معركة القضاء الأمريكي تحدد مستقبل دعاوى التغير المناخي
غياب قاضي المحكمة العليا يترك مصير دعاوى مناخية ضد شركات النفط معلّقاً بين استمرار المحاكمة أو التعادل القانوني في قضية بولدر التي تطالب بتعويضات عن أضرار التغير المناخي وسط معركة قانونية وسياسية حاسمة وورلد برس عربي.

في تفصيلٍ قانونيٍّ ضيّق، قد يتقرّر مصير أكثر من عشرين دعوى قضائية تخصّ المناخ في الولايات المتحدة: غياب القاضي صامويل أليتو عن جلسة الاثنين، بعد تنحّيه الأسبوع الماضي دون تفسير، يترك المحكمة العليا أمام احتمال تعادل الأصوات. وإذا حدث ذلك، فإنّ قضيّة مدينة بولدر الكولورادية ضدّ ExxonMobil و Suncor Energy سيُسمح لها بالاستمرار نحو المحاكمة — لا بقرارٍ قضائي حاسم، بل بتعادلٍ حسابي. هذه هي الإشارة الأضعف في قصّةٍ أكبر بكثير: معركة قانونية ممتدّة منذ 2018 حول من يتحمّل تكلفة الكوارث المناخية.
من دعوى محلية إلى قضية دستورية
رفعت مدينة بولدر ومقاطعتها دعواهما ضدّ الشركتين في محكمة ولاية كولورادو عام 2018، ضمن موجةٍ تضمّ أكثر من عشرين دعوى مماثلة تتّهم صناعة النفط بتضليل الجمهور بشأن تغيّر المناخ. نجت قضية بولدر، مثل نظيراتها، من جولاتٍ متعدّدة من الاستئناف أمام محاكم الولاية والمحاكم الفيدرالية، قبل أن تصل أخيراً إلى أعلى هيئة قضائية في البلاد.
جلسة الاثنين لم تتناول وقائع الدعوى أو مدى صحّة الاتهامات، بل اقتصرت على سؤالٍ قانونيٍّ أضيق: هل يحقّ للولايات والمدن أصلاً أن تلاحق شركات النفط قضائياً بموجب قوانينها المحلية، أم أنّ القانون الفيدرالي يحتكر هذا المجال؟ الشركتان تطلبان من المحكمة العليا حكماً يقضي بأنّ القانون الفيدرالي، وتحديداً قانون الهواء النظيف (Clean Air Act)، يسبق أو "يَحجُب" (preempt) أيّ دعاوى محلية مرتبطة بالتلوّث المناخي. كما تستندان إلى حجّةٍ دستورية مفادها أنّ السيطرة على التلوّث العابر للولايات هي اختصاصٌ فيدرالي حصري.
"سياسة طاقة بالوكالة" في مقابل "قضية خداع"
في المرافعة، لخّص كانون شانموغام، محامي Exxon و Suncor، موقف الشركتين بعبارةٍ حادّة: «هذه القضية تمثّل محاولةً غير مسبوقة لاستخدام قانون الولاية لتنظيم سلوكٍ عالمي». وذهب أبعد في تصوير المخاطر النظامية للسماح بالدعوى: «إذا سُمح لمطالبات بولدر بالمضي قدماً، فسيكون لدى نحو 90,000 بلدية في جميع أنحاء البلاد القدرة على صياغة سياسة الطاقة الوطنية والدولية من خلال مطالبة هيئات المحلّفين بفرض أضرارٍ كارثية على منتجين مختارين من الوقود الأحفوري».
في المقابل، حاول كيفين راسل، محامي بولدر، إعادة تأطير القضية بعيداً عن سؤال الانبعاثات نفسه: «هذه القضية ليست حول الانبعاثات»، قال، مضيفاً: «إنّها حول الخداع». الفارق هنا جوهري من الناحية القانونية: بولدر لا تطلب أمراً قضائياً يقيّد نشاط الشركتين أو ينظّم انبعاثاتهما، بل تسعى إلى تعويضاتٍ مالية — ربّما بمليارات الدولارات — عن التكاليف التي فرضتها عليها الظواهر الجوية المتطرّفة المرتبطة بالمناخ. وتجادل المدينة بأنّ لا قانون الهواء النظيف ولا الدستور يمنعان إجراءات الولاية التي لها أثرٌ ثانوي في خفض التلوّث، مستشهدةً بضرائب الوقود كمثالٍ على إجراءٍ محلي له انعكاسٌ بيئي غير مباشر.
نوريا ريفيرا-فاندرمايد، مديرة مدينة بولدر، صاغت الرهان بلغةٍ أقرب إلى الواقع اليومي للمدينة: «بولدر، مثل مدنٍ ومقاطعاتٍ أخرى في جميع أنحاء البلاد، تواجه يومياً حقائق مرتبطة بتغيّر المناخ، من حرائق الغابات والفيضانات إلى الجفاف والحرارة الشديدة والضغوط المتزايدة على مواردنا المائية وبنيتنا التحتية». وأضافت: «السؤال القانوني المطروح أمام المحكمة هو: هل يجب على دافعي الضرائب تحمّل هذه التكاليف وحدهم، أم يجب على المدّعى عليهم أيضاً دفع حصّتهم العادلة من الأضرار التي تسبّبوا بها؟».
حملة منظّمة خلف الكواليس
ما قد لا يظهر في عناوين تغطية جلسة الاثنين هو أنّ هذه المرافعة ليست حدثاً معزولاً، بل محطّة في حملةٍ أوسع تقودها شركات النفط ومجموعاتٌ محافظة لوقف هذه الدعاوى قبل وصولها إلى قاعات المحاكمة أصلاً. فبعض الولايات سنّت بالفعل قوانين تحظر الدعاوى المناخية، بينما قدّم جمهوريون في الكونغرس تشريعاً فيدرالياً يهدف إلى حماية شركات النفط من مطالبات المسؤولية المناخية. وتدخّلت إدارة ترامب في عددٍ من قضايا الولايات، بما فيها قضية بولدر، بهدف عرقلتها، وقدّمت حجّتها مباشرةً أمام القضاة يوم الاثنين.
على هامش هذه الحملة، كشف تقريرٌ نشرته بوليتيكو أنّ مجموعاتٍ محافظة قدّمت أكثر من 100 طلب للحصول على سجلّاتٍ عامة تتعلّق بعمل العلماء المستشهد بهم في هذه القضايا وبجهات تمويلهم — وهو نمطٌ يكشف أنّ المعركة لا تدور فقط في قاعة المحكمة، بل في محاولة تقويض المصداقية العلمية التي تستند إليها الدعاوى من الأساس. موقف المحكمة نفسها لم يكن أحادياً في الاتجاه المحافظ؛ إذ أشار القاضي كلارنس توماس إلى تساؤلٍ حول اختصاص المحكمة أصلاً بالنظر في القضية قبل صدور أيّ حكمٍ من محكمةٍ أدنى، فيما أبدى عدّة قضاة ميلاً إلى اعتبار تدخّل المحكمة العليا في هذه المرحلة سابقاً لأوانه. مايكل جيرارد، المدير الأكاديمي لمركز سابين لقانون تغيّر المناخ في جامعة كولومبيا، لخّص هذا المسار بقوله: «أعتقد أنّ أفضل فرصةٍ لبولدر تكمن في السؤال المتعلّق بالاختصاص، أي ما إذا كانت هذه القضية سابقة لأوانها». في المقابل، رأى جيرارد أنّ عدداً من القضاة المحافظين بدوا متقبّلين لفكرة أنّ القانون الفيدرالي يسبق على الأقلّ بعض مطالبات بولدر.
خارج قاعة المحكمة، تجمّع مؤيّدون للسماح لقضية بولدر بالمضي قدماً، فيما تلقّت المدينة مذكّراتٍ داعمة من مجموعاتٍ مناخية وديمقراطيين وأكاديميين ومسؤولين سابقين في وكالة حماية البيئة الأمريكية، من بينهم معيّنون من رؤساء جمهوريين. في المقابل، قدّمت مجموعاتٌ محافظة وسياسيون مذكّراتٍ داعمة لموقف شركات النفط. أمّا بخصوص تنحّي أليتو، الذي يملك أسهماً في شركات نفط طرفٌ في دعاوى مناخية أخرى متأثّرة بهذه القضية، فقد تناولته تغطية سابقة اعتبرت توقيته متأخّراً عن ضغوطٍ سبقته.
ثلاثة مسارات ممكنة بحلول يونيو
عشرات القضايا المناخية المحلية والولائية الأخرى معلّقة حالياً بانتظار حكم المحكمة العليا في قضية بولدر، والمتوقّع صدوره بحلول نهاية دورة المحكمة في يونيو. ثلاثة سيناريوهات تستحقّ المتابعة: الأرجح، أن يصدر حكمٌ جزئي يميل إلى تفسيرٍ ضيّق لحجّة "الحَجب الفيدرالي"، يسمح لبعض الدعاوى بالاستمرار بينما يقيّد نطاق مطالبات أخرى — وهو ما يتّسق مع تردّد عدّة قضاة في التدخّل بشكلٍ شامل في هذه المرحلة. المحتمل، أن يؤدّي غياب أليتو المستمرّ عن التصويت إلى تعادلٍ فعلي يُبقي قضية بولدر حيّةً دون أن يرسي ذلك سابقةً واضحة لبقية القضايا المعلّقة. الأقلّ احتمالاً، أن تصدر المحكمة حكماً حاسماً وشاملاً يقضي بأنّ القانون الفيدرالي يحجب كافّة الدعاوى المناخية المحلية — وهو السيناريو الذي يطالب به فريق الدفاع عن شركات النفط، لكنّه يتطلّب إجماعاً يتجاوز الانقسامات التي ظهرت في جلسة الاثنين نفسها. المؤشّر الذي يستحقّ المراقبة ليس نصّ الحكم فقط، بل مدى اتّساعه: فالفارق بين حكمٍ ضيّق وآخر شامل سيحدّد مصير أكثر من عشرين دعوى أخرى معلّقة في الوقت نفسه.
أخبار ذات صلة

الثقب القطبي الجنوبي يتسّع: لماذا تتأخّر استعادة طبقة الأوزون؟

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"

تحوّل الكهربة: أين تكمن التحديات الحقيقية؟
