كيف تؤثر حرارة التيبت على فيضانات كاليفورنيا
اكتشف كيف تؤدي الحرارة المرتفعة فوق الهضبة التيبتية إلى فيضانات غير متوقعة في غرب الولايات المتحدة عبر تأثيرات جوية بعيدة تفتح باب التنبؤ المبكر وتحسين الاستعداد للكوارث مع تغير المناخ تابع التفاصيل على وورلد برس عربي

في يناير 2017، هطلت على كاليفورنيا وعدد من الولايات المجاورة أمطارٌ غير مسبوقة، خلّفت خسائر تجاوزت 6.6 مليار دولار وأودت بحياة تسعة أشخاص على الأقل. وتكرّر المشهد ذاته في مارس 2023. ما أربك علماء الأرصاد وقتها هو أن كلا الحدثين وقعا خلال سنوات La Niña، أي السنوات التي تُصنَّف تقليدياً بأنها جافّة في غرب الولايات المتحدة وهو ما جعل أنظمة التنبّؤ المعتمدة على أحوال المحيطات عاجزةً عن رؤيتهما مسبقاً. الإجابة، كما يتبيّن الآن، كانت تنتظر على بُعد آلاف الأميال في الشرق، فوق الهضبة التيبتية.
دراسةٌ نُشرت في 9 سبتمبر 2026 في مجلة Science Advances تكشف لأول مرة عن ترابطٍ مناخي مباشر بين ارتفاع درجات الحرارة في مطلع الشتاء فوق الهضبة التيبتية، وموجات الأمطار الاستثنائية التي تضرب الساحل الغربي الأمريكي بعد نحو شهرٍ واحد. هذا النوع من الروابط بين شذوذات مناخية في مناطق متباعدة يُعرف علمياً بـ«التوصيل المناخي عن بُعد» (Climate Teleconnection)، وهذه الدراسة هي الأولى التي تُثبته بين الهضبة التيبتية وساحل المحيط الهادئ الأمريكي.
كيف تتحوّل الحرارة فوق التيبت إلى فيضانات في كاليفورنيا؟
الآلية التي يصفها الباحثون تبدأ بتفاصيل دقيقة: في ديسمبر 2016، ثم في فبراير 2023، سجّلت الهضبة التيبتية ارتفاعاتٍ غير طبيعية في درجات الحرارة السطحية. هذا الاحترار أوجد تدرّجاً حرارياً حاداً بين الهضبة والمناطق المحيطة بها، ما أطلق اضطراباتٍ في الغلاف الجوي تولّدت عنها موجات Rossby وهي موجاتٌ كوكبية ضخمة تسير في التيار النفاث (Jet Stream) وتتأثر بتضاريس الجبال والهضاب العالية.
يُقدّم Matthew Huber، أستاذ علوم الأرض والغلاف الجوي في جامعة Purdue، صورةً بصرية لاستيعاب الفكرة: «تخيّل موجات التيار النفاث كراكب دراجة نارية يقفز عن منحدر كم يقفز بعيداً وعالياً يعتمد على سرعته وحجم المنحدر الذي يعبره». هذه الموجات تنتقل شرقاً عبر المحيط الهادئ، وحين تصل إلى المحيط الهادئ الشرقي تنكسر على حدّ تعبير Yongkang Xue، الأستاذ المتميّز في علوم الغلاف الجوي والمحيطات في UCLA وكبير مؤلفي الدراسة: «فوق المحيط الهادئ الشرقي، تنكسر الموجة تماماً كموجة المحيط الشاهقة حين تتحطّم قرب الشاطئ. آلية الانكسار هذه تُقلّل الاستقرار الساكن وتُكثّف الأنهار الجوية بشكلٍ ملحوظ، ما يُفضي في نهاية المطاف إلى هطولٍ استثنائي وغزير على طول الساحل الغربي».
الأنهار الجوية (Atmospheric Rivers) هي ممرّاتٌ ضيّقة من بخار الماء المكثّف تُعدّ المحرّك الرئيسي للفيضانات في غرب الولايات المتحدة. حين تتضافر معها موجات Rossby القادمة من التيبت، يتضاعف تأثيرها بصورة تفوق ما تستطيع نماذج التنبّؤ التقليدية المعتمدة أساساً على مؤشّرات El Niño وLa Niña رصده أو توقّعه.
إشارةٌ بعيدة، لكنّها قابلة للتتبّع
ما يجعل هذه الدراسة ذات قيمة عملية لا أكاديمية فحسب هو أن النماذج المستخدمة فيها نجحت في محاكاة الحدثين بدقّة. يقول Huber إن «الدراسة تُظهر أن التنبّؤات الدقيقة بأحداث الطقس في غرب الولايات المتحدة حسّاسةٌ جداً لتغيّراتٍ صغيرة تحدث بعيداً جداً في المنبع، وأن هذه الملامح في المنبع قابلةٌ للتحديد والتتبّع». بمعنى آخر: الإشارة موجودة، وهي قابلة للقراءة إذا عرفنا أين ننظر.
يُضيف Xue بُعداً استشرافياً مهمّاً: «مع تصاعد الظواهر المناخية المتطرّفة عالمياً، يُتيح فهم هذا الترابط لوكالات التنبّؤ تحذير المجتمعات الساحلية مسبقاً من الظروف القاسية المقبلة».
ما قد لا يظهر في العنوان هو الأثر من الدرجة الثانية لهذا الاكتشاف: إذا باتت أنظمة الإنذار المبكر قادرةً على رصد الشذوذات الحرارية فوق الهضبة التيبتية في ديسمبر، فإن نافذة التحذير قد تمتدّ إلى شهرٍ كامل قبل وقوع الفيضانات وهو فارقٌ هائل في سياق الاستعداد وإدارة الكوارث. الأسئلة المفتوحة تتعلّق بمدى قدرة أنظمة التنبّؤ الحالية على دمج هذه المتغيّرات البعيدة، وما إذا كان الاحترار المناخي المتسارع سيُغيّر وتيرة هذه الشذوذات الحرارية فوق التيبت ذاتها وهو ما لم تُجب عنه الدراسة بعد.
أخبار ذات صلة

كبرى شركات النفط تطلب من المحكمة العليا إسقاط دعاوى المناخ

الثقب القطبي الجنوبي يتسّع: لماذا تتأخّر استعادة طبقة الأوزون؟

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"
