وورلد برس عربي logo

خطة إسرائيلية لتغيير هوية المسجد الأقصى

تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل لتجريد الأردن من وصايته على المسجد الأقصى، وتحويله إلى مركز متعدد الأديان تحت إشراف إسرائيلي. يتجاهل الاقتراح مصير المقدسات المسيحية ويثير مخاوف جديدة حول الهوية الإسلامية للموقع.

صورة جوية تظهر المسجد الأقصى في القدس، مع قبة الصخرة الذهبية، محاطًا بالمدينة القديمة والمناطق المحيطة، تعكس الأهمية الدينية والسياسية للموقع.
تُظهر هذه الصورة الجوية الملتقطة في 22 مارس 2023 قبة الصخرة ومسجد الأقصى في الساحة الواقعة في المدينة القديمة بالقدس (إيلان روزنبرغ/رويترز)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

أفادت مصادر متعددة موثوقة بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان بصورة فعلية على تجريد الأردن من وصايته التاريخية على المسجد الأقصى المبارك في القدس، وذلك في إطار مسعىً يرمي إلى إرساء ترتيبٍ جديد يُوائم بين إدارة هذا الموقع الإسلامي العريق والمصالح الإسرائيلية.

وكشف مسؤولون أمريكيون وأردنيون وفلسطينيون، إلى جانب مصادر غربية وخليجية، أن هذه الخطة التي يقودها جاريد كوشنر صهر الرئيس Donald Trump والسفير الأمريكي لدى إسرائيل Mike Huckabee تقضي بإنهاء صلاحيات الأوقاف الإسلامية المدعومة أردنياً بصورة مفاجئة، وإنشاء هيئة جديدة تُعلن المسجد الأقصى «مركزاً متعدد الأديان» تحت إشراف الحكومة الإسرائيلية. وقد طلب جميع المصادر عدم الكشف عن هويتهم نظراً لحساسية الملف.

و وفق هذا الترتيب المقترح، سيُمنح اليهود «حق وصول متساوٍ» إلى الموقع، مع الإقرار الرسمي بحق الصلاة الجماعية اليهودية فيه. كما سيكون لإسرائيل رأيٌ وازن في تعيين الأئمة والخطباء وكبار مسؤولي المسجد، فضلاً عن دورٍ في الإشراف على مضامين خطب الجمعة.

وأفاد مسؤولان أمريكيان بأن واشنطن أعدّت وثيقة تُحدّد فيها تصوّرها لمستقبل المسجد، مشيرَين إلى أن إدارة Trump تسعى إلى تجريد المسجد الأقصى من هويته الإسلامية وتحويله إلى معلمٍ سياحي يستوعب الديانات الإبراهيمية الثلاث.

وأشار مسؤول غربي ومصدر مطّلع على الموقف الأردني إلى أن مقترحاً اطّلعا عليه يتضمّن منح الدول العربية «إشرافاً دورياً» على الحرم. وقد جرى إطلاع كلٍّ من البحرين ومصر والمغرب والإمارات العربية المتحدة على هذا المقترح من قِبَل الولايات المتحدة.

في المقابل، أكّد مصدران خليجيان ومصدر ثالث مطّلع على التفكير الأردني أن المملكة العربية السعودية، التي تجمعها بالأردن علاقة تاريخية راسخة وتحالف متين، ترفض هذا المقترح.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن إسرائيل طرحت هذه الفكرة على إدارة Trump قبل نحو عقد من الزمن، غير أن Huckabee بعد توليه منصبه سفيراً العام الماضي بات يُلحّ «بصورة متكررة» على واشنطن لتنفيذها. وهو داعية إنجيلي متديّن ومقدّم برامج سابق، عُرف بدعمه الثابت لإسرائيل وبتأييده للاستيطان الإسرائيلي غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وأوضح المصدر المطّلع على الموقف الأردني أن «الأمريكيين يُبدون استياءً من تمسّك الأردنيين بحق الوصاية ورفع الشكاوى بشأن التصرفات الإسرائيلية في الأقصى». وفي هذا السياق، أصدر البرلمان الأردني هذا الشهر إدانةً للإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى الاستيلاء على عقارات فلسطينية وأوقاف إسلامية في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى.

ولفت جميع المصادر التي تحدّثت إلى أن المقترح الجديد يتجاهل مصير المقدّسات المسيحية في القدس تجاهلاً تاماً، في حين تضطلع الأسرة الهاشمية بالوصاية على كنيسة القيامة وكنيسة الصعود، ولها حقّ الفيتو الفعلي في تعيين بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس.

وقال أحد المصادر: «هذه الخطة لا تقول شيئاً عن المواقع المسيحية، وهو ما يُثير جملةً من المخاوف الجديدة».

وأكّد مسؤول حكومي أردني أن موقف عمّان من القدس ومقدّساتها «ثابتٌ لا يتزعزع»، مستنداً إلى أن الوصاية الهاشمية تحظى باعترافٍ دولي بموجب المعاهدات والاتفاقيات، ومنها المادة التاسعة من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية لعام 1994. وأضاف أن الأردن يُنسّق مع شركائه الفلسطينيين والعرب والدوليين للحفاظ على الهوية «العربية والإسلامية والمسيحية» للمواقع، ومنع أي تغيير في الوضع القانوني والتاريخي القائم.

«ركيزةٌ للاستقرار»

يخضع المسجد الأقصى منذ عقود لترتيبٍ دولي راسخ يصون طابعه الديني بوصفه موقعاً إسلامياً خالصاً. فبموجب الاتفاقيات التي أعقبت حرب عام 1967، تولّت الأوقاف الإسلامية الأردنية إدارة الشؤون الداخلية للحرم، فيما احتفظت إسرائيل بالسيطرة على الأمن الخارجي. ويُسمح لغير المسلمين بزيارة الموقع في أوقاتٍ محددة، دون أن يُتاح لهم الصلاة فيه.

ويُعرف الموقع لدى اليهود بـ«جبل الهيكل»، إذ يعتقد كثيرون منهم أنه كان مقرّاً لهيكلَين يهوديَّين قديمَين: هيكل النبي سليمان الذي دمّره البابليون، والهيكل الثاني الذي أسقطه الرومان.

وأشار مسؤولون أردنيون وفلسطينيون إلى أن الترتيب المقترح يبدو مستوحىً بصورة فضفاضة من السياسة الإسرائيلية المُطبَّقة في المسجد الإبراهيمي بالخليل، حيث أفضت القيود المفروضة في أعقاب مجزرة 1994 على يد مستوطن إسرائيلي إلى تقسيمٍ رسمي للموقع بين المسلمين واليهود. وقد خصّصت إسرائيل عقب المجزرة 63 بالمئة من الموقع للعبادة اليهودية و37 بالمئة للمسلمين، رغم قدسيته لدى المسلمين والمسيحيين واليهود على حدٍّ سواء بوصفه مرقد النبي إبراهيم وعدد من الأنبياء.

تُشكّل الوصاية على المسجد الأقصى والحرم المحيط به ركيزةً محورية لشرعية الأسرة الهاشمية الحاكمة في الأردن. وتمتدّ جذور هذه الوصاية إلى عام 1924، حين كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، في المرحلة التي أعقبت تقسيم بريطانيا وفرنسا للمشرق العربي عقب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وانهيار الخلافة الإسلامية. وقد مُنحت الأسرة الهاشمية الوصاية على القدس بعد أن فقدت السيطرة على مكة المكرمة والمدينة المنورة لصالح آل سعود، ثم جاءت معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1994 لتُكرّس هذا الدور وتعترف بـ«المكانة الخاصة» للأردن في المقدّسات الإسلامية بالقدس.

بيد أن مسؤولين أردنيين وقيادات فلسطينية حذّروا على مدار سنوات من أن هذا الترتيب يتآكل تدريجياً في ظل حكومات إسرائيلية متعاقبة وجماعات يمينية متطرفة تسعى إلى تعزيز السيطرة اليهودية على الحرم. وقد غذّت اقتحامات الشرطة الإسرائيلية للحرم، وتصاعد زيارات الناشطين القوميين اليهوديين المتشدّدين، والمطالبات المتكررة من وزراء إسرائيليين بحق الصلاة اليهودية في الموقع، اتهاماتٍ بأن إسرائيل تعمل على تغيير الوضع القائم بصورة تدريجية.

كما أكّد مسؤولو الأوقاف مراراً لـMiddle East Eye أن إسرائيل، فضلاً عن فرضها قيوداً مشدّدة على المصلّين الفلسطينيين، تُعرقل أعمال الصيانة والترميم التي تحتاج إليها الأوقاف.

وفي هذا الإطار، رفض مصطفى أبو سويّ، نائب رئيس مجلس الأوقاف، التعليق على تراجع النفوذ الأردني في البلدة القديمة، لكنه أكّد أن الوصاية الهاشمية «ركيزةٌ للاستقرار في المنطقة»، وأن الفلسطينيين ينظرون إليها «بوصفها شرياناً حيوياً من الناحية الاستراتيجية»، مُنوّهاً بالدور الأردني الثابت في الدفاع عن الوضع التاريخي القائم في المحافل الدولية، بما فيها منظمة UNESCO.

وقال أبو سويّ: «الوصاية الهاشمية ركيزةٌ للاستقرار في المنطقة، والنيل منها يعني النيل من المبادئ الجوهرية للسلام».

أما محافظة القدس، فأعلنت أنها لم تُبلَّغ بأي مقترحٍ من هذا القبيل، مؤكّدةً رفضها له «رفضاً قاطعاً»، ومشيرةً إلى «تصعيدٍ خطير» في التدخل الإسرائيلي في عمل الأوقاف، يشمل تقييد عمل الحرّاس والموظفين وتصاعد اقتحامات المستوطنين للحرم.


الأردن يبحث عن «مسارٍ بديل»

أفاد مصدران خليجيان بأن الأردن المدعوم أمريكياً يتّجه على الأرجح نحو الاستناد إلى الدعم الإقليمي لمواجهة المقترح الأمريكي الإسرائيلي. وعلى الرغم من توسيع عمّان تواصلها مع الإمارات، يبدو من غير المتصوّر أن تبقى الرياض صامتةً أو تمتنع عن معارضة علنية لمثل هذا المقترح.

وقال أحد المصادر الخليجية: «المملكة العربية السعودية تُدرك تماماً أن أي تحرّك ضد الوصاية الهاشمية سيُشعل فتيل الغضب في المنطقة بأسرها». وأضاف مصدر خليجي ثانٍ أن الرياض ترى في الوصاية «ركيزةً للاستقرار الإقليمي»، مُشيراً إلى أنه «رغم وجود خلافات بين السعودية والأردن في بعض الملفّات، فإنهما يُدركان معاً تداعيات تفكيك الترتيب القائم في القدس».

وتُشير المصادر إلى أن ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله طوّر «علاقةً جيدة» مع نظيره السعودي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الأخيرة، وتعمّقت هذه العلاقة منذ تطبيع عدد من الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل. غير أن المصدرَين أشارا إلى أن ردّ فعل المملكة سيظلّ رهيناً بما إذا أعلنت الإمارات أو البحرين دعمهما العلني للمقترح.

فمنذ توقيع «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، وسّعت كلٌّ من أبوظبي والمنامة علاقاتهما السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل بصورة متسارعة، حتى في ظل تصاعد الغضب الإقليمي من التصرفات الإسرائيلية في القدس وغزة. وقد رسّخت الإمارات تحديداً مكانتها بوصفها أوثق الشركاء العرب لإسرائيل، بينما أطلقت مبادرات دينية ودبلوماسية تُروّج لفكرة «التعايش متعدد الأديان» بأساليب يخشى المسؤولون الفلسطينيون والأردنيون أن تُوظَّف لإضفاء الشرعية على التغييرات في الوضع القائم بالمسجد الأقصى. وفي عام 2023، افتتحت الإمارات مركزاً متعدد الأديان يضمّ كنيسةً كاثوليكية وكنيساً يهودياً ومسجداً إسلامياً.

أما البحرين فتواصل علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، وتُبرّر انخراطها معها بضرورة مواجهة النفوذ الإيراني، في حين يُلاحَظ أن مسؤوليها يتحاشون عموماً توجيه انتقادات علنية مباشرة للسياسات الإسرائيلية في القدس، وهو ما يُغذّي مخاوف من استعدادهم المتزايد للتكيّف مع المطالب الإسرائيلية بشأن المقدّسات.

وقال أحد المصادر: «الإمارات والبحرين يُدركان مدى خطورة هذه القضية في العالمَين العربي والإسلامي»، مُضيفاً: «بحكم قربهما الشديد من إسرائيل، ينبغي عليهما التحلّي بالحذر قبل الإعلان عن دعمهما لأي تغيير في الوضع القائم».

أخبار ذات صلة

Loading...
صورة لشارع مدمر في لبنان، يظهر فيه صورة كبيرة للزعيم حسن نصر الله، مع آثار الدمار والخراب في الخلفية، مما يعكس الوضع الأمني المتدهور.

لبنان: معارضو إسرائيل يُصنّفون الآن كأعداء داخليين للدولة

تجري المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في ظل تصاعد التوتر، حيث تُستخدم كغطاء لشرعنة العدوان بدلاً من إنهائه. استمر في قراءة المقال لتكتشف كيف يتحول الصراع إلى أداة لتقوية الاحتلال.
الشرق الأوسط
Loading...
شاب فلسطيني يظهر جرحه في ذراعه بعد فقدان يده جراء القصف الإسرائيلي، مع خلفية تعكس آثار الدمار في غزة.

غزة: بتّاراً يناضلون من أجل الحركة وسط نقصٍ حاد في الأطراف الصناعية

استفاقت رزان خيرة على صوت الانفجارات، لتجد نفسها في كابوسٍ مرعب. إصاباتٌ مدمرة حولت حياتها، لكن إرادتها لا تزال قوية. اكتشفوا قصة شجاعة تبرز معاناة الفلسطينيين في غزة وكيف يسعون للعيش رغم الصعوبات. تابعوا لتعرفوا المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
لقاء بين مسؤول لبناني وسوري، حيث يتصافحان أمام علمي لبنان وسوريا، مع تفاصيل من الأثاث الفاخر وزهور على الطاولة، يعكس التوترات السياسية بين البلدين.

لبنان والمفاوضات الإسرائيلية: اختبارٌ لتوازن دمشق الحسّاس

تتأرجح العلاقات اللبنانية-السورية بين الحذر والقلق، خاصة مع تصاعد المفاوضات مع إسرائيل. كيف ستؤثر هذه الديناميكيات على مستقبل البلدين؟ تابعوا معنا لاكتشاف التفاصيل المثيرة!
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة ترتدي ملابس سوداء تجلس على حطام مبنى مدمر في غزة، تعكس معاناتها في ظل الأوضاع الإنسانية الصعبة.

منظمات إنسانية كبرى تنتقد مجلس السلام لعدم الوفاء بتعهدات مساعدات غزة

مع تصاعد الانتقادات لمجلس السلام الذي أطلقه ترامب، يتجلى الفشل في تحقيق المساعدات الإنسانية لغزة. هل ستستمر العرقلة، أم ستتحقق الوعود؟ اكتشف التفاصيل الصادمة في هذا التقرير الذي يكشف الحقائق المؤلمة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية