وورلد برس عربي logo

معاناة الفلسطينيين بين العنف والقيود على الحياة اليومية

في ظل تصاعد هجمات المستوطنين وتوسّع الاحتلال بالضفة الغربية تتفاقم معاناة الفلسطينيين مع إغلاق الطرق ونقاط التفتيش التي تعيق وصولهم للرعاية الصحية وتزيد من خطر فقدان الأرواح في ظروف مأساوية - وورلد برس عربي

جنود إسرائيليون يفحصون سيارة إسعاف عند نقطة تفتيش في الضفة الغربية وسط تصاعد العنف وقيود التنقل التي تعيق الوصول للرعاية الصحية الفلسطينية.
سيارة إسعاف فلسطينية تمر بجانب قوات إسرائيلية في كفر عقب جنوب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، في 27 يناير 2026 (زين جعفر/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أقلّ من 24 ساعة الأسبوع الماضي، استشهد أربعة فلسطينيين وأُصيب عدد آخر في أرجاء متفرّقة من الضفة الغربية المحتلة، إذ امتدّت هجمات المستوطنين لتطال قرى متعددة، وخلّفت وراءها منازل ومركبات وممتلكات أخرى مُحترقة ومُدمَّرة.

ففي قرية تل، جنوب غرب نابلس، استشهد أربعة فلسطينيين يوم الجمعة في هجوم شنّه مستوطنون، أسفر عن مقتل مستوطنَين. وبعد ساعاتٍ، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مستشفىً في نابلس لاعتقال فلسطينيَّين، أحدهما كان يتلقّى العلاج من إصابة بطلق ناري، فيما أحكمت الإغلاقات العسكرية ونقاط التفتيش قبضتها على أجزاء واسعة من المدينة والقرى المحيطة بها.

هذه الوفيات والإصابات ليست سوى المظاهر الأكثر وضوحاً لمسارٍ أشمل بكثير، بدأ يتكشّف منذ أكتوبر 2023، وتمتدّ تداعياته عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة.

خلال الأيام القليلة الماضية، عجز فلسطينيون يحتاجون إلى جلسات غسيل الكلى المنقذة للحياة عن الوصول إلى العلاج. ومُنعت نساء في المخاض من اجتياز نقاط التفتيش العسكرية للوصول إلى المستشفيات، فيما حِيل بين سيارات الإسعاف وبلوغ المرضى بسبب إغلاق الطرق.

وقد أخلّت هذه القيود بالوصول إلى الرعاية الطارئة، ممّا يُضعف الشروط الضرورية لبقاء الفلسطينيين على قيد الحياة.

منذ اندلاع الحرب على غزة قبل ما يقارب ثلاث سنوات، شهدت الضفة الغربية المحتلة تسارعاً غير مسبوق في توسّع المستوطنات وعمليات الضمّ الفعلي الإسرائيلي، مع الموافقة على آلاف وحدات الإسكان الاستيطانية الجديدة.

وقد صُنِّفت مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية بوصفها «أراضي دولة»، في حين بلغ عنف المستوطنين مستويات قياسية، أفضت إلى تهجير ما لا يقلّ عن 45 تجمّعاً فلسطينياً منذ عام 2023، وأعادت رسم الجغرافيا البشرية للضفة الغربية. وقد استشهد مئات الفلسطينيين على أيدي الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.

الالتفافات ونقاط التفتيش

نادراً ما تُفهم هذه التطوّرات في سياق الصحة العامة. غير أنّ توسّع المستوطنات والتهجير والإغلاقات العسكرية وعنف المستوطنين لا تعيد رسم الجغرافيا السياسية للضفة الغربية المحتلة وحسب، بل تُعيد أيضاً تشكيل الشروط التي تحدّد من يستطيع العيش بأمان، والتنقّل بحرية، والحصول على الرعاية الصحية، والبقاء على قيد الحياة في نهاية المطاف.

إنّ إعادة تنظيم الفضاء الفلسطيني هي في الوقت ذاته إعادة ترتيب للشروط الضرورية للحياة والبقاء.

كانت وفاة الرضيع أحمد زيد، البالغ من العمر ثلاثة أشهر، في وقتٍ سابق من هذا الشهر، من أبلغ التجليّات على ذلك. كان الرضيع في طريقه المتسارع إلى المستشفى حين أُغلق الطريق أمام عائلته عند بوّابة عسكرية إسرائيلية قرب مخيم دير عمّار للاجئين، شمال غرب رام الله.

كانت سيارة الإسعاف تنتظر على الجانب الآخر من البوّابة، بينما أبقت قوات الاحتلال البوّابة موصدة على الرغم من إبلاغها بالحالة الطارئة. وفي نهاية المطاف، نُقل أحمد إلى سيارة الإسعاف عبر طريقٍ أطول، إلّا أنّه فارق الحياة لاحقاً.

وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يجد نحو 12,000 فلسطيني في تجمّعات تقع غرب رام الله أنفسَهم في عزلةٍ شبه تامة جرّاء الإغلاق المتراكم لطرق الوصول.

يعتمد هؤلاء على مسالك التفافية مطوّلة وطرق ترابية وعمليات نقل متسلسلة بين سيارات إسعاف للوصول إلى أماكن العمل والمدارس والخدمات الصحية، فيما يضطر المرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم كغسيل الكلى إلى الاعتماد على سيارات إسعاف تنتظر على جانبَي البوّابات العسكرية. وهكذا تتحوّل نقاط التفتيش والبوّابات وإغلاقات الطرق إلى عوامل حاسمة تحدّد ما إذا كان المرضى قادرين على تلقّي الرعاية في الوقت المناسب.

بيد أنّ قيود التنقّل ليست سوى بُعدٍ واحد من الأبعاد التي يتحوّل فيها توسّع المستوطنات إلى خطرٍ على الصحة العامة. مع تصاعد هجمات المستوطنين وتمدّد البؤر الاستيطانية الجديدة في أرجاء الضفة الغربية المحتلة، تجد مجتمعات فلسطينية بأكملها نفسها مُقتلَعة من جذورها، وتمتدّ تداعيات ذلك إلى ما هو أبعد بكثير من مجرّد فقدان المسكن.

فُصلت عائلات عن شبكات الدعم الاجتماعي التي كانت تُوفّر لها الرعاية والسند. وفقد المزارعون الوصول إلى أراضيهم الزراعية التي كانت مصدر رزقهم وأمنهم الغذائي. وانقطعت المجتمعات البدوية عن مسارات الرعي ومصادر المياه والخدمات الأساسية.

وما كان يقتصر في معظمه على المنطقة «ج» بات يتمدّد اليوم إلى قلب الضفة الغربية المحتلة، ليطال المنطقتَين «أ» و«ب» اللتَين حدّدتهما اتفاقيات أوسلو بوصفهما خاضعتَين للإدارة الفلسطينية.

تصاعد الهشاشة

في المنطقة التي ارتقى فيها أحمد هذا الشهر، وثّق مكتب OCHA أكثر من 60 هجوماً للمستوطنين منذ مطلع عام 2024، مقارنةً بتسعة حوادث فقط في السنوات الأربع السابقة. وكان تجمّع عين أيوب البدوي المجاور قد هُجِّر بالكامل في أغسطس 2025، إثر هجمات متكرّرة من المستوطنين وقيود على الوصول.

فضلاً عن الإصابات والوفيات، يُولّد عنف المستوطنين الإسرائيليين والعمليات العسكرية خوفاً مزمناً وضائقةً نفسية وانعدام أمنٍ مستمراً.

يحمل الأطفال الذين يتعرّضون لعنفٍ متكرّر آثاره طويلاً بعد انتهاء كلّ هجوم. ويزداد كبار السنّ وأصحاب الأمراض المزمنة هشاشةً حين يغدو التنقّل أمراً غير متوقّع والوصول إلى الرعاية الصحية أمراً غير مضمون.

وعلى العاملين في القطاع الصحي أنفسهم اجتياز نقاط التفتيش وإغلاقات الطرق والاقتحامات العسكرية للوصول إلى المستشفيات والعيادات. بمعنى آخر، تتشكّل الصحة العامة بناءً على ما إذا كان بإمكان الناس التنقّل بأمان، والبقاء على تواصل مع مجتمعاتهم، وإعالة أنفسهم، والعيش بعيداً عن التهديد الدائم بالعنف.

وهذا الأمر بالغ الأهمية في السياق الفلسطيني، سواء في غزة أو في الضفة الغربية المحتلة. ففي غزة، يخضع الفلسطينيون لنظام تصاريح يجعل الوصول إلى الرعاية الصحية رهيناً بموافقة إسرائيلية. ينتظر المرضى أشهراً للحصول على ردٍّ، وكثيراً ما يفوتهم موعد العلاج؛ بل إنّ بعضهم فارق الحياة قبل أن تُمنح التصاريح.

أمّا في الضفة الغربية، فإنّ الوصول إلى الرعاية مشروطٌ بما إذا كانت نقطة التفتيش مفتوحة، أو كان المستوطنون يقطعون طريقاً، أو كان الجنود يسمحون لسيارة إسعاف بالمرور. وما وراء الوصول إلى المستشفيات، تتعرّض الشروط الأوسع التي تُنتَج من خلالها الصحة وتُصان للتفكّك والإعادة.

في أغلب الأحيان، تنصبّ النقاشات حول توسّع المستوطنات والضمّ وعنف المستوطنين على الأرض والقانون الدولي حصراً. وهذان البُعدان بالغا الأهمية، غير أنّهما يُغفلان التآكل المنهجي للشروط التي تجعل العيش الصحي ممكناً.

ومع استمرار تفكّك الضفة الغربية المحتلة تحت وطأة توسّع المستوطنات والعنف العسكري وهجمات المستوطنين، يتفكّك معها النسيج المجتمعي للرعاية الذي تعتمد عليه المجتمعات الفلسطينية.

أخبار ذات صلة

Loading...
صف طويل من المهاجرين ينتظرون على شاطئ في سبتة، في ظل أزمة الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا.

سجن سبعة سائقي تاكسي في المغرب بعد أحداث سبتة: نقابة تصف الحكم بـ "القسوة"

في تطوان صدر حكم بسجن سبعة سائقي أجرة بتهم تيسير الهجرة غير النظامية نحو سبتة وسط موجة عبور غير مسبوقة. اكتشف تفاصيل هذه الأزمة وتأثيرها على المغرب والاتحاد الأوروبي. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
جنود يمنيون في مركبة عسكرية على طريق صحراوي بمأرب وسط تصاعد الهجمات الحوثية والصراع المستمر في اليمن.

هجمات الحوثيين بالصواريخ والمسيّرات تستهدف عشرات من جنود الحكومة اليمنية

شهدت اليمن تصعيداً خطيراً بهجوم حوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة أسفر عن سقوط عشرات الشهداء والجرحى في صفوف القوات الحكومية، وسط تصاعد التوترات الإقليمية. اكتشف التفاصيل وتأهب لتطورات جديدة.
الشرق الأوسط
Loading...
ولي العهد السعودي والرئيس التركي يتصافحان بحفاوة خلال زيارة رسمية لتعزيز التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان.

تركيا والسعودية وباكستان توقّع اتفاقية دفاع مشترك الجمعة

تستعد تركيا والسعودية وباكستان لتوقيع اتفاقية دفاعية ثلاثية تغير موازين القوى في الشرق الأوسط وتعزز الأمن الإقليمي. اكتشف تفاصيل هذا التحالف الاستراتيجي وتأثيره على المنطقة الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
زعيم القائمة العربية الموحدة منصور عباس في الكنيست الإسرائيلي، يعكس التوترات السياسية حول مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

إسرائيل: المعارضة ترفض مشاركة الأحزاب الفلسطينية في الحكومة

تشهد السياسة الإسرائيلية تحوّلاً حاداً مع رفض واسع للشراكة مع الأحزاب العربية بعد أكتوبر 2023، مما يعيد تشكيل المشهد الانتخابي ويجعل الانتخابات القادمة مفصلية. اكتشف التفاصيل الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية