الجنسية بالولادة في أمريكا حق لا يُمس
حكم المحكمة العليا يؤكد حق الجنسية بالولادة في أمريكا رغم محاولات التعديل والتشكيك فيه. قصة عائلة Wong تعكس نضال الأجيال للدفاع عن الحقوق الدستورية التي تضمن الحياة والحرية لكل من يولد على الأرض الأمريكية وورلد برس عربي

حين أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 بتأييد مبدأ الجنسية بالولادة ورفض المراسيم التنفيذية التي أصدرها الرئيس Donald Trump، كان Norman Wong حفيد حفيد Wong Kim Ark، الرجل الذي أرسى هذا الحق دستورياً قبل أكثر من قرن يتابع المشهد عن كثب. قال : إنّ الحكم انتصارٌ لجميع الأمريكيين، لا لمجموعة بعينها.
"لا أعتبر هذا انتصاراً شخصياً"، قال Wong البالغ من العمر 76 عاماً. "إنّه واجبٌ على كلّ أمريكي أن يهتمّ بهذا الأمر، لأنّنا في نهاية المطاف لا ندافع عن حقوق الصينيين أو اليابانيين أو غيرهم. نحن ندافع عن حقوق جميع الأمريكيين، لأنّها حقوقٌ أساسية."
مبدأ الجنسية بالولادة: من الحكم التأسيسي إلى المواجهة الراهنة
الحكم يستند إلى رأي كتبه رئيس المحكمة العليا John Roberts، أكّد فيه أنّ التفسير الراسخ للتعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي الذي أُقرَّ في أعقاب الحرب الأهلية يمنح الجنسية لكلّ من وُلد على الأراضي الأمريكية، مع استثناءاتٍ محدودة للغاية. في المقابل، عارض القرارَ ثلاثةُ قضاةٍ هم Samuel Alito وNeil Gorsuch وClarence Thomas، الذين رأوا أنّ التعديل الرابع عشر "صُمِّم لضمان المساواة للعبيد المحرَّرين، لا لأغراضٍ سياسية لم يدعمها الكونغرس في مرحلة إعادة الإعمار"، وفق ما كتبه Thomas.
أمّا Trump، فوصف الحكم بأنّه "سيّئٌ لبلادنا"، وأشار بصورةٍ مضلِّلة إلى أنّ الكونغرس يستطيع معالجة المسألة بتشريع عادي. غير أنّ الحكم يرتكز على أساسٍ دستوري، ما يعني أنّ تجاوزه يستلزم تعديلاً دستورياً، لا مجرّد تشريع.
وكان Trump قد أصدر، في اليوم الأوّل من ولايته الثانية، مرسوماً تنفيذياً يقضي بأنّ الأطفال المولودين في الولايات المتحدة لآباءٍ غير موثّقين أو مقيمين بصفةٍ مؤقّتة لا يحملون الجنسية الأمريكية. ردّ Wong على هذا المرسوم بوصفه "مرسوماً غير دستوري"، وقال: "لو لم يكن يتعارض صراحةً مع الدستور، لكان حكم المحكمة العليا اليوم مختلفاً."
إرثٌ عائلي وقضيةٌ تاريخية
في أواخر القرن التاسع عشر، وُلد Wong Kim Ark في سان فرانسيسكو عام 1873. وحين عاد عام 1895 بالسفينة من الصين، رُفض دخوله إلى الأراضي الأمريكية. رفع دعوى قضائية، وفي عام 1898 أصدرت المحكمة العليا حكمها لصالحه، مقرِّرةً أنّ جنسية الطفل تتحدّد بمكان ولادته على الأراضي الأمريكية، لا بجنسية والديه وهو المبدأ الذي يُعرف قانونياً بـ"حقّ الإقليم" (jus soli).
Norman Wong لم يعلم أنّ Wong Kim Ark جدّه الأكبر إلّا حين تجاوز الخمسين من عمره؛ إذ كان والده يُحجم عن الحديث في تاريخ العائلة. ثم أتى صحفيون من صحفٍ صينية اللغة للقاء والده بعد أن عثروا على اسمه في وثائق قضائية قديمة، فانكشف الخيط. في شبابه، التحق Wong بجامعة كاليفورنيا في بيركلي خلال سبعينيات القرن الماضي، وانضمّ إلى حركة "جبهة تحرير العالم الثالث" (Third World Liberation Front)، الحركة الطلابية متعدّدة الأعراق التي كانت تسعى إلى توحيد المجموعات الطلابية الآسيوية تحت مظلّة هويّة مشتركة.
لم يكن يتوقّع أن يجد نفسه في السبعين من عمره يُلقي الخطب ويمنح المقابلات دفاعاً عن حقٍّ دستوري. لكنّ الرابطة الصينية الخيرية الموحَّدة (Chinese Consolidated Benevolent Association) المنظّمة ذاتها التي موّلت معركة جدّه القانونية دعته للحديث في مؤتمرٍ صحفي. ومنذ ذلك الحين، لم يتوقّف؛ أعطى مقابلاتٍ وخطب في فعاليات، وسافر إلى واشنطن في أبريل 2025 لحضور جلسات الاستماع أمام المحكمة العليا.
"أعتبر نفسي محظوظاً لأنّ لديّ دوراً ذا معنى فعلاً"، قال Wong. "كلّ ما تمنحه الجنسية هو ما كان وعد أمريكا: الحياة والحرية والسعي نحو السعادة."
هل باتت الجنسية بالولادة في مأمن؟
في أبريل الماضي، شهدت جلسات الاستماع أمام المحكمة العليا حدثاً لافتاً: حضور رئيسٍ أمريكي جالسٍ في منصبه لجلسة مرافعاتٍ شفهية وهو أمرٌ غير مسبوق. المدّعي العام لولاية كاليفورنيا Rob Bonta، أوّل مدّعٍ عام من أصول فلبينية في تاريخ الولاية، يتذكّر أنّه كان يجلس في الصفّ ذاته مع Trump.
منذ صدور المرسوم التنفيذي، تلقّى Bonta اتصالاتٍ من "مئات" الأشخاص المولودين على الأراضي الأمريكية ممّن يخشون فقدان جنسيتهم بسبب وضع أحد والديهم الهجري. غالبيتهم من الأمريكيين السود واللاتينيين والآسيويين وسكّان جزر المحيط الهادئ. وحكم المحكمة العليا، على أهمّيته، لا يعني أنّ الجنسية باتت بمنأى عن أيّ تهديد.
"كلّ من يؤمن بسيادة القانون وبالدستور الأمريكي بمتانته وقوّته وفاعليّته يستطيع اليوم أن يتنفّس بارتياحٍ أكبر قليلاً"، قال Bonta. "لكنّ الهجمات على وضع الإقامة القانونية، وعلى الحمايات والحقوق التي يكفلها الدستور، بما فيها الجنسية بالولادة، ستستمرّ."
محامية أمريكية من أصول مهاجِرة تُرافع أمام المحكمة العليا
في المقابل، أصدرت وزارة العدل الأمريكية بياناً أكّدت فيه أنّها "ملتزمة بمكافحة مخطّطات سياحة الولادة غير القانونية بالتعاون مع المدّعين العامّين الفيدراليين في مختلف أنحاء البلاد". وأضافت الوزارة في منشورٍ على منصّة X أنّ "الجهات الساعية إلى استغلال الثغرات للحصول على الجنسية التلقائية لأطفالها تُشكّل تهديداً للأمن القومي وستُحاسَب".
أمّا Cecillia Wang، المديرة الوطنية لاتحاد الحريات المدنية الأمريكي (ACLU) التي ترافعت أمام المحكمة العليا دفاعاً عن مبدأ الجنسية بالولادة، فقالت في بيانٍ إنّ الحكم "يُعيد تأكيد وعدٍ أمريكي أساسي: إذا وُلدت هنا، فأنت مواطن."
"لا يستطيع رئيسٌ أن يُغيّر الدستور بمرسومٍ تنفيذي"، أضافت Wang. وأشارت إلى أنّ موكّليها وفريقها القانوني يقفون إلى جانب ملايين الأمريكيين الذين دافعوا عن "أحد أعزّ حقوقنا".
Wang أمريكية المولد، وُلدت لوالدَين قدِما من تايوان طلّاباً في الدراسات العليا. وبالنسبة لـNorman Wong، فإنّ حقيقة أنّ محامية من أصولٍ صينية هي من ترافعت في هذه القضية بعد نحو 130 عاماً من انتصار جدّه الأكبر تمنح الحكم بُعداً رمزياً إضافياً.
"إنّه أمرٌ جميل بطريقةٍ ما"، قال Wong، "لأنّ الصينيين الأمريكيين تحديداً كانوا في طليعة من عانوا من الكراهية المعادية للآسيويين. ثمّة جوانب من حياتي أعتقد أنّها أعدّتني لما يجري الآن."
أخبار ذات صلة

تنظيمات حقوقية تتهم قادة ميليشيات بجرائم حرب في السودان

المحكمة العليا الأمريكية ترفض محاولة ترامب تقييد جنسية المولودين بالولايات المتحدة

الاعتقال ستة أشهر في سجون إسرائيل: رحلة صحفي فلسطيني نحو التحوّل
