وورلد برس عربي logo

تحديات السياسة البريطانية في ظل التغيرات العالمية

تدخّل توني بلير حول السياسة البريطانية يثير الجدل: هل لا يزال لديه أفكار جديدة؟ المقال يتناول التحولات العالمية ويطرح تساؤلات حول استراتيجية بريطانيا في ظل تراجع دور أمريكا. هل نحتاج إلى تغيير جذري؟ اكتشف المزيد على وورلد برس عربي.

توني بلير يتحدث بحماس خلال حدث، مع التركيز على قضايا السياسة البريطانية والعلاقات الدولية، مستعرضاً أفكاره حول التدخل العسكري والتحالفات.
رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير يتحدث في فيينا، النمسا، في 3 يونيو 2025 (جو كلمار/أ ف ب)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أواخر الشهر الماضي، انتشرت كلمتان في كلّ مكان بعد أن نشر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق Tony Blair مقالاً مطوّلاً بلغ 5,700 كلمة حول السياسة البريطانية.

قال عدد من المعلّقين و وسائل الإعلام إنّ الرجل البالغ من العمر 73 عاماً قد أجرى تدخّلاً «نادراً». وذهب آخرون إلى أنّه كان «استثنائياً».

الصحافة تقوم على الدقة، فلنتأمّل الكلمتين معاً: أمّا «النادر»، فهذا التدخّل لم يكن أندر من وجود لوبيست صناعة الأسلحة في وستمنستر. وأمّا «الاستثنائي»، فنعم لكن ليس بالمعنى الذي قصده المعجبون به.

على صعيد السياسة الخارجية، الملفّ الذي سيحكم عليه التاريخ بأشدّ القسوة، كان اللافت حقاً أنّ Blair، بعد ما يقارب ثلاثة عقود من وصوله إلى السلطة على موجة من الحماس الشعبي غير المسبوق، وبعد نحو 25 عاماً على الغزو الكارثي للعراق، يبدو وكأنّه لم يطوّر أيّ تفكير جديد على الإطلاق.

غير أنّ العنوان الذي اختاره لقسم السياسة الخارجية في مقاله كان دقيقاً: «النظام العالمي الجديد». يُدرك Blair بحقّ أنّ النظام الذي أُرسيت قواعده عقب الحرب العالمية الثانية قد انتهى، لكنّه يُقرّ بأنّ ما سيحلّ محلّه لم تتّضح ملامحه بعد.

وليس مفاجئاً أن يُبرّئ هذا المعجب المُعلَن بأمريكا الرئيسَ الأمريكي المتقلّب Donald Trump من أيّ مسؤولية، فيما لا تستحقّ إسرائيل حتى الإشارة إليها في مقاله، رغم أنّ واشنطن وتل أبيب أمضت السنتين ونصف السنة الماضيتين في تدمير القانون الدولي.

بالنسبة لـ Blair، فإنّ التحوّلات في التحالفات هي «نتاج صعود الصين، وبروز الهند، وروسيا التي باتت أكثر عسكرةً، وتكتّلات القوى الناشئة في الخليج وسواه».

'أوفى حليف'

هذا التشخيص ليس خاطئاً في حدّ ذاته. فكيف ينبغي لبريطانيا أن تستجيب إذن؟ هل تُعيد النظر في استراتيجيتها تجاه الصين؟ هل تسعى بجدّية نحو شراكات استراتيجية مع الهند؟ هل تعمل على ألّا يظلّ أمنها رهيناً بصورة فاضحة لولايات متحدة باتت أقلّ موثوقيةً؟

أم ثمّة خيارٌ أكثر إبداعاً من كلّ ما سبق؟

لا. يبدو Blair بدلاً من ذلك يدعو إلى التمسّك بواشنطن كما هو الحال.

وفيما يخصّ الانخراط البريطاني في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فهو صريح: كان ينبغي لرئيس الوزراء Keir Starmer أن يستجيب للطلب الأوّلي الذي قدّمه Trump باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لتزويد الطائرات الأمريكية بالوقود في طريقها لقصف إيران.

لا يبالي Blair بأنّ هذا العدوان ينتهك صراحةً حظر ميثاق الأمم المتحدة على استخدام القوة. ولا يبالي بأنّ هذه الحرب تفتقر إلى الشعبية على نطاق واسع، لا في بريطانيا وحدها، بل في الولايات المتحدة أيضاً. ولا يبالي بأنّ استطلاعات الرأي تُظهر أنّ Trump ومغامراته العسكرية في السياسة الخارجية يحظيان بشعبية متدنّية جداً لدى الرأي العام البريطاني.

وليس غريباً أن تغيب إرادة الشعب البريطاني عن حسابات Blair. فحتى مليون شخص وأكثر اكتسحوا شوارع لندن في أكبر احتجاج سياسي في تاريخ المملكة المتحدة لم يستطيعوا ثنيه عن الانضمام بحماس إلى مشروع الرئيس الأمريكي الأسبق George W. Bush لإسقاط صدّام حسين.

كتب Blair في مقاله: «أعرف كم يصعب أن تكون حليفاً للولايات المتحدة. كنّا أوفى مؤيّديها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. خضنا معاً أفغانستان والعراق. لكنّ ذلك كان يعني الكثير لأمريكا، وبالتالي كان يعني الكثير لنا أيضاً».

القنابل البريطانية

في عام 1999، وقف Blair ليُلقي خطاباً في شيكاغو سيُعرف لاحقاً بأنّه ركيزة أساسية في أيديولوجيته، وسيُسمّى «مبدأ Blair».

كان في الخامسة والأربعين من عمره آنذاك، تفيض منه ثقة مستمَدّة من سمعته المتنامية بوصفه رجلَ دولة، وقد عرض فيه إيمانه بما بات يُعرف بـ«التدخّلية الليبرالية»: الفكرة القائلة بأنّ الدول يمكنها التدخّل، حتى عسكرياً، في شؤون دولة أخرى لدواعٍ إنسانية.

بل ذهب أبعد من ذلك، إذ أكّد أنّ السيادة ليست مقدّسة.

قال Blair في كلمات تبدو اليوم كنذير مشؤوم لما ستعانيه شعوب المنطقة: «الحرب أداةٌ ناقصة لمعالجة المعاناة الإنسانية؛ لكنّ القوة المسلّحة تظلّ أحياناً الوسيلة الوحيدة للتعامل مع الطغاة».

ثمّ تابع بتحديد الشروط التي قد تُبرّر القنابل البريطانية.

قال: «أوّلاً، هل نحن متأكّدون من قضيّتنا؟ ثانياً، هل استنفدنا جميع الخيارات الدبلوماسية؟ … ثالثاً، بناءً على تقييم عملي للوضع، هل ثمّة عمليات عسكرية يمكننا تنفيذها بعقلانية وحكمة؟ رابعاً، هل نحن مستعدّون للمدى البعيد؟»

وقد ثبت أنّ هذا الاعتبار الأخير كان خاطئاً خطأً فادحاً في حالتَي العراق وأفغانستان، ثمّ لاحقاً في قرار رئيس الوزراء الأسبق David Cameron بقصف ليبيا عام 2011.

غطرسة Blair

كثيراً ما يُستشهد بـالتدخّلين البريطانيَّين في كوسوفو عام 1999 وسيراليون عام 2000 بوصفهما الإنجازَين الأبرز لـ«مبدأ Blair»، ولا غرابة أن يكون قد طوّر غطرسةً تكاد تكون مسيانية قادته لاحقاً إلى العراق وأفغانستان، وهو يرى الطبقة السياسية والإعلامية تتسابق للإشادة به.

ما يتجاهله مؤيّدو Blair هو أنّ كلا التدخّلَين كانا منسجمَين تماماً مع الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية البريطانية. لم يكن ثمّة تدخّلات إنسانية خالصة، بل تدخّلات تخدم مصالح ذاتية، وإن كان تغليفها بخطاب الدفاع عن شعوب تلك البلدان قد يسّر تسويقها للرأي العام.

وقد أفضت تلك الغطرسة، غطرسة Blair، إلى حرب أدت إلى استشهاد مئات الآلاف من العراقيين، وأسهمت في مقتل أعداد مماثلة من الرجال والنساء والأطفال في أفغانستان، وأطلقت تنظيم الدولة الإسلامية على شعبَي العراق وسوريا، ممّا زعزع استقرار المنطقة بأسرها.

ورغم كلّ هذا الدم الذي كان ينبغي أن يُلازم Blair حتى آخر أيّامه لو كان يمتلك بوصلة أخلاقية سليمة فقد أثبت في كتاباته أنّ قناعاته لم تتغيّر.

قراءة نصّ خطاب شيكاغو عام 1999، الذي أعلن فيه أنّ العالم قد تغيّر بصورة «جوهرية»، تكشف أنّ ثمّة تطابقاً شبه كامل بين تلك الكلمات والمقال الأخير الذي يقترب من 6,000 كلمة. Blair لا يزال يدقّ الطبل ذاته.

ومع ذلك، ورغم أنّ تدخّليّته الليبرالية أفضت إلى مجازر جماعية وأخفقت إخفاقاً ذريعاً في ترسيخ النفوذ الأنغلو-أمريكي في المنطقة، يتلقّى كلّ ما يصدر عن Blair بدهشةٍ وإجلال من قِبَل التيار الوسطي البريطاني.

يُعامَل كلام رجلٍ يدافع عن مصالح أصحاب الثروات من أمثال المليارديرَ الصهيوني Larry Ellison، ويتقاضى أموالاً لتلميع سمعة الديكتاتوريين، يُعامَل في المملكة المتحدة كأنّه موسى النبي يحمل الألواح من جبل سيناء.

والحقيقة أنّ Blair يعيش ما قد يكون أشدّ مراحل ما بعد رئاسة الوزراء إثارةً للجدل في التاريخ البريطاني وقد آن الأوان لأن تُقابَل «تدخّلاته» بما تستحقّه: تجاهلاً تاماً، بوصفها آراء رجلٍ ثبت خطؤه خطأً كارثياً مرّةً بعد مرّة.

أنّ كبار السياسيين اليوم لا يزالون يتعاملون معه كحكيمٍ وبصير، فهذا لن يُفضي إلى خير.

أخبار ذات صلة

Loading...
عمال يقومون بتغطية واجهة محل "لويس فويتون" في جنيف بالألواح الخشبية تحضيراً لقمة مجموعة السبع، وسط إجراءات أمنية مشددة.

قمّة مجموعة السبع على الحدود السويسرية الفرنسية تحت حراسة مشدّدة

بينما تستعد إيفيان الفرنسية لاستقبال قمة مجموعة السبع، تتأهب جنيف لمشهد أمني غير مسبوق. من الاحتجاجات إلى القيود، كل التفاصيل تؤثر على حياة الناس. هل أنت مستعد لاكتشاف ما يحدث في كواليس هذا الحدث العالمي؟ تابع القراءة!
سياسة
Loading...
زعيمة حزب كومتانغ التايواني تشنغ لي-ون تتحدث خلال اجتماع في واشنطن، معبرةً عن موقف الحزب الداعم لإعادة التوحيد السلمي مع الصين.

لقاء بين نائبَي جمهوريين أمريكيين وزعيم المعارضة الموالية لبكين في تايوان

في ظل التوترات المتصاعدة حول تايوان، التقى مسؤولون أمريكيون بزعيمة المعارضة التايوانية، مما يسلط الضوء على علاقات معقدة. اكتشفوا المزيد عن تفاصيل اللقاء وتأثيره على السياسات الدفاعية لتايوان.
سياسة
Loading...
صورة تظهر مستوطنة إسرائيلية غير قانونية في الضفة الغربية، مع معدات بناء وعلم إسرائيلي، تعكس تفاصيل الفعالية العقارية المرتقبة في لندن.

الكشف عن تفاصيل حدثٍ لندني يروّج لشركات مرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية

تستعد لندن لاستقبال فعالية عقارية مثيرة للجدل، حيث تكشف تفاصيل جديدة عن ارتباطها بالمستوطنات الإسرائيلية غير القانونية. هل ستنجح الجهود في حظرها؟ تابعوا التفاصيل واكتشفوا ما يجري وراء الكواليس.
سياسة
Loading...
امرأة تحمل لافتة مكتوب عليها "من التالي؟" بينما تتظاهر في الشارع، محاطة بأشخاص آخرين، تعبيرًا عن القلق من الوضع الأمني في إسرائيل.

إسرائيل تدفع ثمن مغامراتها العسكرية.. والشارع يفقد الصبر

تسارُع الأحداث بين إسرائيل وإيران يفتح بابًا لفهم أعمق للصراع المستمر. هل ستنجح المحادثات في تحقيق السلام، أم ستبقى الأوضاع متوترة؟ تابعوا معنا لتكتشفوا المزيد عن هذه الديناميكيات المعقدة.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية