وورلد برس عربي logo

اتساع فتحة الأوزون فوق القارة القطبية بين التقلّبات الجوية

رغم اتساع فتحة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية هذا العام لتصبح الأكبر منذ عقدين، يعود السبب إلى تقلبات جوية طبيعية وليس زيادة في التلوث الكيميائي. التعافي مستمر ببطء والظاهرة تعكس ديناميكا جوية لا تراجع بيئي. وورلد برس عربي

رسم بياني يوضح اتساع فتحة الأوزون فوق نصف الكرة الجنوبي بين يوليو وديسمبر مع توقعات لعام 2026 وتأثير الديناميكا الجوية على حجم الفتحة.
بلغ ثقب الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية ذروته في 20 سبتمبر 2026، ومنذ ذلك الحين بدأ يتقلص.
التصنيف:المناخ
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

-في الوقت الذي تُظهر فيه المؤشرات طويلة المدى تعافياً بطيئاً لطبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، سجّلت فتحة الأوزون هذا العام اتساعاً يناقض ظاهرياً ذلك المسار. هذه هي الإشارة الأضعف التي تستحقّ التوقّف عندها: رقمٌ سنوي يتحرّك عكس الاتجاه العام، دون أن يُبطل الاتجاه نفسه. الفجوة بين الملاحظة اللحظية والقراءة الهيكلية هي بالضبط ما يُفسَّر بالديناميكا الجوية لا بتراجع عقودٍ من جهود الحدّ من الانبعاثات.

في 20 سبتمبر، بلغت مساحة فتحة الأوزون فوق أنتاركتيكا 10.6 مليون ميل مربع (27.4 مليون كيلومتر مربع)، وهو ثاني أكبر حجمٍ يُسجَّل في هذا التوقيت من السنة. آخر مرّة اقتربت فيها الفتحة من هذا المستوى كانت في أكتوبر 2015، حين وصلت إلى 10.8 مليون ميل مربع (27.9 مليون كيلومتر مربع). لكنّ بيانات خدمة مراقبة الغلاف الجوي التابعة لبرنامج كوبرنيكوس (Copernicus Atmosphere Monitoring Service) أظهرت تراجعاً إلى نحو 9.3 مليون ميل مربع (24 مليون كيلومتر مربع) بعد هذا التاريخ، ما يجعل تسجيل رقمٍ قياسيٍّ جديد يتجاوز 2015 أمراً مستبعداً. ووصف مقالٌ تحليلي منشور على منصّة The Conversation فتحة هذا العام بأنّها «الأكبر منذ 20 عاماً».

لماذا اتّسعت الفتحة هذا العام تحديداً؟

التفسير الذي تتبنّاه الباحثة هانا كيسينيتش، الفيزيائية في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة أوتاغو في نيوزيلندا، لا يُحمّل كيمياء الغلاف الجوي مسؤولية الاتساع، بل يُرجعه إلى دوّامة قطبية (polar vortex) أقوى من المعتاد فوق أنتاركتيكا والمحيط الجنوبي. هذه الدوّامة تحبس الهواء البارد فوق القارة خلال الشتاء، وقد خلقت هذا العام ظروفاً طبقية أكثر برودة من المعتاد، ما سرّع من اتساع الفتحة. والمهمّ هنا أنّ الباحثين لم يرصدوا أيّ زيادة في مستويات الكلور التفاعلي أي أنّ المحرّك ليس كيميائياً جديداً، بل ديناميكي بحت.

تقول عالمة الكيمياء والدراسات البيئية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، سوزان سولومون، التي قادت أبحاث فتحة الأوزون الأنتاركتيكية منذ ثمانينيات القرن الماضي: «الدوّامة الأبرد أثارت تآكلاً في الأوزون أكبر من المعتاد». أمّا كيسينيتش فتصف حجم الفتحة هذا العام بأنّه على الأرجح نتيجة تقلّب طبيعي في الديناميكا الجوية، لا إشارة إلى تراجع في مسار التعافي.

آلية تكوّن الفتحة معروفة جيداً: حين تنخفض درجات حرارة الستراتوسفير القطبي الجنوبي إلى ما دون 108 درجة فهرنهايت تحت الصفر (78 درجة مئوية تحت الصفر)، تتشكّل سُحبٌ جليدية في طبقاتٍ عالية من الغلاف الجوي. على أسطح هذه السحب، يتحوّل الكلور الخامل إلى كلورٍ فعّال مدمِّر للأوزون عند عودة ضوء الشمس بعد أشهرٍ من الظلام القطبي. وهذا بالضبط ما يحدث سنوياً بين منتصف سبتمبر وأوائل أكتوبر، وهو التوقيت الذي يتزامن فيه برود الستراتوسفير مع عودة الضوء، فتبلغ الفتحة ذروتها قبل أن يبدأ الهواء المحيط الغني بالأوزون بالتسلّل إليها تدريجياً، فتنكمش حتى أواخر يناير. القطب الشمالي لا يشهد الظاهرة نفسها بالحدّة ذاتها، لأنّ الهواء الدافئ في خطوط العرض الوسطى يختلط بسهولةٍ أكبر مع الهواء القطبي الشمالي، ما يحدّ من تشكّل السحب العالية هناك.

رسم بياني ثلاثي الأبعاد يظهر تطور فتحة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية بين أغسطس وسبتمبر 2026 مع تباين في تركيز الأوزون.
Loading image...
تصوير تطور ثقب الأوزون من أغسطس حتى منتصف سبتمبر 2026. (حقوق الصورة: خدمة مراقبة الغلاف الجوي كوبيرنيكوس)

الجذر الكيميائي الذي لا يزال يُقاس بعقود

خلف الديناميكا السنوية، يبقى الجذر الكيميائي للمشكلة ثابتاً: انبعاثات مركّبات الكلوروفلوروكربون (CFCs) التي استمرّت من ثلاثينيات القرن الماضي حتى أواخر الثمانينيات، ورفعت تركيزات الكلور في الستراتوسفير بما عزّز تآكل الأوزون. في 1989 دخل بروتوكول مونتريال حيّز التطبيق، بدءاً للتخلّص التدريجي من استخدام هذه المركّبات. لكنّ المشكلة أنّ معظم مركّبات الكلوروفلوروكربون الرئيسية تبقى في الغلاف الجوي لمدةٍ تتراوح بين 50 و100 عام، ما يجعل تقديرات الباحثين لاكتمال تعافي الفتحة تمتدّ إلى نحو ستة عقود. هذا هو التحوّل الهيكلي البطيء الذي لا تلتقطه عناوين الأخبار السنوية، لكنّه المقياس الوحيد الذي يُعتدّ به فعلياً.

من هنا تأتي ملاحظة سولومون المحورية: «نتوقّع صعوداً وهبوطاً في حجم الفتحة من عامٍ إلى آخر... عامٌ واحد أو بضعة أعوامٍ من فتحاتٍ أكبر أو أصغر لا يخبرنا بشيءٍ عن تآكل الأوزون أو تعافيه؛ إنّه مجرّد تقلّب. علينا النظر إلى الاتجاهات طويلة المدى، وهذه المقاييس لا تزال تخبرنا أنّ فتحة الأوزون تتعافى ببطءٍ كما هو متوقّع». بعبارةٍ أخرى: الضجيج السنوي لا يُفسَّر بوصفه إشارة.

ما الذي تقوله الأرقام الدقيقة؟

يُحسَب اتساع الفتحة عبر المناطق التي تقلّ فيها قيم الأوزون عن 220 وحدة دوبسون وهي وحدة تقيس عدد جزيئات الأوزون في عمودٍ رأسي عبر الغلاف الجوي. وهنا تكمن نقطةٌ مهمّة غابت عن كثير من التغطيات: رغم اتساع المساحة هذا العام، فإنّ القيم لم تصل إلى المستويات المنخفضة ذاتها التي شهدتها أعوام الفتحات الكبيرة السابقة. أي أنّ كميّة الأوزون «المفقودة» كانت أقلّ من تلك المسجّلة في سنوات سابقة مماثلة الحجم، وفق ما خلصت إليه كيسينيتش وزملاؤها. اتساع المساحة لا يعني بالضرورة عمقاً مماثلاً في التآكل وهذا تمييزٌ تقني لكنه حاسم لفهم الصورة الكاملة.

استخدمت كيسينيتش بيانات الأقمار الصناعية ونموذجاً حاسوبياً لتوقّع أنّ الفتحة ستبقى كبيرة وتتذبذب خلال الأسابيع التالية. لكنّ الباحثين أثاروا أيضاً احتمالاً أبعد مدى: استمرار فتحاتٍ كبيرة حتى أواخر الربيع، في حال ساهمت تغيّراتٌ في الغلاف الجوي لا علاقة لها بمركّبات الكلوروفلوروكربون في جعل هذه الفتحات الممتدة أكثر احتمالاً. وهناك أدلّةٌ أوّلية لا حاسمة تشير إلى أنّ تغيّر المناخ قد يُقوّي الدوّامة القطبية الجنوبية مع الوقت، ما يُخفّض درجات حرارة الستراتوسفير ويزيد من خسائر الأوزون الربيعية. تقول كيسينيتش إنّ دوّامةً قوية قد تُبقي الفتحة كبيرة حتى شهر نوفمبر، لكنّها تُقرّ أيضاً بأنّ «محرّكات التقلّب الديناميكي في السنوات الأخيرة لا تزال غير مؤكّدة، وتحتاج إلى مزيدٍ من البحث».

وتختصر كيسينيتش الموقف بقولها: «فتحة الأوزون هذا العام لا ينبغي أن تكون سبباً للقلق، لكن لا تزال هناك أسئلة كثيرة بلا إجابة. إنّه أمرٌ يجب أن نراقبه عن كثب».

ثلاثة مسارات محتملة للأشهر القادمة

الأرجح : أن تستمرّ الفتحة في التذبذب عند مستوياتٍ كبيرة نسبياً خلال الأسابيع المقبلة قبل أن تبدأ انكماشها الموسمي المعتاد حتى أواخر يناير، بما يتّسق مع نمط التعافي البطيء الذي تصفه سولومون.

المحتمل: أن تُبقي دوّامةٌ قطبية قويّة الفتحة متّسعة حتى نوفمبر، في سيناريوٍ لا يُغيّر المسار العام لكنّه يُطيل أمد الحالة الاستثنائية لهذا العام.

الأقلّ احتمالاً: أن تكشف الأبحاث اللاحقة عن محرّكٍ ديناميكي جديد، مرتبط بتغيّر المناخ، يجعل فتحاتٍ كبيرة ومتكرّرة ظاهرةً أكثر انتظاماً في العقد القادم وهو احتمالٌ لا تزال البيانات الحالية عاجزة عن تأكيده أو نفيه. الفيصل الحقيقي سيكون في المقاييس طويلة المدى القادمة، لا في رقم موسمٍ واحد.

أخبار ذات صلة

Loading...
متظاهرون أمام المحكمة العليا الأمريكية يطالبون شركات النفط بتحمل المسؤولية عن تغيّر المناخ في قضية بولدر ضد ExxonMobil و Suncor.

كبرى شركات النفط تطلب من المحكمة العليا إسقاط دعاوى المناخ

تتصاعد المعركة القانونية في الولايات المتحدة بين مدن وشركات النفط حول مسؤولية التغير المناخي وتكاليف الكوارث البيئية. اكتشف تفاصيل القضية وتأثيرها على مستقبل العدالة المناخية الآن.
المناخ
Loading...
منزل ريفي مع وحدة مضخة حرارية خارجية، يعكس نقاش SEAI حول جدوى تركيب مضخات الحرارة قبل العزل العميق لتحسين كفاءة التدفئة وتقليل الانبعاثات.

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"

هل يجب تأجيل استبدال غلايات الزيت القديمة حتى إتمام العزل الشامل؟ دراسة آيرلندية تكشف أن التدفئة الذكية مع العزل المعقول توفر طاقة وتقلل الانبعاثات دون انتظار طويل. اكتشف المزيد الآن.
المناخ
Loading...
عامل يرتدي خوذة وفستان أمان يفحص ألواح شمسية على سطح كبير، يعكس أهمية الطاقة الشمسية في التحول نحو الكهربة والطاقة النظيفة.

تحوّل الكهربة: أين تكمن التحديات الحقيقية؟

بمئة دولار، تقطع السيارة الكهربائية ثلاثة أضعاف مسافة السيارة التقليدية، ما يجعل الكهرباء الخيار الأرخص والأكثر أماناً. اكتشف كيف تغير الكهربة مستقبل الطاقة وادخل عالم التحول الآن!
المناخ
Loading...
رسم بياني يوضح توزيع مصادر الطاقة الحية حسب الولايات الأسترالية مع التركيز على دور الطاقة الشمسية والبطاريات المجتمعية في دعم الشبكة الكهربائية.

الحكومة الأسترالية تسرّع مسار التحوّل إلى الطاقة المتجددة

تجاوزت أستراليا 100 بطارية مجتمعية تعزز تخزين الطاقة الشمسية وتحسن استقرار الشبكة الكهربائية. اكتشف كيف تسرّع هذه المشاريع التحول الطاقي وتخفض تكاليف الكهرباء. تابع التفاصيل الآن!
المناخ
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية