إعادة تشكيل تقييم المناخ الأمريكي نحو مستقبل أفضل
إيقاف التقييم المناخي الأمريكي لم يوقف البحث العلمي فقد انطلقت مبادرة جديدة تجمع مئات الباحثين لتنسيق جهود البحث المناخي بشكل موزع ودقيق يدعم التخطيط المحلي ويعزز فهم تأثيرات التغير المناخي عبر حدود الولايات المتحدة وورلد برس عربي.

في العام الماضي، أوقفت إجراءات الإدارة الأمريكية العمل على التقييم المناخي الوطني القادم للولايات المتحدة، وأزالت مئات المؤلّفين المساهمين من قائمة العمل، وقطعت التمويل عن برنامج أبحاث التغيّر العالمي الأمريكي ،ثم رفعت تقارير سابقة من الإنترنت. الإشارة الأضعف في هذه السلسلة من القرارات لم تكن في حجم التعطيل بقدر ما كانت في سرعة الاستجابة: خلال أشهر، ظهرت ورقة بحثية موقّعة من 149 باحثاً، بينهم مؤلّفون سابقون في التقييم الوطني نفسه. هذا التناقض بين حجم التفكيك وسرعة إعادة التنظيم هو ما يستحقّ التوقّف عنده.
لماذا تُعدّ تقارير التقييم المناخي بنية تحتية معرفية لا مجرّد وثائق؟
تقارير التقييم المناخي في الولايات المتحدة مُلزمة قانوناً، وهي ليست أبحاثاً أصيلة بقدر ما هي عمليات تجميع: يراجع المؤلّفون آلاف الأوراق العلمية المنشورة، ويلخّصون ما تستطيع الأدلّة إثباته وما لا تستطيع. الوظيفة العملية لهذا التلخيص أوسع من الأوساط الأكاديمية؛ فمخطّطو المدن يستخدمونها في تصميم بنية تحتية للوقاية من الفيضانات، والمزارعون يعتمدون عليها للتمييز بين اتّجاهات المناخ طويلة الأمد وتقلّبات الطقس الموسمية. حين يُزال هذا المرجع من التداول، لا يختفي الطلب على المعلومة يبحث المستخدمون عن بديل. وبالفعل، بادر آخرون إلى استضافة نسخ من التقارير السابقة على الإنترنت للحفاظ على إتاحتها للجمهور عبر منصّة nca5.climate.us، في تحرّكٍ يعكس أنّ الفراغ المؤسسي لا يمنع استمرار الطلب على البيانات.
كيف صُمِّمت «مجموعة المناخ الأمريكية» لتفادي نقطة الفشل الواحدة؟
لاحقاً في العام نفسه، أعلن الاتحاد الأمريكي للجيوفيزياء والجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية عن إطلاق مبادرة أطلقا عليها اسم "مجموعة المناخ الأمريكية"،وتفاصيلها متاحة عبر الإعلان الرسمي وعبر موقع المبادرة. الفارق البنيوي هنا مهم: بدلاً من تنسيق تقييم ضخم واحد يمرّ عبر جهة تنسيق مركزية كما هو حال برنامج أبحاث التغيّر العالمي أو الهيئة الدولية الحكومية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC)تدعو المجموعة إلى تقديم أوراق محكّمة بشكل مستقلّ، على أن يصل كتّاب التقارير المستقبليون إليها عبر مورد مركزي واحد. بعبارة أخرى: تفكيك المخاطرة المؤسسية عبر توزيع الإنتاج، مع الإبقاء على مركزية الوصول.
أول ثمار هذه البنية هي الورقة التي أضيفت إلى المجموعة حديثاً، والموقّعة من 149 مؤلّفاً، ونُشرت في مجلّتين تديرهما الجمعيتان الراعيتان: نشرة الجمعية الأمريكية للأرصاد الجوية، ومجلّة "مستقبل الأرض"،بمعرّف DOI: 10.1029/2025EF007336، وكلاهما مُدرَج للنشر في 2026. الورقة لا تُقدّم نتائج علمية جديدة بقدر ما تُقدّم خارطة طريق لترتيب أولويات المساهمات البحثية المقبلة وهي بذلك أقرب إلى بروتوكول تنسيق منه إلى بحث تجريبي.
ما الذي تضعه خارطة الطريق في أعلى القائمة؟
من بين الموضوعات التي حدّدتها الورقة كأولوية: مقارنة الاتجاهات المناخية المرصودة فعلياً بإسقاطات النماذج المناخية، في وقتٍ تشهد فيه هذه النماذج تطوّرين متوازيين استكشاف محاكاة قائمة على التعلّم الآلي، وتقنيات تنتج محاكاة أدقّ من حيث الدقّة المكانية. كما تشجّع خارطة الطريق على تبنّي المقاربات الإقليمية التي اعتمدتها التقييمات الوطنية السابقة، بدلاً من مقاربة وطنية موحّدة. أحد الأمثلة الملموسة المذكورة يأتي من ألاسكا، حيث ربطت أبحاث محلّية بين ذوبان التربة الصقيعية وحرائق الغابات وما يترتّب عليهما لاحقاً من إطلاق الزئبق في المياه السطحية وهو نموذج للترابط النظمي بين ظواهر يبدو كلٌّ منها منفصلاً عند القراءة الأولى.
اللافت أن خارطة الطريق لا تحصر نفسها داخل الحدود الأمريكية: هناك إشارة إلى إمكانية توسيع التحليل ليشمل كندا، وإلى فرصة تقييم الروابط التجارية الأمريكية بتأثيرات مناخية تحدث في مواقع أخرى من العالم وهو ما لم يكن ممكناً بالسهولة نفسها ضمن إطار تنسيق فيدرالي مقيّد بالحدود الوطنية.
تقول ميليسا كيني (Melisa Kenney)، المؤلّفة الرئيسية للورقة: "أرى في خارطة الطريق هذه عملية بذرٍ وتسريعٍ لجهد توليفي موزّع، أكثر من كونها إطلاقاً لبرنامج بحثي يُدار مركزياً"، مضيفة أن "الهدف هو أن تُوَلِّف الأوراق فهمنا العلمي الحالي لموضوعات أساسية، لدعم شبكة من جهود التقييم المناخي التي تجري على المستوى الولائي أو المحلّي أو القطاعي أو غيره من المقاييس".
ماذا يعني هذا لسياسة المناخ الأمريكية في الأشهر المقبلة؟
السياق الأوسع الذي تعمل فيه هذه المبادرة معقّد بطبيعته: سياسة المناخ الأمريكية تحوّلت إلى هدفٍ متحرّك وفوضوي، بينما تستمر جهود التكيّف المحلّي وخفض الانبعاثات في أنحاء متفرّقة من البلاد بمعزل عن التوجّه الفيدرالي. في الوقت نفسه، تواصل تكاليف الطاقة المتجدّدة الانخفاض مع تزايد معدّلات نشرها، بينما أعاد اندفاع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي رسم توقّعات الطلب على الكهرباء بشكل غير متوقّع قبل سنوات قليلة.
ثلاثة سيناريوهات تبدو واقعية لمسار هذه البنية البديلة خلال الفترة المقبلة: الأرجح، أن تستمر مجموعة المناخ الأمريكية في استقطاب أوراق متفرّقة تغطّي موضوعات خارطة الطريق دون أن تتحوّل إلى بديل كامل الأركان عن تقييم وطني موحّد عالي الجودة لكنها ستظلّ كافية لتزويد جهات التخطيط المحلّي والقطاعي بمرجعية علمية محدّثة. المحتمل، أن يتوسّع نطاق التحليل تدريجياً ليشمل كندا والروابط التجارية العابرة للحدود، بما يحوّل المبادرة من مشروع تعويضي محلّي إلى شبكة إقليمية أوسع. الأقلّ احتمالاً، أن تستعيد جهة فيدرالية التنسيق المركزي للتقييم الوطني خلال الفترة القريبة، وهو ما لا تدعمه أي إشارة حالية في مسار السياسات المُعلَنة. المتغيّر الحقيقي الذي سيحدّد أيّ هذه المسارات يترسّخ هو حجم التمويل الذي ستتمكّن الجمعيتان العلميتان من حشده لتوسيع هذا الجهد الموزّع على المدى المتوسط.
أخبار ذات صلة

كبرى شركات النفط تطلب من المحكمة العليا إسقاط دعاوى المناخ

الثقب القطبي الجنوبي يتسّع: لماذا تتأخّر استعادة طبقة الأوزون؟

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"
