وورلد برس عربي logo

إيلون ماسك وصراع العرق والثقافة في عصرنا

إيلون ماسك يعيد تشكيل الخطاب العرقي عبر منصاته ويغذي التوترات بين الأعراق مستخدماً خطاباً يبرر التمييز ضد المسلمين ويعزز أسطورة تراجع البيض ودعوات الإنجاب المشروط. قراءة ضرورية لفهم دوره السياسي المعقد في وورلد برس عربي.

إيلون ماسك يلوح بيده أثناء كلمة أمام خلفية زرقاء مزينة بنجوم بيضاء، في سياق حديثه عن العنصرية والإسلاموفوبيا.
المُرَابِح الأمريكي إيلون ماسك خلال فعالية بمناسبة تنصيب الرئيس دونالد ترامب في واشنطن العاصمة بتاريخ 20 يناير 2025 (أنجيلا فايس/وكالة فرانس برس)

عاد Elon Musk إلى الواجهة مجدّداً هذه المرّة ليطمئننا بأنّه «ليس عنصرياً».

الشهر الماضي، في مقابلة أجرتها معه رئيسة تحرير مجلة Economist، Zanny Minton Beddoes، تحدّث Musk عن عدد من مواضيعه المفضّلة: الذكاء الاصطناعي الخارق، وتكديس المليارات، والعداء للمسلمين.

حين سُئل عمّا إذا كان معادياً للإسلام، لم ينفِ ذلك صراحةً. بدلاً من ذلك، ردّد بعناية جملةً من الأطروحات المستهلكة عن «الاغتصاب والقتل»، و«القيم المتناقضة»، و«فرض القواعد والقوانين» وهي أطروحات تتداولها منذ سنوات الخطابات اليمينية المتطرّفة والسائدة على حدٍّ سواء حين يتعلّق الأمر بالإسلام والمسلمين.

ما أراد إيصاله، بطبيعة الحال، هو أنّه لا يمكن أن يكون معادياً للمسلمين، لأنّ ما يعارضه بحسب تصويره هو العنف، وغياب الاندماج، وتآكل الديمقراطية.

لكن حتى لا نقع في الفخّ، ينبغي أن ندرك أنّ السؤال عمّا إذا كان Musk يُضمر في نفسه آراءً معادية للمسلمين هو في حقيقته سؤالٌ ثانوي. ما يستحقّ التركيز عليه هو طبيعة الدور السياسي الذي باتَ يؤدّيه.

Musk ليس مجرّد مليارديرٍ يحمل آراءً عنصرية. فهو لا يكتفي بالتعليق على الصراعات العرقية أو التنبّؤ بوقوعها. إنّه رائد أعمال في صناعة حرب الأعراق.

عبر واحدة من أضخم منصّات التواصل في العالم، يعيد Musk تأهيل التفكير العرقي، ويُرسّخ التنافرات بين الأعراق، ويُضخّم أساطير تهميش البيض، ويُعيد تأطير الثقافة باعتبارها صراعاً على السلطة العرقية.

الأيديولوجيا العرقية للهيمنة

يبدو أنّ Musk يعتقد أنّ معاداة المسلمين شيءٌ مختلف عن العنصرية. وهو ليس وحده في هذا. فعلى مدار سنوات، أصرّ المعلّقون والحكومات في كثيرٍ من أرجاء أوروبا وأمريكا الشمالية على أنّ الإسلاموفوبيا ليست شكلاً من أشكال العنصرية، بحجّة أنّ العنصرية مسألةٌ بيولوجية، والمسلمون مجموعةٌ ثقافية ودينية.

غير أنّ العنصرية لم تعتمد يوماً على الاختلاف البيولوجي وحده. فهي دائماً ما تنطوي على إسباغ صفاتٍ ثابتة على جماعاتٍ بعينها، واعتبار تلك الصفات دليلاً على اختلافٍ لا يقبل التغيير. والثقافة كانت ولا تزال أحد الآليات الرئيسية التي تجري من خلالها هذه العملية. وهذا بالضبط هو المنطق الذي يتحدّث به Musk عن المسلمين.

حين يستحضر عبارات «الاغتصاب والقتل» و«القيم المتناقضة» و«فرض القوانين والقواعد»، فإنّه يُصوّر المسلمين باعتبارهم جماعةً تحمل في جوهرها استعداداً فطرياً نحو العنف والتسلّط وكراهية المرأة. إنّه يضع المسلمين في خانةٍ بشرية قائمة بذاتها ومتمايزة تمايزاً جذرياً.

بل يذهب أبعد من ذلك، إذ يبدو أنّه يرى في المسلمين تهديداً وجودياً للحضارة الغربية: قوّةً حضارية مضادّة للغرب، مقدَّرٌ لها أن تهيمن وتمحو «البياض» في نهاية المطاف.

وهذا التأطير العرقي يؤدّي وظيفةً أيديولوجية محدّدة: فهو يتيح الخلط بين طالبي اللجوء والمهاجرين عموماً وبين المسلمين، ويُمكّن Musk من تقديم التحوّلات الديموغرافية دليلاً على ما يسمّيه «الإحلال الديموغرافي» و«الإبادة البيضاء».

ومن المعروف أنّ أسطورة «تراجع البيض» من أكثر الموضوعات التي يعود إليها Musk. في يناير الماضي وحده، نشر محتوىً ذا صلة في 26 يوماً من أصل 31، فضلاً عن ترويجه لنظرية «الاستبدال الكبير».

في منشورٍ على X (تويتر سابقاً)، كتب Musk: «البيض أقليّةٌ في طريقها إلى الانقراض السريع»، وهو منشورٌ حصد أكثر من 17 مليون مشاهدة ونحو 150,000 إعجاب.

من الناحية التقنية، الكلام صحيح فكلّ الناس يموتون، والمجتمعات تنقرض إن لم تُنجب ما يكفي من الأطفال.

ولهذا يدعو Musk إلى الإنجاب الوفير، وهو توجيهٌ أخذ به شخصياً، إذ أنجب ما لا يقلّ عن 14 طفلاً حتى الآن من نساءٍ متعدّدات. لكنّ الإنجاب المطلوب، في منظوره، مشروطٌ بأن يكون المُنجِبون بيضاً وأذكياء كما يرى نفسه. «إذا أنجب كلّ جيلٍ من الأذكياء أطفالاً أقلّ، فهذا على الأرجح أمرٌ سيّئ»، قال ذات مرّة.

موقفه واضح: على أصحاب معاملات الذكاء المرتفعة أن يُنجبوا أكثر. وبالنظر إلى ميله لعلم الأعراق، لا يصعب استنتاج من يعنيهم Musk بـ«أصحاب الذكاء المرتفع». والتحيّة النازية التي أدّاها في حفل تنصيب الرئيس الأمريكي Donald Trump مطلع عام 2025 تُقدّم دلالةً كاشفة في هذا الشأن.

لكنّ Musk لا يقتصر على كونه «وجه حركة تعزيز الإنجاب» وهي صياغةٌ مُلطَّفة تُخفي ما ليس سوى إشارة إلى تحسين النسل (Eugenics) بل هو أيضاً المهندس التنفيذي لليمين المتطرّف المعاصر.

حين سُئل في مقابلة Economist عمّا إذا كان يدعم اليمين المتطرّف، انزعج Musk من هذا «التوصيف الساذج» لـ«أناسٍ عاديين».

يريد Musk أن يُوهمنا بأنّه مجرّد مؤيّد لسياساتٍ يمينية متطرّفة، ويُفضّل أن يُقدّم نفسه صوتاً للناس العاديين مكبّر صوتٍ لآراءٍ كان الجميع يُفكّر فيها أصلاً. راوٍ للحقيقة لا أيديولوجياً. لكنّ الواقع يختلف اختلافاً جذرياً.

تصنيع أعداء الشعب

بثروته الهائلة وامتلاكه واحدةً من أكبر منصّات التواصل الاجتماعي في العالم، لا يكتفي Musk بالتعليق على «التوجّهات» السياسية التي يُحرّكها الناس. بل هو يُساهم بنشاطٍ في تنظيم اليمين المتطرّف المعاصر.

ضخّ Musk ملايين الدولارات في حملة Trump الرئاسية. ودعم حركاتٍ يمينية متطرّفة حول العالم، من بينها التجمّع الوطني في فرنسا، وحركة Restore Britain، وحزب Alternative for Germany. وعمل على إبقاء سياسيّين يمينيّين متطرّفين في السلطة، كرئيس الوزراء الهندي Narendra Modi.

كما أعاد تفعيل حسابات X لعددٍ من أبرز المحرّضين اليمينيّين المتطرّفين، من بينهم Katie Hopkins، وMartin Sellner، وبالطبع Tommy Robinson.

هذه قوّةٌ سياسية فعلية، لا مجرّد مراقبةٍ سلبية. ولهذا فإنّ وصف Musk بأنّه مجرّد مؤيّد لليمين المتطرّف هو تقليلٌ من شأن دوره. فهو مهندسٌ رئيسي للحركات اليمينية المتطرّفة على مستوى العالم.

والأخطر من ذلك أنّ هندسته العرقية تنطوي على عنفٍ دموي. فقد حذّر Musk مراراً من «حربٍ أهلية»، مُغرياً متابعيه بالاعتقاد بأنّهم يواجهون حالةً طارئة وجودية تستوجب العنف خارج إطار القانون.

«سواء اخترتَ العنف أم لا، فإنّ العنف قادمٌ إليك. إمّا أن تُقاوم، وإمّا أن تموت»، قال ذلك في تجمّع Unite the Kingdom في لندن.

Musk لا يتنبّأ بالعنف الإبادي فحسب، بل يُؤطّره باعتباره أمراً حتمياً وضرورةً أخلاقية تستدعي الاستجابة بالمثل.

ولنأخذ مثلاً قراره بثّ فيلم Citizen Vigilante لملايين المتابعين على X. الفيلم يُصوّر أوروبا حضارةً محاصَرة من قِبَل مهاجرين يُقدَّمون على أنّهم مفترسون جنسيّون، ويطرح العنف الفردي حلّاً. رسالته صريحة: الدولة فشلت، وعلى الناس العاديّين أن يتصرّفوا.

وقبل أسابيع من ذلك، ضخّم Musk تأطيراً عرقياً لحادثة طعنٍ في Belfast، واصفاً إيّاها بمحاولة قطع الرأس، ممّا أسهم في تأجيج التوتّرات العرقية التي ساعد هو نفسه في إشعالها أصلاً.

ولهذا فإنّ وصف Musk بـ«رائد أعمال في صناعة حرب الأعراق» ليس مبالغةً بلاغية. فرجال الأعمال لا يكتفون بتوقّع الأسواق بل يخلقونها.

وبالمثل، Musk لا يكتفي بتوقّع الصراع العرقي. بل يستثمر في رواياته، ويُوسّع جمهوره، ويُخفّض الحواجز الأخلاقية أمام العنف الجماعي.

ينتمي Musk إلى سلالةٍ من الشخصيات السياسية من Joseph McCarthy إلى Adolf Hitler إلى Maximilien Robespierre ممّن ادّعوا أنّهم لا يفعلون سوى وصف الواقع، بينما كانوا في حقيقتهم يصنعون أعداء الشعب.

السقالة الأيديولوجية

يُخبرنا Musk أنّه ليس عنصرياً. وبحلول هذه المرحلة، بات واضحاً أنّ هذا السؤال لم يكن يوماً جوهر المسألة.

ما يُهمّ ليس ما يعتقده Musk في سرّه، بل ما تفعله سياساته: فهي تبني رؤيةً عرقية تُحوّل المسلمين إلى عدوٍّ حضاري، وتُحوّل التحوّل الديموغرافي إلى دليلٍ على تهميش البيض، وتُعيد تأطير العنف باعتباره حفاظاً على الذات العرقية.

يُقدّم Musk السقالة الأيديولوجية لحربٍ عرقية معاصرة. فمن خلال ثروته ومنصّته وتأثيره الاستثنائي، لا يكتفي بتضخيم التفكير العرقي والمظالم المرتبطة به بل يُنظّمها في رؤيةٍ متماسكة للعالم.

ولهذا يتجاوز Musk كونه مجرّد رجلٍ أبيض ثريّ يحمل آراءً عنصرية. فهو يمثّل شيئاً أشدّ خطورةً وأبعد أثراً: نمطاً جديداً من الفاعلين السياسيّين، يجمع بين قوّةٍ اقتصادية هائلة وبنيةٍ رقمية وامتدادٍ خوارزمي وأساطير عرقية، لصناعة شروط الإمكان لصراعٍ عرقي دموي وفوضى جماعية.

الخطر ليس فيما يؤمن به Musk. الخطر فيما يُعلّمه لملايين غيره وما قد يصلون يوماً إلى قناعةٍ بأنّهم مضطرّون إلى فعله بسببه.-

أخبار ذات صلة

Loading...
متظاهرون يحملون لافتات احتجاجية ضد تمويل الضرائب الأمريكية لما وصفوه بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة خلال مظاهرة في الغرب.

إسرائيل والمؤثّرون: حين انقلب السلاح الإعلامي على مُطلقيه

تتصاعد حملة إسرائيل الرقمية لوقف تراجع شعبيتها في الغرب عبر استثمار ضخم في وسائل التواصل الاجتماعي والتعاون مع مؤثرين مدفوعي الأجر. اكتشف كيف تؤثر هذه الاستراتيجية على الرأي العام واشترك لمعرفة التفاصيل كاملة.
Loading...
ماثياس دوفنر، الرئيس التنفيذي لمجموعة Axel Springer، خلال حدث عام، حيث يواجه انتقادات حول موقفه من دعم إسرائيل وتأثيره على استقلالية التحرير.

صاحب التلغراف وبوليتيكو: على الصحفيين أن يؤيدوا إسرائيل أو يستقيلوا

في خضم التوترات المتصاعدة داخل غرف التحرير، يفرض Mathias Dopfner دعم إسرائيل كشرطٍ جوهري للعمل، مما يثير تساؤلات حول استقلالية الإعلام. هل ستستمر هذه السياسات في تشكيل الخط التحريري؟ تابعوا التفاصيل المثيرة.
Loading...
امرأة ترتدي حجابًا وتحمل علم إيران، تظهر في مشهد حضاري يعكس التغيرات الاجتماعية في طهران. تعكس الصورة تنوع الحياة اليومية في البلاد.

الأمريكيون لا يريدون قتل الإيرانيين... طالما هم من محبين الحداثة

في قلب طهران، تتحدى صور الشباب الأنيق والمقاهي العصرية كل الصور النمطية عن إيران. هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر لهذا البلد؟ انضم إلينا لاستكشاف جوانب لم تُروَ بعد عن حضارة غنية تستحق التعرف عليها.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية