نجاة طفلة من الموت في ظل الحرب المستعرة
في خضم الحرب على غزة، وُلدت نور في ظروف قاسية. بعد صراعها للبقاء في حضانة مستشفى تحت القصف، نجت بفضل إصرار والدتها. لكن معاناتها لم تنتهِ، بل بدأت رحلة طويلة من العلاج وسط الأزمات. قصة إنسانية مؤثرة تستحق القراءة.

في الساعات الأولى من أكتوبر 2023، وقبل أن تُطلق الحرب على غزة رصاصتها الأولى بساعاتٍ قليلة، كانت سمر حمّاد تُفارق غرفة الولادة حاملةً ابنتها الصغرى نور أبو سمعان.
حين اختارت اسم «نور»، لم تكن هذه الأمّ الفلسطينية تتخيّل أنّ وليدتها ستجد نفسها بعد أيامٍ قليلة تصارع الموت داخل حضّانة في مستشفى تتقدّم نحوه القوات الإسرائيلية، بعد أن قطعت عنه الكهرباء والأكسجين، وخرجت منه أرواح أطفالٍ لم يُكملوا أسبوعهم الأول في الحياة.
نجت نور، تقول أمّها، بما يشبه المعجزة. لكن بعد ما يقارب ثلاث سنوات، لا تزال تعيش مع إعاقةٍ زادها الحصار الإسرائيلي المستمرّ تعقيداً.
تقول حمّاد من خيمتها في وسط مدينة غزة: «وضعت نور طفلةً سليمة تماماً في ليلة اندلاع الحرب». وبعد ساعاتٍ قليلة من عودتها إلى المنزل، ضربت الغاراتُ الإسرائيلية محيطَ الحيّ؛ قُصف بناءٌ قريب من منزلهم، وفي اليوم التالي بدأت نور تفقد وعيها.
مع تدهور حالة الطفلة بسرعة، أسرعت حمّاد بها إلى مستشفى ناصر للأطفال في مدينة غزة. حين رأى الأطباء الرضيعة، أخبروا الأمّ أنّها في حالةٍ حرجة تُنذر بالوفاة. وخلصت التشخيصات لاحقاً إلى أنّ نور تعاني مضاعفاتٍ ناجمة عن استنشاق غازاتٍ سامّة أُطلقت جرّاء القصف.
مكثت نور في المستشفى أكثر من شهر، فيما كانت القوات الإسرائيلية تتوغّل في أعماق القطاع والمعارك تشتدّ حول المنشأة الطبية.
تستعيد حمّاد تلك الأيام: «كان القصف لا يتوقّف. كانت نور في الحضّانة مع عددٍ من الأطفال حديثي الولادة، وكانت تفقد الأكسجين مراراً وتحتاج إلى إنعاشٍ متكرّر».
في مرحلةٍ ما، أخبر الأطباء الأمَّ أنّهم استنفدوا ما بوسعهم، وأنّ الأجهزة التي تُبقي ابنتها حيّة لا تفعل أكثر من تأجيل النهاية. يائسةً، توسّلت حمّاد بالأطباء أن يأذنوا لها بحمل طفلتها وإرضاعها.
بعد إلحاحٍ متكرّر، رضخ الطاقم الطبي. وما إن أمسكت الأمّ بابنتها حتى بدأت الأجهزة تُسجّل تحسّناً.
«بدأت الأجهزة تُظهر استجابة»، قالت. «ذُهل الأطباء. قالوا لي إنّه يشبه المعجزة».
كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن منذ اليوم الأول للحرب قطعَ إمدادات الغذاء والماء والوقود عن قطاع غزة، دافعاً منظومة الرعاية الصحية نحو الانهيار. وزاد على الحصار شنُّ هجماتٍ مباشرة على المستشفيات واقتحام منشآت طبية، ما أسفر عن استشهاد عشراتٍ من المرضى، بينهم أطفالٌ رضّع.
اقتحام المستشفى
في مدينة غزة، كان مستشفى ناصر للأطفال من أوائل المنشآت الطبية التي استهدفها الجيش الإسرائيلي. وبينما كانت القذائف تتساقط على مبانيه وساحاته ومحيطه، طلب الطاقم الطبي من أمّهات الأطفال الرضّع في الحضّانات المغادرة، مطمئنّاً إيّاهنّ بأنّ أبناءهنّ سيبقون في عناية طبية آمنة.
«غادرت كلّ الأمّهات الأخريات وفررن جنوباً»، قالت حمّاد. «لكنّني أخبرت الأطباء أنّني لا أستطيع ترك ابنتي».
بعد توسّلاتٍ متكرّرة، وافق الأطباء على تسليم نور لأمّها، محذّرين من أنّ القوات الإسرائيلية تقترب بسرعة من المستشفى.
«أعطوها لي على مسؤوليتي الشخصية»، تتذكّر حمّاد. «حملتها وخرجت».
في 9 نوفمبر 2023، فرّت من المستشفى حاملةً ابنتها. وفي اليوم ذاته، قصف الجيش الإسرائيلي المستشفى وقطع إمدادات الأكسجين عن وحدة العناية المركّزة لحديثي الولادة. في اليوم التالي، صدرت أوامر للطاقم الطبي بالمغادرة، ممّا اضطرّه إلى التخلّي عن الأطفال الذين تعذّر نقلهم دون حضّاناتٍ وأجهزة دعم الحياة.
دخلت القوات الإسرائيلية المستشفى لاحقاً وبقيت في المنطقة نحو ثلاثة أسابيع. حين عاد العاملون في القطاع الصحي خلال الهدنة المؤقّتة في 28 نوفمبر، وجدوا أربعة أطفالٍ استشهدوا.
كانت أبو سمعان الطفلةَ الوحيدة المعروفة بالنجاة من جناح الحضّانات، بعد أن أصرّت أمّها على إخراجها قُبيل اقتحام القوات الإسرائيلية للمستشفى.
غير أنّ النجاة لم تكن نهاية المحنة بالنسبة لحمّاد، بل بداية مرحلةٍ أشدّ قسوة.
العطش والجوع
بعد مغادرة مستشفى ناصر، حملت حمّاد ابنتها من منشأةٍ طبية إلى أخرى بحثاً عن العلاج. كان جسد نور قد أُصيب بالترهّل، وبينما كانت المعارك تشتدّ من حولهما، وجدت الأمّ والطفلة نفسيهما محاصرتين داخل مدرسةٍ تؤوي عائلاتٍ نازحة.
«كانت تبكي باستمرار»، تستذكر حمّاد. «كان الناس يطلبون منّي إسكاتها لأنّ الدبابات تحاصرنا وكانوا يخشون أن يسمعها الجنود».
في نهاية المطاف، تمكّنت من الوصول إلى مستشفى الأهلي العربي المعروف بـ«المعمداني»، حيث أجرى الأطباء فحصاً بالأشعة المقطعية وشخّصوا نور بتكلّس في الدماغ.
«قالوا إنّه على الأرجح بسبب استنشاق غاز الفوسفور، وأنّها تحتاج إلى علاجٍ طبيعي مستمرّ»، قالت حمّاد.
طوال الأشهر الستة التالية، كانت تأخذ نور يومياً للعلاج في مستشفى الوفاء في مدينة غزة، أملاً في تحسين حالتها. لكنّ حماية ابنتها من القصف وتأمين الرعاية الطبية لم يكونا سوى جزءٍ من المعاناة. فكأيّ أسرةٍ غزّية أخرى، كانت حمّاد تواجه يومياً تحدّي إيجاد الغذاء والماء الكافيين لإبقاء طفلتها حيّة.
«كنت أمشي ساعاتٍ طويلة، أحياناً سبع ساعاتٍ في اليوم، بحثاً عن الماء»، تقول.
وبينما كانت تجوب المنطقة حاملةً زجاجةً فارغة تجوس الشوارع ذاتها مراراً، لاحظ رجلٌ مسنٌّ نازح حالَها اليائسة. بعد ثلاث ساعات، أوقفها وملأ زجاجتها بهدوءٍ من مخزون عائلته المحدود.
«كان الماء شحيحاً للغاية وشبه معدوم؛ اضطرّ الرجل إلى إخفاء الزجاجة في ثيابه ليملأها سرّاً»، قالت.
«حين حصلت على الماء، حضّرت لها الحليب فوراً. شربته ونامت أخيراً بعد ساعاتٍ من البكاء والأرق».
في أعقاب السابع من أكتوبر أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك Yoav Gallant فرضَ «حصارٍ شامل» على غزة، مُعلناً أنّه «لا كهرباء ولا غذاء ولا ماء ولا وقود». وعلى الرغم من أنّ القطاع كان يرزح تحت الحصار منذ عام 2007، فإنّ تشديد القيود أدّى عملياً إلى وقف دخول المستلزمات الأساسية، ما أفضى إلى نقصٍ حادّ في الغذاء والماء والوقود والموارد الطبية، ومزّق ما تبقّى من منظومة إنسانية هشّة.
وخلصت منظماتٌ حقوقية عديدة إلى أنّ إسرائيل وظّفت التجويع أداةً للحرب و وسيلةً للتهجير القسري، بهدف دفع المدنيين إلى النزوح من شمال غزة نحو جنوبه. وبحلول أواخر عام 2025، كان قد استشهد ما لا يقلّ عن 453 فلسطينياً جرّاء سوء التغذية الحادّ في غزة، بينهم 150 طفلاً، وفق وزارة الصحة الفلسطينية.
قوائم الانتظار
رغم الجوع والحرمان، رفضت حمّاد الفرار جنوباً. قالت إنّ تقارير الانتهاكات بحقّ النازحين الفلسطينيين عند نقاط التفتيش الإسرائيلية ملأتها رعباً من تلك الرحلة، وفوق كلّ شيء كانت تخشى على صحّة ابنتها الهشّة.
مع بدء نور تحريك أطرافها والإمساك بالأشياء تدريجياً، سمحت لنفسها بقدرٍ من الأمل.
«كانت تتحسّن، لكنّ الأطباء أخبروني أنّها تحتاج إلى إخلاءٍ عاجل للعلاج في الخارج، وهو ما كان شبه مستحيلٍ في تلك المرحلة».
في 25 ديسمبر 2024، توجّهت حمّاد إلى مستشفى كمال عدوان في شمال غزة بعد أن سمعت عن طبيب أطفالٍ متميّز قد يكون قادراً على مساعدة ابنتها.
«خاطرت بحياتي حين سمعت أنّ ثمّة طبيباً ماهراً ورحيماً قد يُسهم في علاج نور. ذهبت إلى المستشفى لكنّه كان منهكاً أمام أعدادٍ كبيرة من المصابين»، قالت.
«أخبرني الطاقم الطبي أن أعود بعد يومين لرؤيته. لكن بعد يومين، اقتحم الجيش المستشفى واعتقله».
كان الطبيب هو الدكتور حسّام أبو صفية، الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية في 27 ديسمبر 2024. ووفق محاميه، تعرّض أبو صفية لتعذيبٍ متكرّر خلال فترة احتجازه، وفقد نحو 40 كيلوغراماً من وزنه، وتدهورت صحّته بشكلٍ خطير، وجرى مؤخّراً وضعه في الحبس الانفرادي.
في غضون ذلك، واصلت حمّاد محاولاتها لتأمين علاجٍ لابنتها في الخارج، رغم الحصار الإسرائيلي المشدّد الذي يحول دون مغادرة القطاع.
«صدرت لها إحالةٌ طبية إلى إيطاليا»، قالت حمّاد. «لكنّنا ننتظر منذ أشهر، مع عشراتٍ الآلاف من المرضى الآخرين».
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، صدرت إحالاتٌ طبية لما لا يقلّ عن 17,757 شخصاً يحتاجون علاجاً عاجلاً في الخارج، من بينهم نحو 4,000 طفل. غير أنّ معظمهم لا يزالون حبيسي قوائم الانتظار جرّاء القيود الإسرائيلية المشدّدة.
وعلى الرغم من موافقة إسرائيل على إعادة فتح معبر رفح مع مصر بصورةٍ محدودة في فبراير، بما يتيح خروج 50 مريضاً يومياً، فإنّ عدد من أُجليَ عبر معبري رفح وكرم أبو سالم لم يتجاوز 1,204 مرضى حتى 20 مايو.
بعد كلّ ما عاشته، باتت حمّاد تُدرك أنّ مستقبل ابنتها رهينٌ بقرارٍ لا تملك عليه أيّ سلطة.
«أنقذت نور من الموت المحقّق في الحضّانة، وأمّنت لها الماء والحليب في أشدّ الأوقات قسوةً، وأخذتها إلى المستشفيات للعلاج الطبيعي طوال عامين من الإبادة»، قالت حمّاد.
«الآن صحّتها معلّقةٌ بتصريحٍ إسرائيلي يُحدّد ما إذا كانت ستتعافى أم ستبقى معاقةً طوال حياتها».
أخبار ذات صلة

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال
