حقوق ذوي الإعاقة تواجه تحديات جديدة في أمريكا
تتصاعد المخاوف من تراجع حقوق ذوي الإعاقة في أمريكا بعد نقل الإشراف على التعليم الخاص لوزارة الصحة وتصريحات مثيرة للجدل حول التوحد وتخفيف الحماية القانونية مما يهدد اندماجهم ويعيدهم إلى هامش المجتمع وورلد برس عربي





في خضمّ جدلٍ متصاعد حول مستقبل حقوق ذوي الإعاقة في الولايات المتحدة، تتراكم قرارات إدارة ترامب لتُثير قلقاً عميقاً لدى المدافعين عن هذه الحقوق وذوي المعاقين على حدٍّ سواء. فبعد عقودٍ من النضال الذي أفضى إلى اندماج الأشخاص ذوي الإعاقة في المدارس والمجتمعات جنباً إلى جنب مع أقرانهم من غير المعاقين، يرى كثيرون أن ثمّة تراجعاً خطيراً بات يلوح في الأفق.
نقل الإشراف على التعليم الخاص: ما الذي تغيّر؟
أعلنت وزارة التعليم الأمريكية الشهر الماضي عن قرارٍ بنقل الإشراف على التعليم الخاص إلى وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، التي يترأّسها Robert F. Kennedy Jr. وقد أثارت تصريحات Kennedy حول الإعاقات ولا سيّما التوحّد موجةً من الانتقادات الحادّة من المدافعين عن حقوق ذوي الإعاقة والمشرّعين على حدٍّ سواء.
وفي سياقٍ موازٍ، أصدر قسم المشورة القانونية في وزارة العدل مذكّرةً خفّضت العتبة القانونية اللازمة لإيداع أيّ شخصٍ ذي إعاقة في مؤسساتٍ رعائية، وذلك في إطار توجيهٍ صدر عقب ضغوطٍ من البيت الأبيض بشأن ملفّ التشرّد.
وتجمع هذه الخطوات مجتمعةً في نظر المدافعين عن حقوق ذوي الإعاقة إشاراتٍ مقلقة إلى العودة نحو واقعٍ كان فيه الأشخاص ذوو الإعاقة مُهمَّشين على هامش المجتمع.
تقول Selene Almazan، المديرة القانونية لـ Council of Parent Attorneys and Advocates: "إنّه هجومٌ مباشر وصريح على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في أن يعيشوا حياتهم كما يعيشها الأشخاص غير المعاقين. لا أستطيع أن أتصوّر أن بلداً كبلدنا يمكن أن يتّفق على أننا ينبغي أن نعود إلى ذلك."
من الإقصاء إلى الاندماج: مسيرة حقوقية طويلة
منذ ستينيّات القرن الماضي، أسهمت التشريعات وأحكام المحاكم في توسيع نطاق الدعم والحماية للأشخاص ذوي الإعاقة، بما يكفل لهم حقّ التعلّم مع أقرانهم من غير المعاقين، والعيش والعمل في مجتمعاتهم. قبل ذلك، كان الأشخاص المصابون بأمراضٍ نفسية أو إعاقاتٍ ذهنية وتطوّرية يُودَعون في الغالب داخل مؤسساتٍ مغلقة.
وقد دأب المدافعون عن هذه الحقوق على رفض ما يُعرف بـ"النموذج الطبّي" (Medical Model)، الذي يُعامل الإعاقة باعتبارها عيباً ينبغي علاجه. في المقابل، يُقدّم "النموذج الاجتماعي" (Social Model) الإعاقةَ باعتبارها فارقاً يمكن استيعابه ودعمه، في بيئةٍ تجمع المعاقين وغير المعاقين في التعلّم والعمل معاً.
وترى الأسر والمدافعون أن نقل التعليم الخاص إلى وزارة الصحة يمثّل عودةً إلى النموذج الطبّي. ويزيد من حدّة هذا القلق ما يروّجه Kennedy من ربطٍ بين اللقاحات والتوحّد، خلافاً لعقودٍ من الأبحاث التي تنفي هذه الصلة قطعاً، فضلاً عن توصيفه للتوحّد بوصفه مرضاً مُقعِداً.
وكانت تصريحاتٌ أطلقها Kennedy العام الماضي، قال فيها أن الأطفال المصابين بالتوحّد لن يكتبوا قصيدةً ولن يدفعوا ضرائب ولن يحتلّوا وظيفة، قد أثارت تساؤلاتٍ جدّية حول طريقة إدارته لوزارةٍ مهمّتها الأساسية تمكين هؤلاء الطلاب من اكتساب هذه المهارات بالذات. وقد عاد Kennedy لاحقاً ليوضّح أنه كان يتحدّث عن حالات "التوحّد الشديد" أو غير الناطقين.
تقول Zoe Gross، مديرة المناصرة في Autistic Self Advocacy Network: "كثيرٌ ممّا قال Kennedy إن المعاقين لن يفعلوه، هو بالضبط ما يتولّى التعليم الخاص ضمان حصول الطلاب ذوي الإعاقة على الفرصة لفعله. فهل سيُنفّذ ذلك بأمانة، أم أنه يعدّ الطلاب المعاقين قضيةً خاسرة حتى يُعثر على علاجٍ طبّي؟"
المحكمة العليا وحقوق ذوي الإعاقة
في عام 1999، أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها الشهير في قضية Olmstead v. L.C.، الذي قضى بأن عزل الأشخاص ذوي الإعاقة القادرين على العيش في مجتمعاتهم بالدعم المناسب يُعدّ شكلاً من أشكال التمييز. وقد أفضى هذا الحكم إلى اشتراطاتٍ تُلزم الجهات الحكومية بتقديم خدمات الإعاقة في أكثر البيئات اندماجاً في المدارس العادية والمنازل وأماكن العمل.
غير أن مذكّرةً أصدرها مكتب المشورة القانونية في وزارة العدل في يونيو الماضي قلبت هذا التوجّه رأساً على عقب، إذ ذهبت إلى أن قانون الأمريكيين ذوي الإعاقات (ADA) والمادة 504 من قانون إعادة التأهيل وهما من أبرز تشريعات حقوق الإعاقة لا يُلزمان الولايات بتقديم الخدمات في أكثر البيئات اندماجاً. وعلى الرغم من أن المذكّرة لا تُغيّر القانون بحدّ ذاتها، فإنها تُلمح إلى الكيفية التي قد تُفسّر بها الوكالات الفيدرالية قضايا الحقوق المدنية ذات الصلة، وقد تُشجّع الولايات أو المناطق التعليمية على الامتناع عن دعم ذوي الإعاقة في البيئات السائدة.
وكان البيت الأبيض قد تحرّك في الاتجاه ذاته حين أصدر الرئيس Donald Trump مرسوماً تنفيذياً بشأن التشرّد، أجاز فيه الاحتجاز المدني القضائي الذي يأمر بموجبه قاضٍ بإيداع أفرادٍ في مستشفياتٍ أو برامج علاجية إجبارية. ووجّه Trump وزارة الصحة والخدمات الإنسانية للحدّ من العقبات أمام إيداع الأشخاص المصابين بأمراضٍ نفسية في مؤسسات.
وقد أقرّت وزارة العدل في مذكّرتها بأن تفسيرها لحكم Olmstead يسير "في غير الاتجاه السائد" مقارنةً بالفهم الشائع للقرار، مُنبّهةً إلى أن أيّ ولايةٍ تشرع في تقديم الخدمات داخل مؤسساتٍ مغلقة ستواجه على الأرجح طعوناً قانونية.
وتُلخّص Claudia Center، المديرة القانونية لـ Disability Rights Education and Defense Fund، هذا التوجّه بقولها: "إنه مظلمٌ ومروّع، وأعتقد أنه يتعارض مع رأي الأغلبية في بلدنا... إنه منفصلٌ عن الواقع الذي وصل إليه مجتمعنا."
أطفالٌ يزدهرون في الفصول العادية
خلّفت هذه التحوّلات حالةً من الغموض والقلق العميق لدى أسر ذوي الإعاقة. تحكي Lindsey Althaus من شمال غرب ولاية أوهايو كيف كانت خدمات الرعاية المنزلية والمجتمعية ركيزةً أساسية لأسرتها؛ فابنها ذو الـ12 عاماً، Whitman، يعاني من التوحّد واضطرابٍ عصبي يُعرف بـ"الأبراكسيا" (Apraxia)، وهو حالةٌ يُخفق فيها الدماغ في توجيه العضلات لتشكيل الكلمات أو أداء المهارات الحركية الأخرى. وبفضل خدمات الدعم المناسبة، تمكّن Whitman طوال جزءٍ من مسيرته الدراسية من قضاء معظم يومه في فصلٍ دراسي يضمّ طلاباً من غير المعاقين.
وعبر برنامج إعفاء Medicaid، تدفع Althaus لوالدتها مقابل رعاية Whitman في غيابها، مما يتيح له قضاء وقته في المجتمع برفقة جدّته بينما تعمل هي وزوجها أو يتغيّبان مع ابنتهما.
وبموجب التفسير الجديد لوزارة العدل لحكم Olmstead، ستكون الولايات أقلّ التزاماً بتمويل هذه البرامج ودعمها. وقد انتقد Kennedy في شهادته أمام الكونغرس مطلع هذا العام برامجَ مماثلة، واصفاً إياها بأنها عرضةٌ للاحتيال.
تقول Althaus، التي تعمل هي الأخرى مدافعةً عن حقوق الإعاقة: "نريد أن يكون ابننا جزءاً من المجتمع. لكنّ الأمور باتت تُشعرني بأن Whitman لم يعد مرحَّباً به. نعود إلى هذا المنطق: إمّا أن تكون مثالياً، وإمّا أن تختفي من دائرة الضوء."
أمّا Magda Nakassis، فتروي تجربة ابنها ذي الثماني سنوات المصاب بالتوحّد وغير الناطق؛ إذ كانت مرحلة ما قبل المدرسة تعني في الغالب الطرد المتكرّر من الأنشطة والبرامج. لكن في المدرسة الحكومية بولاية ماريلاند، وجدت Nakassis معلّمين وموظّفين يفهمون احتياجات ابنها، وأخبروها بالتوقّف عن الاعتذار عنه. وتضمّ مدرسته برنامجاً يُسمّى "Fantastic Friends" يُعرّف طلاب الصفّ الخامس العاديين بالتوحّد، ويقضون معهم أوقات الاستراحة. وتقول Nakassis إن ثمّة قائمة انتظارٍ كلّ عامٍ للانضمام إلى هذا البرنامج.
وتُشير Nakassis إلى صعوبة مشاهدة توظيف التوحّد ورقةً سياسية. فحقّ كلّ طفلٍ في التعليم العام ليس مسألةً طبّية، بل هو في جوهره مسألة إنصافٍ وعدالةٍ في مجتمعٍ كثيراً ما يُهمّش ذوي الإعاقة.
تختم Nakassis بسؤالٍ يحمل ثقلاً كبيراً: "ثمّة أطفالٌ كثيرون مثله، وأتساءل أحياناً: ماذا كنّا نفعل بهم في السابق؟ لا أستطيع أن أُصدّق أن ما كان أفضل مما هو عليه الآن."
أخبار ذات صلة

اعتقالات إسرائيلية لناشطات في الضفة الغربية

تنظيمات حقوقية تتهم قادة ميليشيات بجرائم حرب في السودان

حفيد وونج كيم أرك يرحّب بقرار المحكمة العليا حول الجنسية بالميلاد
