وورلد برس عربي logo

المحكمة الجنائية تحقق في جرائم طالبان ضد النساء

المحكمة الجنائية الدولية تفتح تحقيقاً مستقلاً في اتهامات الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي ضد طالبان وسط ضغوط وعقوبات أمريكية متصاعدة تثير تساؤلات حول مستقبل ملاحقة القوات الأمريكية وحلفائها في أفغانستان على وورلد برس عربي.

قاضٍ دولي يرتدي رداءً قضائياً أزرق يجلس خلف منصة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي خلال جلسة تحقيق في جرائم طالبان المتعلقة بالاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي.
القاضي روزاريو سالفاتوري أيتالا، نائب رئيس المحكمة الجنائية الدولية ورئيس الغرفة التمهيدية الثانية (صورة أرشيفية للمحكمة الجنائية الدولية)

في خطوةٍ تكشفها وثائق قضائية تم الحصول عليها من مصادر مستقلّة، أصدرت الدائرة التمهيدية الثانية للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي توجيهاً إلى مكتب المدّعي العام يقضي بفتح تحقيقٍ مستقلٍّ في اتّهامات الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي (Gender Persecution) التي تواجهها حركة طالبان، وذلك في منتصف يوليو الماضي. ويعني هذا القرار، إن أقدم المدّعون العامّون على تنفيذه، فصلَ ملفّ طالبان عن التحقيق الأوسع في جرائم الحرب الأفغانية، الذي يمتدّ منذ عام 2003 ويشمل اتّهاماتٍ طالت قوّات الأمن الأفغانية الوطنية، والجيش الأمريكي، وعناصر وكالة CIA، فضلاً عن طالبان وتنظيم داعش-خراسان.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تسعى المحكمة إلى تخفيف التوتّر مع واشنطن من خلال إشارةٍ ضمنية إلى أنّها لن تمضي قُدُماً في ملاحقة عناصر القوّات الأمريكية وحلفائها؟

السياق السياسي: العقوبات الأمريكية وضغوط واشنطن

جاء توجيه الدائرة التمهيدية بعد أيّامٍ قليلة من تهديد وزير الخارجية الأمريكي Marco Rubio بـ"تفكيك المحكمة الجنائية الدولية لبنةً لبنة"، في إشارةٍ إلى قرار المحكمة عام 2020 بالسماح بالتحقيق في الجرائم المزعومة في أفغانستان.

ومنذ فبراير 2025، فرضت الولايات المتّحدة عقوباتٍ مالية وتأشيراتية على مسؤولين في المحكمة على خلفية التحقيقَين الأفغاني والفلسطيني، بحجّة ملاحقة مواطنين أمريكيين وحلفاء واشنطن. وكان أوّل المستهدفين Karim Khan، المدّعي العام السابق للمحكمة، الذي أُقيل في ظروفٍ مثيرة للجدل الشهر الماضي إثر تحقيقٍ في مخالفات سلوكية امتدّ ثمانية عشر شهراً. وطال الاستهداف أيضاً ثمانية قضاة، من بينهم Kimberly Prost وSolomy Bossa وLuz Ibanez، الذين كانوا أعضاءً في دائرة الاستئناف التي أجازت التحقيق الأفغاني عام 2020.

وقد جاءت هذه العقوبات على الرغم من أنّ Khan كان قد قرّر عام 2021 تأجيل الشقّ المتعلّق بالأفراد العسكريين الأمريكيين وعناصر CIA والقوّات الأفغانية السابقة، مُركِّزاً التحقيق على طالبان وداعش-خراسان.

وكانت المحكمة قد أصدرت قبل عامٍ مذكّرتَي اعتقال بحقّ المرشد الأعلى لحركة طالبان هبة الله أخوند زاده وعبد الحكيم حقّاني، رئيس المحكمة العليا للحركة، بتهمة ارتكاب جريمة ضدّ الإنسانية المتمثّلة في الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي. وقد أعدّت طلبات الاعتقال فريقٌ من المحامين بإشراف نائبة المدّعي العام Nazhat Shameem Khan، المشرفة على التحقيق الأفغاني، والمستشارة الخاصة لجرائم النوع الاجتماعي البروفيسورة Lisa Davis، التي صاغت سياسة المكتب في شأن الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي. وقد شملت العقوبات الأمريكية نائبة المدّعي العام أيضاً، في حين لجأت Davis إلى القضاء في نيويورك وحصلت على حكمٍ يحميها من أيّ إجراءاتٍ عقابية محتملة.

وكان قد كشف في ديسمبر أنّ دبلوماسيّين في اجتماع جمعية الدول الأطراف السنوي في لاهاي أفادوا بأنّ إدارة Trump ضغطت على المحكمة لإسقاط تحقيقَيها في أفغانستان وفلسطين شرطاً لرفع العقوبات، وطالبت الدول بتعديل نظام روما الأساسي لمنع ملاحقة مواطني الدول غير الأعضاء في المحكمة، كالولايات المتّحدة وإسرائيل. غير أنّ الجمعية أصدرت في ختام اجتماعها إعلاناً يرفض هذه المطالب ويتمسّك بنظام روما كما هو، دون أن تُسمّي الولايات المتّحدة صراحةً.

"سياقٌ مختلفٌ جوهرياً": حجج الدائرة التمهيدية

تعود جذور قضية أفغانستان أمام المحكمة إلى نوفمبر 2017، حين طلب المدّعون العامّون الإذن بالتحقيق في جرائم مزعومة ارتُكبت منذ 2003. رُفض الطلب في البداية عام 2019، قبل أن تُقرّ دائرة الاستئناف التحقيق في مارس 2020. ثمّ جُمِّد التحقيق بطلبٍ من الحكومة الأفغانية آنذاك، وأُعيد استئنافه في أواخر 2022، وأُيِّد ذلك في الاستئناف في أبريل 2023.

وفي نوفمبر 2024، أحالت ستّ دول هي تشيلي وكوستاريكا وإسبانيا وفرنسا ولوكسمبورغ والمكسيك اتّهاماتٍ تتعلّق بجرائم ارتُكبت بحقّ النساء والفتيات منذ عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، طالبةً دمجها في التحقيق الأفغاني القائم. وفي يناير 2025، طلب المدّعي العام Khan آنذاك إصدار مذكّرات اعتقال، مستنداً إلى أنّ اتّهامات الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي تندرج أصلاً ضمن نطاق إذن 2020.

بيد أنّ الدائرة التمهيدية الثانية، المؤلّفة من القضاة Rosario Salvatore Aitala (رئيساً) وSergio Gerardo Ugalde Godinez وHaykel Ben Mahfoudh، خلصت في قرارها الأخير إلى أنّ سلوك طالبان بعد 2021 يختلف "اختلافاً جوهرياً" عن العنف المرتبط بالنزاع المسلّح الذي شكّل أساس التحقيق الأصلي المرخَّص عام 2020.

وقد وجّه القضاة المدّعين العامّين إن رأوا أنّ العتبة القانونية لا تزال متحقّقة إلى فتح تحقيقٍ مستقلٍّ تماماً استناداً إلى إحالة الدول عام 2024، وإخطار رئاسة المحكمة بتلك الإحالة، وهو ما أشار القرار إلى أنّه لم يحدث بعد.

وجاء في نصّ قرار الدائرة: "تتعلّق الإحالة باتّهاماتٍ تخصّ الاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي والاضطهاد السياسي من خلال اعتماد مراسيم وسياسات وقيود تمييزية وتطبيقها وإنفاذها، وهو ما أصبح ممكناً بفعل ممارسة طالبان للسلطة الحكومية الفعلية (De Facto)، لا بوصفها جماعةً مسلّحة متمرّدة في سياق نزاعٍ مسلّح."

واستند القضاة إلى اعتراف المدّعي العام السابق بأنّ سلوك طالبان بعد استيلائها على السلطة في أغسطس 2021 لم يقم على هجماتٍ مسلّحة ضدّ المدنيّين، بل على "فرض قواعد وحظر تمييزية مباشرةً على السكّان" ومعاقبة من "يرَون أنّهم لم يمتثلوا لها".

وخلص القرار إلى أنّ "الاتّهامات الواردة في الإحالة تنشأ في سياقٍ وقائعيٍّ ومؤسّسيٍّ مختلفٍ جوهرياً، وتنطوي على أنماطٍ مزعومة مستقلّة من الارتكاب، ولا يبدو أنّها مرتبطة بأيّ نزاعٍ مسلّح، وتتعلّق بأفعالٍ وقعت بعد تولّي طالبان السلطة الحكومية الفعلية. وفي ضوء ما سبق، ترى الدائرة أنّ الأفعال المحدّدة في الإحالة تُشكّل مجموعةً فرعيةً مستقلّةً بما يكفي من الأحداث المزعومة، ممّا يستوجب لمقتضيات حسن إدارة العدالة وانتظام إجراءات المحكمة فتح تحقيقٍ منفصل."

تحقيقٌ خامد وآليّة إغلاق جديدة

لفت القضاة كذلك إلى أنّ التحقيق الأفغاني الأصلي الذي يشمل اسمياً جميع الأطراف بات خامداً منذ سنوات، ونبّهوا المدّعين العامّين إلى آليّةٍ إجرائية جديدة تُتيح الإغلاق الرسمي لملفّ القضية.

وجاء في هامشٍ بالقرار: "نظراً لمرور أكثر من ثلاث سنوات على إذن الدائرة باستئناف التحقيق في وضع أفغانستان، وفي ظلّ غياب أيّ إجراءاتٍ معلّقة تتعلّق بالأفعال التي يغطّيها ذلك الإذن، تلفت الدائرة انتباه الادّعاء إلى اللائحة 66 مكرّر من لوائح المحكمة المُعتمدة حديثاً، التي تُجيز للادّعاء طلب إغلاق سجلّ القضية حين لا يتوقّع القيام بأيّ نشاطٍ تحقيقيٍّ أو ملاحقاتيٍّ إضافي في شأنها."

ولم يتّخذ مكتب المدّعي العام حتّى الآن أيّ قرارٍ بشأن إغلاق التحقيق الأصلي أو فتح تحقيقٍ جديد.

أخبار ذات صلة

Loading...
رجل يهودي يقف بجانب بقايا منزل مهدّم في مستوطنة إسرائيلية غير قانونية بالضفة الغربية المحتلة.

تحقيق منظّم الجمعيات الخيرية البريطاني في تمويل المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية

تحقيق رسمي يكشف تحويل أموال جمعيات خيرية بريطانية لمستوطنات إسرائيلية غير قانونية في فلسطين. اكتشف التفاصيل وتأثيرها القانوني الآن ولا تفوت متابعة المستجدات!
Loading...
سيارات محترقة في الضفة الغربية تعكس تداعيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية وتأثير الحكم القضائي الأمريكي ضد السلطة الفلسطينية.

الولايات المتحدة تؤيّد حكماً بـ 656 مليون دولار ضدّ مسؤولين فلسطينيين بتهمة "العقاب الجماعي"

المحكمة العليا الأمريكية تؤكد حكم تعويض 656 مليون دولار ضد السلطة الفلسطينية، مما يهدد رواتب الموظفين ويزيد الأعباء المالية. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره على الفلسطينيين. اقرأ المزيد الآن!
Loading...
رئيس وزراء الهند ورئيس وزراء إسرائيل خلال مؤتمر صحفي مشترك أمام أعلام البلدين، يعكس العلاقات الدفاعية والتجارية بين الهند وإسرائيل.

الهند أرسلت آلاف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل خلال الحرب على غزة

تقرير جديد يكشف تورط شركات هندية في توريد آلاف الأسلحة والذخائر لإسرائيل خلال العدوان على غزة، ما يثير تساؤلات حول دور الهند في النزاع. اكتشف التفاصيل الآن وكن على اطلاع كامل.
Loading...
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مقابلة حصرية مع قناة فوكس نيوز يتحدث عن مذكّرة الاعتقال الدولية والتحديات السياسية.

نتنياهو يستخفّ بمذكّرات الاعتقال: "لدينا قوّات خاصّة"

رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يتحدى مذكّرة الاعتقال الدولية وسط دعم قوات خاصة قوية وتحالف استراتيجي مع ترامب. اكتشف تفاصيل المواجهة السياسية والقانونية التي تشغل العالم الآن. اقرأ المزيد لتعرف الحقيقة كاملة.
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية