة الشاحنات عبر برامج تدريب مدعومة بالكامل، ما يفتح أمامهم فرص عمل جديدة في قطاع النقل الحيوي. اكتشف كيف تبدأ رحلتهم المهنية اليوم!
Loading...
عامل يفرز أوراق الاقتراع البريدية في مركز فرز كاليفورنيا، مع ارتفاع رفض الأوراق المتأخرة بسبب طوابع البريد.

حوالي 150 ألف بطاقة اقتراع بريدية مرفوضة في انتخابات كاليفورنيا الأولية رغم جهود العد الشامل

شهدت انتخابات كاليفورنيا التمهيدية ارتفاعاً كبيراً في رفض أوراق الاقتراع البريدية بسبب تأخر وصولها وطوابع بريد غير دقيقة. اكتشف أسباب الأزمة وتأثيرها على المشاركة الانتخابية وكن جزءاً من الحل الآن.
Loading...
دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في لقاء رسمي يعكس التوتر حول الاتفاق النووي السعودي وربطه بتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ترامب يتراجع عن الاتفاق النووي السعودي ويشترط التطبيع مع إسرائيل

اتفاقية التعاون النووي بين واشنطن والرياض تثير جدلاً واسعاً وسط شروط التطبيع مع إسرائيل وموقف السعودية الثابت تجاه القضية الفلسطينية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على الأمن الإقليمي. اقرأ المزيد الآن.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية