وورلد برس عربي logo

الإرهاب في بريطانيا بين السياسة والتمييز العنصري

حكم بريطاني يؤيد حظر حركة Palestine Action وسط احتجاجات حاشدة يعيد طرح سؤال الإرهاب كأداة سياسية ترتبط بالعنصرية والتاريخ الاستعماري ويكشف تناقضات في فهم العنف والمقاومة ضمن سياق الصراع الفلسطيني وورلد برس عربي.

احتجاز شرطة بريطانية لمتظاهر مسن في كرسي متحرك خلال احتجاجات حركة Palestine Action ضد تسليح إسرائيل أمام محكمة الاستئناف.
رجل مسن على كرسي متحرك يتم اصطحابه بعيدًا من قبل الشرطة بينما يتجمع المتظاهرون دعمًا لحركة فلسطين في وسط لندن، في 11 أبريل 2026 (كارلوس جاسّو/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حشود تتجمّع أمام محكمة الاستئناف البريطانية، يرتدي كثيرٌ منهم الكوفية ويرفعون الأعلام الفلسطينية. لافتاتٌ تقرأ: «التصرّف ضدّ الإبادة الجماعية ليس جريمة» و«أوقفوا تسليح إسرائيل».

بعض المحتجّين استلقوا على الأرض، فيما حمل الشرطة آخرين بعيداً، وبلغ عدد الموقوفين أكثر من 100 شخص. جاء هذا الاحتجاج في أعقاب حكمٍ أصدرته محكمة الاستئناف أيّدت فيه قرار الحكومة بحظر مجموعة Palestine Action، ناقضةً بذلك حكماً سابقاً للمحكمة العليا كان قد وصف الحظر بأنّه غير مشروع.

سيرى كثيرون في هذا الحكم هزيمةً لحركة التضامن مع فلسطين. غير أنّ الأهمية الحقيقية للقضية تكمن في مكانٍ آخر: فالجدل الدائر حول Palestine Action كشف عن شقوقٍ متنامية في الإطار الذي تُفهم من خلاله ظاهرة الإرهاب في بريطانيا. وبدلاً من أن يُعيد ردّ فعل الدولة تأكيد شرعية هذا الإطار، فقد كشف عن بعض تناقضاته الأعمق.

لعقودٍ طويلة، كان الإرهاب يعمل بوصفه إحدى أقوى اللغات التي يُفسَّر من خلالها العنف السياسي. فهو الذي يحدّد أيّ الأفعال تُعدّ مقاومةً مشروعة وأيّها يُدان بوصفه عنفاً أيديولوجياً. وهو الذي يحدّد من يظهر بوصفه فاعلاً سياسياً، ومن لا يظهر إلّا بوصفه تهديداً أمنياً.

كشفت قضية Palestine Action أنّ هذه اللغة ليست محايدةً ولا موضوعية. بل إنّها تستند إلى نوعٍ خاص من المعرفة العنصرية التي طالما هيكلت العنصرية ضدّ المسلمين وأضفت الشرعية على أشكالٍ استثنائية من العنف الحكومي.

التاريخ الاستعماري

كثيراً ما يُفهم الإرهاب باعتباره شكلاً من أشكال العنف. لكنّه أيضاً طريقةٌ في الرؤية.

نشأ معناه المعاصر من رحم التواريخ الاستعمارية، حين بات يُصوَّر الكفاح ضدّ الإمبراطورية لا بوصفه سياسةً بل بوصفه مرضاً. واحتلّت فلسطين مكانةً محوريةً في هذه العملية؛ إذ منذ سبعينيّات القرن الماضي، غدت صورة الـ«إرهابي» الفلسطيني صورةً محوريةً في خطاب الأمن الدولي. فجُرِّدت المقاومة ضدّ الاحتلال العسكري والتهجير من سياقها الحقيقي، وأُعيد تصويرها بوصفها تعبيراً عن عنفٍ لا عقلاني.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ترسّخت هذه الافتراضات في صميم الحياة العامة. بات الإرهاب يُقدَّم بصورةٍ متزايدة على أنّه نتاج التطرّف والتعصّب والكراهية، لا ظاهرةً متجذّرةً في تواريخ الاحتلال والتهجير والحرب. ونشأت صناعةٌ كاملة من خبراء الإرهاب لتفسير كيفية تحوّل الأفراد إلى إرهابيّين، مُنتِجةً نظريّاتٍ حول التطرّف والراديكالية وعلم النفس الإرهابي. وما يجمع هذه المقاربات جميعاً افتراضٌ مشترك: فُهم الإرهاب أساساً بوصفه مشكلة عقولٍ معطوبة، لا مشكلة شروطٍ سياسية.

المنطق الاستعماري لا يصعب اكتشافه. يظهر الإرهابي بوصفه شخصاً عاجزاً عن التعقّل، تحرّكه الغريزة لا السياسة، والكراهية لا التاريخ. يُصوَّر عنفه على أنّه لا عقلاني ومفرط وهمجي. في المقابل، يبدو عنف الدولة ضرورياً ومقيَّداً ومشروعاً.

لهذا يعمل الإرهاب بوصفه شكلاً من أشكال المعرفة العنصرية. فمثله مثل العرق تماماً، يُصنّف الشعوب ويُفرّق بين أشكال الإنسانية. تغدو أشكالٌ معيّنة من العنف مفهومةً بوصفها فعلاً سياسياً، فيما تُصوَّر أشكالٌ أخرى على أنّها مرضيّةٌ بطبيعتها وخارجة عن نطاق الفهم.

حين تترسّخ هذه التمييزات، يصبح تبرير العنف الاستثنائي أيسر. فالاحتجاز دون توجيه اتّهام، والتعذيب، والمراقبة الجماعية، وسحب الجنسية، والاغتيال الممنهج، والاحتلال العسكري كلّها يمكن تصويرها إجراءاتٍ أمنية لا أشكال عنفٍ عنصري.

كما يرى المفكّر Achille Mbembe في طرحه المعروف، يعمل العرق بتحديد من يمكن تعريضه للموت. وخطاب الإرهاب يؤدّي وظيفةً مماثلة: يُحدّد الشعوب التي يمكن تصوير معاناتها ضرورةً مفهومةً أو حتى مرغوبةً في سبيل الأمن العام.

التسلسل الهرمي الإمبراطوري

ثمّة تشابهٌ تاريخي مفيد هنا. خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، اعتمدت الإمبراطوريات الأوروبية بصورةٍ متزايدة على العنصرية العلمية لتبرير الفتح والاستعباد والحكم الاستعماري. فمن خلال قياسات الجماجم وعلم الفراسة واختبارات الذكاء، ادّعى العلماء اكتشاف فوارق بيولوجية موضوعية بين المجموعات البشرية.

حوّلت هذه النظريات الهيمنة السياسية إلى حقيقةٍ علمية. بدا التسلسل الهرمي الإمبراطوري طبيعياً، لأنّ العلم كان يُثبت أنّ بعض الشعوب أكثر تحضّراً وعقلانيةً وكفاءةً من غيرها.

اليوم، تُعترف بهذه النظريات بصورةٍ متزايدة بوصفها علماً زائفاً. فالتصنيفات التي أنتجتها لم تكشف حقائق عن الإنسانية، بل أضفت الشرعية الفكرية على منظومات هيمنةٍ كانت قائمةً أصلاً.

يعمل خطاب الإرهاب بأسلوبٍ مشابهٍ إلى حدٍّ لافت. فمثله مثل العنصرية العلمية، يُقدّم نفسه بوصفه معرفةً موضوعية. ومن خلال نظريّات التطرّف والراديكالية وعلم النفس الإرهابي، يدّعي تحديد خصائص قابلة للقياس في الشعوب الخطرة. غير أنّ هذه التصنيفات تُعيد باستمرار إنتاج التمييزات القديمة بين الحضارة والهمجية، والعقل واللاعقلانية، والإنسانية والتهديد.

كلٌّ من العنصرية العلمية وخطاب الإرهاب يحوّل العلاقات السياسية إلى معرفةٍ خبراتية. وكلاهما ينتج تراتبياتٍ بشرية. وكلاهما يجعل العنف يبدو ضرورياً بتصوير الهيمنة استجابةً موضوعية لتهديدٍ قابلٍ للتحديد الموضوعي.

لهذا تكتسب قضية Palestine Action أهمّيتها. فدلالة القضية لا تكمن فقط في أنّ ناشطين طعنوا في قرار الحكومة أمام القضاء، بل في أنّ الحملة كشفت هشاشة خطاب الإرهاب ذاته.

التناقض الكاشف

لعقودٍ طويلة، جرى تخيّل صورة الإرهابي من خلال الصورة النمطية المُعنصَرة لـ«التهديد الإسلامي». كان يُفترض أن يبدو الإرهابي بمظهرٍ بعينه، وأن يأتي من مجتمعاتٍ بعينها، وأن يجسّد قلقاً بعينه حول العرق والدين والانتماء الوطني.

فجاءت Palestine Action لتزعزع هذه التوقّعات. كثيرٌ ممّن اعتُقلوا بموجب التشريعات المرتبطة بالحظر كانوا ناشطين عاديّين، من بينهم أعدادٌ كبيرة من كبار السنّ ذوي البشرة البيضاء يعارضون علناً الهجوم الإسرائيلي على غزة ودور بريطانيا في دعمه. حضورهم أربك الافتراضات العنصرية التي يُعرَّف الإرهاب من خلالها عادةً.

صور المتقاعدين والمعلّمين ورجال الدين والناشطين المجتمعيّين وهم يُربطون بالإرهاب بسبب احتجاجهم ضدّ الإبادة الجماعية خلقت تنافراً يصعب تجاهله. فجأةً، بدت الفئة أقلّ بداهةً ممّا كانت عليه.

كان التناقض كاشفاً. كشف عن المدى الذي لم يعمل فيه الإرهاب قطّ بوصفه وصفاً محايداً للعنف. فسلطته اعتمدت دوماً على ارتباطاتٍ عنصرية بعينها تربط الخطر واللاعقلانية والعنف السياسي بشعوبٍ بعينها. حين تتزعزع هذه الارتباطات، تبدأ الفئة ذاتها بالتهاوي.

هذا لا يعني أنّ خطاب الإرهاب في طريقه إلى الزوال. فالعنصرية العلمية لم تختفِ حين طُعن في أسسها الفكرية، ولم تُهدم التراتبيات العنصرية حين جرى تفنيد النظريات البيولوجية للعرق. لكنّ مواجهةً حدثت؛ فادّعاءاتٌ كانت تبدو موضوعيةً باتت تُعترف بصورةٍ متزايدة بوصفها أيديولوجية. ضعفت سلطتها. وباتت تناقضاتها أكثر وضوحاً.

تكمن أهمية قضية Palestine Action في إسهامها في عمليةٍ مماثلة. فالجدل الذي أثارته كشف الافتراضات العنصرية التي تُشكّل خطاب الإرهاب المعاصر، وأظهر ادّعاءاته بالحياد بوصفها باتت أصعب على الاحتمال. وبذلك، فتح مساحةً سياسية لتحدٍّ أشمل لإحدى اللغات المركزية التي لا تزال العنصرية ضدّ المسلمين والعنف المُعنصَر يُنظَّمان من خلالها.

المهمّة الآن ليست مجرّد معارضة أمر الحظر. بل الاستمرار في تحدّي منظومة المعرفة التي تجعل مثل هذه الأوامر تبدو معقولةً في المقام الأوّل.

عندها فقط يمكن أن تبدأ الأسس المعرفية للحرب الدائمة والاحتلال والموت المُعنصَر بالانهيار.

أخبار ذات صلة

Loading...
مبنى مستشفى باستور 2 في موناكو حيث وقع انفجار استهدف رجل أعمال أوكراني مرتبط بروسيا وأدى لإصابة ثلاثة أشخاص.

سلطات موناكو تحتجز ثم تفرج عن شخص في تحقيقها حول انفجار هذا الأسبوع

انفجار موناكو يستهدف رجل أعمال أوكراني مرتبط بروسيا ويثير تحقيقات مكثفة في محاولة اغتيال تهز الإمارة الصغيرة. اكتشف التفاصيل وكن على اطلاع بأحدث التطورات الأمنية.
سياسة
Loading...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجلس في مكتبه خلال مناقشة موضوعات تتعلق بسياسات الهجرة الصارمة وإصلاحات قانون الجنسية واللجوء.

المحكمة العليا الأمريكية وتشكيل سياسة ترامب الهجرية

تغييرات المحكمة العليا الأمريكية في قوانين الهجرة تعيد تشكيل مستقبل المهاجرين، مع تثبيت حق الجنسية بالولادة وتقييد طلبات اللجوء. اكتشف التفاصيل وتأثيراتها الآن!
سياسة
Loading...
أعلام دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) ترفرف أمام لافتات تحمل شعار الحلف في موقع تحضيرات قمة أنقرة الأمنية والسياسية.

تركيا تشدّد الإجراءات الأمنية قبل قمّة الناتو

تستعد أنقرة لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو وسط إجراءات أمنية مشددة وتعزيز دور تركيا كحليف استراتيجي رغم تحدياتها. اكتشف تفاصيل القمة وتأثيرها على مستقبل التحالف. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
سفينة حاويات ضخمة ترسو في ميناء بحري مع رافعات تحميل، تعكس أهمية مضيق هرمز كممر تجاري واستراتيجي في المنطقة.

إيران وعمان تتفقان على فرض رسوم مشتركة في مضيق هرمز

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع محاولة إيران وعُمان فرض رسوم عبور للسفن رغم الاعتراض الأمريكي الحاد. اكتشف تفاصيل هذا الصراع الاقتصادي والدبلوماسي وتأثيره على استقرار المنطقة. تابع القراءة لمعرفة المزيد.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية