علاج ثوري بالخلايا الجذعية يعيد بناء العظام ويقلل الكسور
تجربة جديدة باستخدام خلايا جذعية معدلة تقلص كسور هشاشة العظام بنسبة 94 بالمئة وتحسن بنية العظم لدى مرضى في مراحل متقدمة مع نتائج واعدة وسلامة عالية اكتشفها فريق بحثي في جامعة Murcia في وورلد برس عربي.

كسرةٌ واحدة كلّ ثانية هذا هو الثمن الذي يدفعه العالم جرّاء هشاشة العظام. 37 مليون كسر هشّ سنوياً، يعاني منها ما يصل إلى 500 مليون شخص حول العالم، في غياب علاجٍ شافٍ حقيقي حتى اليوم. لكنّ نتائج نُشرت في مجلة Cell العلمية المحكّمة قد تُعيد رسم خريطة العلاج من أساسها: تجربةٌ بشرية من المرحلة الأولى أجرتها جامعة Murcia الإسبانية، أثبتت أنّ الخلايا الجذعية المُعدَّلة قادرةٌ على استعادة بنية العظم وتقليص الكسور بنسبة تبلغ 94 بالمئة لدى مريضاتٍ في مراحل متقدّمة من المرض.
ما الذي جرى بالضبط في هذه التجربة؟
التجربة المُسجَّلة في قاعدة بيانات ClinicalTrials.gov شملت 10 نساء تتراوح أعمارهنّ بين 51 و72 عاماً، جميعهنّ مصاباتٌ بهشاشة عظام متقدّمة. بدأ الباحثون باستخراج نخاع العظم من الحوض لعزل الخلايا الجذعية الوسيطة (MSCs) وهي خلاياٌ متعدّدة القدرات تملك القدرة على التحوّل إلى خلايا بانية للعظم تُعرف بالخلايا العظمية (osteoblasts). المشكلة أنّ هذه الخلايا، حين تُزرع في المختبر، تفقد جزيئاً سطحياً حيوياً يُسمّى سيالايل لويس إكس (sLeX)، وهو ما يجعلها عاجزةً عن الوصول إلى نخاع العظم بعد إعادة حقنها في الجسم.
الحلّ الذي ابتكره الباحثون يقوم على تعديل الغليكوكاليكس (Glycocalyx) الغلاف السكّري المحيط بالخلية لإعادة التعبير عن جزيء sLeX، ما يُبرمج الخلايا الجذعية على التوجّه نحو العظم تحديداً. وكما يصف الباحثون ذلك: "في النماذج قبل السريرية، يمكن تصحيح هذا الخلل عبر تعديل الغليكوكاليكس للخلايا الجذعية الوسيطة لإجبارها على التعبير عن sLeX، ما يُبرمجها على التوجّه نحو العظم." بعد هذا التعديل، أُعيد حقن الخلايا وريدياً في المريضات، ثمّ تابع الباحثون الحالاتِ على مدى ستّ سنوات تقريباً.
ماذا كشفت الأرقام؟
النتائج المنشورة في الدراسة الكاملة لافتةٌ بكلّ المقاييس. على صعيد السلامة، لم تُسجَّل أيّ أحداث ضارّة مرتبطة بالعلاج طوال فترة المتابعة. يقول José M. Moraleda، أخصائي أمراض الدم في جامعة Murcia: "تُظهر النتائج أنّ هذا النهج العلاجي يتمتّع بملفّ سلامة ممتاز وهو قابلٌ للتطبيق."
لكنّ الأرقام الأكثر إثارةً تتعلّق بالفعالية. قبل الحقن، كانت المريضاتُ يُعانين من 8 كسور هشّة سنوياً في المجموع. وبعد الحقن، انخفض هذا الرقم إلى 0.5 كسر سنوياً فقط. يُوضّح الباحثون: "بمقارنة الفترة الممتدّة على سنتين قبل الحقن وسنتين بعده، انخفضت نسبة الكسور من 8 أحداث في السنة إلى 0.5 حدث في السنة أي انخفاضٌ بنسبة 94 بالمئة في كسور الهشاشة." وعلى الرغم من أنّ المريضات كنّ في الأصل ضمن الفئة عالية الخطورة جداً لتكرار الكسور، فإنّ معدّل الكسور "انخفض بشكلٍ حادّ" وفق وصف الباحثين أنفسهم.
على المستوى النسيجي، أظهرت خزعات العظم المأخوذة بعد 120 يوماً من الحقن زيادةً في مساحة النسيج العظمي لدى 7 من أصل 10 مريضات. كما كشفت المؤشرات الحيوية عن ارتفاعٍ في معدّلات تكوين العظم الجديد، فيما أثبتت صور التصوير تحسُّناً في كثافة العظم التربيقي (trabecular bone). وهذا التفصيل مهمٌّ من الناحية الوبائية، إذ يُنبّه الباحثون إلى أنّ "العظم التربيقي أكثر نشاطاً أيضياً بكثير من العظم القشري، وبالتالي فإنّ هشاشة العظام تُدمّر العظم التربيقي في مراحلها المبكّرة، قبل أن تنتقل إلى تآكل العظم القشري لاحقاً." ويخلص الباحثون إلى أنّ الخلايا المُعطاة "تُمارس تأثيراً تجديدياً للعظم يتمركز أساساً في العظم التربيقي."
بين الإثارة العلمية وحدود الدليل
قبل أن نستبق الاستنتاجات، لا بدّ من وضع هذه النتائج في سياقها المنهجي الصحيح. هذه تجربةٌ من المرحلة الأولى، صُمِّمت أساساً لتقييم السلامة لا الفعالية. لم تكن مُعشَّاةً ولا خاضعةً لمجموعة ضابطة، والعيّنة لا تتجاوز 10 مريضات. هذه القيود لا تُلغي أهمية النتائج، لكنّها تُحدّد سقف ما يمكن استنتاجه منها.
يُدرك الباحثون أنفسهم هذا الأمر، ويدعون صراحةً إلى "إجراء دراسات أكبر وأكثر تنوّعاً على مواقع متعدّدة لتأكيد هذه النتائج." غير أنّ ما يمنح هذه التجربة ثقلاً استثنائياً هو ما يصفه Moraleda وزملاؤه بأنّه "انخفاضٌ دائم في نسبة كسور الهشاشة، مصحوبٌ بارتفاع في مستويات مؤشرات تكوين العظم في المصل، إلى جانب أدلّة إشعاعية ونسيجية على تأثيرٍ مُعيدٍ لبنية العظم التربيقي" وهو ما يتجاوز ما كان متوقّعاً من تجربة سلامة بحتة.
ما الذي يعنيه هذا للمريض العربي؟
هشاشة العظام مرضٌ يطال النساء بعد انقطاع الطمث بصورة غير متناسبة، وهي فئةٌ واسعة في منطقتنا تعاني أحياناً من محدودية الوصول إلى علاجات متقدّمة. الأدوية المتاحة حالياً من مثبّطات ارتشاف العظم إلى العقاقير الابتنائية تُبطّئ المرض لكنّها لا تُعيد بناء ما فُقد. ما تطرحه هذه التجربة مختلفٌ جوهرياً: بدلاً من إدارة المرض، تُحاول استعادة النسيج العظمي من الداخل.
يُلخّص الباحثون الرهانَ الكبير بعبارةٍ واضحة: "يُمكن لتعديل الغليكوكاليكس الدقيق أن يُفعّل العلاج القائم على الخلايا الجذعية الوسيطة لعكس مسار هشاشة العظام، ما قد يُحوّل الاستراتيجيات العلاجية لهذا المرض من المقاربات الدوائية إلى الطبّ التجديدي."
التحوّل من الدواء إلى الطبّ التجديدي ليس قراراً علمياً فحسب إنّه قرارٌ يمسّ منظومة الصحة العامة بأكملها: التكلفة، والبنية التحتية المختبرية، والتوزيع الجغرافي للخدمات. السؤال المفتوح الآن ليس هل ستنجح هذه التقنية في تجارب أوسع، بل متى ستصل إن نجحت إلى المريضة في الرباط أو القاهرة أو عمّان.
أخبار ذات صلة

أمراض اللثة مرتبطة بارتفاع خطر الزهايمر بنسبة 61%

جزيئات معادن من زراعات المفاصل قد تصل إلى الدماغ

سرطان انتشر في جسد طفل اختفى بعد جرعتين من علاج تجريبي
