السويداء مركز تهريب الكبتاغون في سوريا
تتجه الأنظار نحو السويداء بعد تفكيك إمبراطورية الكبتاغون. المحافظة تتحول لمركز تهريب رئيسي، مع ارتفاع كبير في العمليات رغم حملة الحكومة الجديدة. تعرف على تفاصيل التهريب والتوترات الطائفية وتأثيرها على الأمن الإقليمي.

-منذ أن شرعت السلطات السورية الجديدة في تفكيك ما تبقّى من إمبراطورية الكبتاغون التي أرساها بشار الأسد، باتت الأنظار تتّجه بصورة متصاعدة نحو محافظة السويداء في جنوب البلاد.
كانت المحافظة تُشكّل في السابق ممرّاً رئيسياً لعبور المخدّرات نحو الأردن ودول الخليج، غير أنّ تحقيقات محلية وبيانات أمنية إقليمية تُشير إلى أنّها تحوّلت منذ سقوط الأسد في ديسمبر 2024 إلى واحدة من أبرز مراكز تهريب المخدّرات في سوريا.
على مدار سنوات طويلة في عهد النظام السابق، أدارت هذه الصناعة التي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات وهي تقوم على إنتاج مادّة مخدّرة رخيصة التكلفة وشديدة الإدمان بوصفها رافداً فعلياً لثروة الدولة. واتّهم مسؤولون أمنيون غربيون وإقليميون منذ أمد بعيد الفرقة الرابعة المدرّعة بقيادة ماهر الأسد، شقيق الرئيس المخلوع، وإدارة المخابرات العسكرية، بتشغيل شبكة من المصانع بلغت في ذروتها ما يُعادل 80 بالمئة من إنتاج العالم من الكبتاغون، وهو رقم أشارت إليه الحكومة البريطانية عام 2023.
بيد أنّه حتى مع شروع الحكومة الانتقالية في دمشق في تفكيك هذا الإرث المؤسسي الموروث بصورة ممنهجة، تفيد التقارير بأنّ شبكات التهريب أعادت توظيف نفسها بسرعة لافتة.
السويداء: «خزّان استراتيجي» للمخدّرات
وفقاً لتحقيق أجرته منصّة سويداء 24 المحلية، فإنّه «في حين اجتاحت البلاد تحوّلات سياسية كبرى، كانت إمبراطورية الكبتاغون في جنوب سوريا، وتحديداً في محافظة السويداء، تُعيد تشكيل نفسها في صمت».
وأضافت المنصّة أنّه «بينما جرى تفكيك منشآت التصنيع في مناطق أخرى، ظلّت تجارة المخدّرات في السويداء تحت سيطرة قوى محلية حافظت على مواقعها، فحوّلت المحافظة إلى "خزّان استراتيجي" للمواد الخام والمخدّرات التي خزّنها النظام السابق».
على مدار سنوات، شكّلت هذه المحافظة الجنوبية ممرّاً رئيسياً لعبور المخدّرات نحو الأردن ومنه إلى الخليج، إذ اعتمدت السلطات اعتماداً واسعاً على القبائل البدوية والدروز المحليين لتيسير عمليات التهريب عبر الحدود.
وتُشير البيانات التي جمعتها Syria Weekly إلى أنّ عمليات تهريب المخدّرات من السويداء باتّجاه الأردن ارتفعت بأكثر من 325 بالمئة في أعقاب استيلاء الحرس الوطني بقيادة الدروز على المحافظة في يوليو الماضي، وهو الحرس الذي يتلقّى دعماً سياسياً وعسكرياً من إسرائيل.
ففي حين أحبط الأردن 21 محاولة تهريب من تلك المنطقة بين يناير ويوليو 2025، قفز هذا الرقم إلى 128 عملية إحباط خلال الأشهر التسعة التالية.
ويأتي هذا الارتفاع الحادّ على الرغم من حملة مكافحة المخدّرات التي تشنّها الحكومة السورية الجديدة في سائر أنحاء البلاد. فمنذ توليّها السلطة، فكّكت إدارة الرئيس أحمد الشرع 15 مختبراً صناعياً و13 منشأة تخزين أصغر حجماً، وضبطت أكثر من 500 مليون قرص بين ديسمبر 2024 ونوفمبر 2025 وحدهما، وفقاً للبيانات التي شاركها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدّرات والجريمة (UNODC).
التصعيد على الحدود الأردنية
يجعل الموقع الجغرافي الاستراتيجي للسويداء المتاخمة للأردن التطوّرات الجارية فيها مصدر قلق بالغ لعمّان، التي تعدّ تهريب المخدّرات من أشدّ التهديدات الأمنية الوطنية إلحاحاً.
وقد تعمّقت هذه المخاوف بصورة ملحوظة منذ اندلاع أعمال العنف الطائفي في السويداء في يوليو 2025، التي أودت بحياة ما يصل إلى 1,700 شخص وفق ما أُفيد، ممّا زاد من عزلة المحافظة عن دمشق وفتح الباب أمام رعاة خارجيين. وفي أعقاب تلك الاشتباكات، اندمجت أكثر من 40 فصيلاً درزياً في إطار الحرس الوطني الذي تولّى السيطرة الفعلية على المحافظة بعد انسحاب قوات الحكومة.
وقد وسّعت إسرائيل، التي طالما قدّمت نفسها حامية للأقلية الدرزية في سوريا، دعمها للجماعات المسلحة الدرزية في أعقاب تلك الاضطرابات. وترى إسرائيل في جنوب سوريا المجزّأ والمتمتّع بقدر من الاستقلالية حاجزاً استراتيجياً في مواجهة أيّ حكومة موحّدة في دمشق.
وتُقدّر مصادر ميدانية نقلت عنها سويداء 24 وجود ما بين 12 و15 منشأة لإنتاج الكبتاغون تعمل في أرجاء المحافظة، تتراوح بين مصانع ثابتة ومكابس متنقّلة مخبّأة داخل مركبات. وتدّعي التقارير أنّ أحد المصانع المُستحدثة «يقع في قلب منطقة سكنية مكتظّة داخل مدينة السويداء، ويُشرف عليه الحرس الوطني، مستخدماً السكان دروعاً بشرية في مواجهة أيّ ضربات جوية محتملة».
ويُضيف التقرير أنّ هذا المصنع «اعتمد على خبرات محلية تلقّت تدريباً تقنياً متقدّماً على أيدي خبراء من حزب الله اللبناني، الذين تخصّصوا في تجميع أقراص الكبتاغون وتحضيرها قبل سقوط النظام».
وتُفيد تقييمات الاستخبارات الأردنية بأنّ الشيخ حكمت الهجري، الزعيم الديني الدرزي الذي يترأّس الحرس الوطني، يعمل عمداً على تهيئة «بيئة مواتية» للمهرّبين مقابل عائدات مالية، مُكرّراً بذلك النموذج ذاته الذي أبقى على حكم الأسد لسنوات.
في مطلع الشهر الماضي، شنّت طائرات F-16 أردنية موجة من الغارات الجوية استهدفت ما لا يقلّ عن ستة مواقع داخل المحافظة السورية الجنوبية. وقد أُطلق على العملية رسمياً اسم «عملية الردع الأردني»، وضربت ما وصفته عمّان بـ«مصانع ومنشآت ومستودعات تستخدمها مجموعات التهريب منطلقاً لعمليات التهريب إلى الأردن».
وتُمثّل هذه العملية الضربة العابرة للحدود الخامسة التي ينفّذها الأردن منذ سقوط الأسد، والثالثة منذ استيلاء الحرس الوطني على السويداء في يوليو.
و وصف العميد الطيار الأردني المتقاعد عبدالله السرحان العملية بأنّها إجراء «استباقي»، مستنداً إلى أنّ المهرّبين باتوا يعتمدون أساليب متطوّرة بصورة متزايدة لنقل المخدّرات عبر الحدود، من بينها الطائرات المسيّرة وتقنيات متقدّمة أخرى.
وفي تصريح، قال اللواء المتقاعد مأمون أبو نوّار إنّ الضربات كانت «رسالة لمن يتعاون مع إسرائيل داخل السويداء ولإسرائيل ذاتها: لا تحاولوا أيّ مشاريع مستقبلية على حدودنا. الأردن لن يتردّد في ضرب هذه البؤر».
وأفاد مصدر حكومي أردني بأنّ المملكة لن تتسامح بعد اليوم مع وجود منشآت لإنتاج المخدّرات بالقرب من حدودها، مؤكّداً في الوقت ذاته أنّ الضربات نُفّذت بالتنسيق مع السلطات السورية وبهدف حماية المصالح الأمنية للبلدين.
وفي يناير، اتّفق البلدان على تشكيل لجنة أمنية مشتركة لمكافحة تهريب الأسلحة والمخدّرات عبر الحدود، وتعهّد الطرفان بتعزيز التنسيق على طول حدودهما المشتركة.
وفي خضمّ هذا التصعيد، احتضن المركز الأردني الدولي لتدريب الشرطة الشهر الماضي حفل تخريج لدورة في الإعداد والتأهيل الشرطي، شارك فيها 300 عنصر من قوات الأمن الداخلي السورية. وشمل البرنامج التدريبي علوم الشرطة الحديثة، فضلاً عن تدريبات ميدانية في اللياقة البدنية والدفاع عن النفس واستخدام مختلف الأسلحة.
وأشار مصدر في وزارة الداخلية السورية إلى أنّ عناصر الشرطة السورية الذين أتمّوا دوراتهم التدريبية في الأردن سيباشرون عملهم في المرحلة المقبلة في الأرياف الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية في محافظة السويداء، في إطار جهود تعزيز الأمن.
البالونات الموجّهة بنظام GPS
لم يتوقّف المهرّبون عن تطوير أساليبهم سعياً للإفلات من دوريات الحدود. فبعد أن جرّبوا في البداية طائرات مسيّرة رباعية المحاور (كوادكوبتر)، تبيّن أنّ هذه التقنية مرتفعة التكلفة وذات طاقة استيعابية محدودة نسبياً.
وفي الأشهر الأخيرة، رصدت السلطات تصاعداً ملحوظاً في استخدام بالونات ضخمة مملوءة بالهيليوم ومزوّدة بأنظمة ملاحة GPS وآليات إطلاق عن بُعد مؤقّتة، تُمكّن من نقل شحنات المخدّرات عبر الحدود وإسقاطها في مواقع محدّدة سلفاً.
وبحسب بيانات جمعها Charles Lister، الباحث الأول ومدير ملف سوريا في معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute)، ونشرتها مجلة New Line Magazine، فقد اعترض الجيش الأردني ما لا يقلّ عن 46 مليون قرص منذ يوليو الماضي، معظمها محمّلة على بالونات هيليوم موجّهة بنظام GPS.
وفي 14 مايو، أعلنت السلطات السورية إحباط محاولة لتهريب 142,000 قرص كبتاغون إلى الأردن عبر بالونات موجّهة بنظام GPS مزوّدة بأنظمة إطلاق يُتحكّم فيها عن بُعد، ممّا يكشف عن تطوّر متواصل في الأساليب التي تعتمدها شبكات التهريب.
وتصل إلى السويداء اليوم حصّة وافرة من الكبتاغون قادمة من لبنان، حيث وجد المقرّبون من نظام الأسد ملاذاً آمناً إلى جانب حزب الله، الجماعة المدعومة إيرانياً التي ربطها تحالف راسخ بالرئيس المخلوع. وقد اتّخذت السلطات السورية الجديدة موقفاً صارماً من العمليات المرتبطة بحزب الله في البلاد، بما فيها تهريب الأسلحة والمخدّرات، في حين نفى الحزب أيّ تورّط في تجارة الكبتاغون.
وفي يناير الماضي، أعلنت السلطات السورية عن عملية نفّذتها وحدة مكافحة المخدّرات في مدينة يبرود بجنوب سوريا، على بُعد نحو 20 إلى 25 كيلومتراً شرقي الحدود اللبنانية، أسفرت عن ضبط 226 بالوناً مُعدّاً لنقل المخدّرات، و106 كيلوغرامات من الحشيش، و650,000 قرص كبتاغون، و238 غراماً من الميثامفيتامين (الكريستال ميث)، و60 غراماً من الماريجوانا، وأوراق نقدية مزوّرة بقيمة 30,000 دولار. وكانت الشحنة القادمة من لبنان متّجهة إلى سوريا قبل أن تواصل طريقها نحو الأردن ثمّ دول الخليج.
وخلال الأشهر الستة الماضية، ضبطت السلطات السورية ما يقارب 33 مليون قرص كبتاغون قادماً من لبنان، وهو رقم يمثّل 77 بالمئة من إجمالي ما ضبطته الحكومة من هذه المادّة، وفقاً لبيانات Syria Weekly.
تصاعد التعاون في مكافحة المخدّرات
شهد التعاون بين دمشق وبيروت تكثيفاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، في ظلّ سعي الحكومتين إلى كبح تدفّق المخدّرات عبر المنطقة.
ففي أبريل، أكّد وزير الداخلية اللبناني أحمد الحاج تفكيك شبكة تهريب دولية كانت تستعدّ لتهريب 85 كيلوغراماً من المخدّرات إلى الكويت، في عملية نُفّذت بالتنسيق بين أجهزة مكافحة المخدّرات في سوريا ولبنان والكويت. وشدّد الحاج على أهمية تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية العربية، وتعهّد بمواصلة ملاحقة الشبكات الإجرامية العاملة عبر الحدود الوطنية.
وفي أبريل أيضاً، أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) بأنّ وزارة الداخلية اعتقلت أحد أبرز المطلوبين اللبنانيين في قضايا تهريب المخدّرات بعد دخوله الأراضي السورية. وبحسب التقرير، كان المشتبه به مطلوباً أمام القضاء اللبناني بتهم تتعلّق بتهريب الكبتاغون والحشيش، وجرى توقيفه إثر تنسيق بين مكتب مكافحة المخدّرات المركزي في لبنان ومديرية مكافحة المخدّرات في سوريا. وفي 19 مارس، جرى تسليمه إلى السلطات اللبنانية عبر معبر المصنع الحدودي.
وأشار مسؤولون سوريون إلى أنّ هذه القضية تعكس إطاراً متوسّع النطاق من التعاون الأمني والقضائي بين البلدين، يستهدف تعطيل شبكات تهريب المخدّرات العاملة عبر الحدود السورية اللبنانية.
وإلى جانب الأردن ولبنان، نفّذت وزارة الداخلية السورية ومديرية الأمن العام خلال الأشهر الستة الماضية عمليات مشتركة لمكافحة المخدّرات مع كلٍّ من العراق وتركيا.
غير أنّه مع تكيّف شبكات التهريب مع المعطيات الجديدة على الأرض، تواجه السلطات صعوبة متزايدة في الحيلولة دون تجذّر ما تبقّى من إمبراطورية الأسد للمخدّرات في المناطق التي لا تزال سلطة الدولة فيها هشّة.
أخبار ذات صلة

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال
