نجاح هبوط صواريخ فالكون 9 يغير مستقبل الفضاء
فريق هندسي من SpaceX يحقق أكثر من 650 هبوط ناجح لمرحلة Falcon 9 الأولى ويُكرم بجائزة Neil Armstrong للفضاء تقديراً لجهودهم في تحويل إعادة استخدام الصواريخ إلى واقع غير مسبوق يفتح آفاقاً جديدة لاستكشاف الفضاء وابتكاراته وورلد برس عربي

أكثر من 650 مرة هبطت فيها مرحلة Falcon 9 الأولى على الأرض أو على منصّة عائمة في المحيط، وفي كلّ مرة كان ثمّة فريق هندسي صغير يعرف أنّ هذه اللحظة لم تكن حتمية، بل كانت نتيجة سنوات من المحاولات والفشل والمحاكاة والمراجعة. في 15 سبتمبر 2026، حصل خمسة من مهندسي SpaceX على تكريم رسمي لهذا العمل: جائزة Neil Armstrong للفضاء، التي أعلنت عنها جامعة Purdue لأوّل مرة منذ تأسيسها، وسُلِّمت في حفل أُقيم في Cosmos Club بواشنطن العاصمة.
الفائزون الخمسة هم أعضاء فريق هبوط مُعزِّز Falcon 9: Lars Blackmore، و Shana Diez، و Jon Edwards، و Yoshiaki Kuwata، و Eduardo Velazquez. ليسوا مديرين تنفيذيين ولا وجوهاً إعلامية، بل مهندسون عملوا على مسألة تبدو بسيطة في الورق وأثبتت أنّها من أعقد مسائل الديناميكا والتحكّم في تاريخ الطيران الفضائي: كيف تُعيد صاروخاً يزن مئات الأطنان إلى نقطة بعينها بعد أن يبلغ الفضاء، ثم تُطلقه مجدداً.
من حسابٍ يدوي إلى 650 هبوطاً ناجحاً
انضمّ Yoshiaki Kuwata إلى SpaceX عام 2012، وكان أوّل ما فعله أن جلس مع ورقة وقلم. يقول: «في حسابٍ يدوي بسيط، قلت لنفسي: هذا سيعمل. لكنّ الصعوبة تكمن في الانتقال من هذا الحساب إلى الواقع، وهناك تفاصيل دقيقة كثيرة تعلّمناها في الطريق. على الورق كنت أظنّ أنّ الأمر سيستغرق ستة أشهر، لكنّه استغرق ثلاث إلى أربع سنوات حتى نجعله يعمل فعلاً».
أُطلق Falcon 9 لأوّل مرة في يونيو 2010، وقد صُمِّم منذ البداية بمرحلة أولى قابلة لإعادة الاستخدام. لكنّ تحويل هذا التصميم إلى واقع تشغيلي استغرق سنوات إضافية. جاء الاختبار الحقيقي في 21 ديسمبر 2015، حين نجحت المرحلة الأولى من Falcon 9 في الهبوط عمودياً لأوّل مرة في محطة Cape Canaveral Space Force Station. بعدها بأشهر قليلة، في 8 أبريل 2016، تحقّق الهبوط الأوّل على منصّة عائمة في المحيط الأطلسي.
منذ ذلك الحين، تجاوز عدد هبوطات مُعزِّزات Falcon 9 خلال مهمات مدارية 650 هبوطاً ناجحاً. ستّة من هذه المُعزِّزات أكملت أكثر من 30 إطلاقاً وهبوطاً، وتصدّرت القائمة Booster 1067 بـ37 رحلة. في عام 2025 وحده، أجرى Falcon 9 ما مجموعه 165 مهمة — نحو نصف إجمالي الإطلاقات على مستوى العالم — وكانت جميعها ناجحة.
ما الذي تعنيه جائزة تحمل اسم Neil Armstrong؟
أنشأت جامعة Purdue هذه الجائزة تيمّناً بخرّيجها الأبرز Neil Armstrong، أوّل إنسان يمشي على سطح القمر. تُعرِّف الجامعة نفسها بأنّها «مهد رواد الفضاء»، إذ خرج من بين جدرانها 30 خرّيجاً أصبحوا رواد فضاء أو اختيروا لهذا الدور في وكالة NASA.
قال Mark Lundstrom، عميد كلية الهندسة في Purdue، في كلمته خلال حفل التكريم: «إنجاز Neil Armstrong استند إلى هندسة استثنائية، وعمل جماعي، وشجاعة المحاولة في ما لم يُحاوَل من قبل». وأضاف: «فريق هبوط مُعزِّز Falcon 9 يحمل هذه الروح إلى الأمام. بجعلهم إعادة استخدام الصواريخ عملياً على نطاق لم يسبق له مثيل، غيّروا اقتصاديات الطيران الفضائي وفتحوا آفاقاً جديدة للعلوم والاستكشاف والتجارة. ومن المناسب تماماً أن يكونوا أوّل من يتسلّم جائزة Neil Armstrong للفضاء».
المنافسة تتّسع، والمرحلة التالية تنتظر
ما بناه فريق SpaceX لم يبقَ حكراً على شركة واحدة. صواريخ صينية نجحت مؤخّراً في تحقيق هبوطات للمرحلة الأولى، وبعضها يستخدم أرجلاً قابلة للطيّ على غرار تصميم Falcon 9. يرى Eduardo Velazquez، مدير هندسة Crew Starship في SpaceX، في هذا التوسّع شيئاً إيجابياً لا تهديداً: «أعتقد أنّ هذا رائع. نحن لم نبدأ من الصفر، فإذا نظرت إلى مقطع عرضي لمحرّكاتنا ومحرّكات الستينيات، فستجدها متشابهة جداً. نحن جميعاً نستلهم من المصدر ذاته. لكنّ حقيقة أنّنا رفعنا السقف بحيث أصبح الجميع يُهبِّط مراحله الأولى — هذا أمرٌ عظيم. نتقدّم معاً، ونحتاج إلى مزيد من اللاعبين في هذا المجال لبناء اقتصاد وحضارة فضائية حقيقية».
أما SpaceX نفسها، فتتطلّع إلى ما هو أبعد من Falcon 9. الخطة هي التقاعد التدريجي للصاروخ لصالح Starship، الصاروخ العملاق المصمَّم ليكون قابلاً للاستخدام بالكامل — بما في ذلك مرحلته الثانية «Ship». حتى الآن، أكمل Starship 13 رحلة اختبارية دون مدار، وجرى استرداد مُعزِّز Super Heavy 3 مرات في قاعدة Starbase بولاية تكساس. لكنّ المرحلة الثانية لا تزال التحدي الأكبر؛ مراحل Falcon 9 العليا لا تزال تُستهلك ولا تُستردّ.
يضع Kuwata الأمر في سياقه الحقيقي: «التغيير الجوهري الأكبر في Starship هو إعادة استخدام المرحلة الثانية — Ship». ويُوضِح أنّ المحاكاة تبدو واعدة: «في محاكاة Monte Carlo، تعمل هبوطات Ship بشكل جيد، وأثبتنا الهبوط الدقيق على المحيط مرات عديدة. لكنّني أشعر أنّنا سنكتشف أشياء جديدة في الطريق من خلال المحاولات المتكررة». يُتمّ Velazquez الفكرة بثقة هادئة: «المحاولات المتكررة هي المفتاح بالفعل، وأعتقد أنّنا أصبحنا قريبين جداً من اصطياد Ship».
الجائزة التي تحمل اسم رجل وطأت قدماه القمر تذهب اليوم إلى فريق يعمل على جعل الوصول إلى الفضاء أرخص وأكثر تكراراً — وهو ربّما الشرط الأوّل لأي رحلة إنسانية جدية نحو المريخ. ما إذا كان Starship سيُنجز هذا الوعد، أو متى، لا يزال سؤالاً مفتوحاً.
أخبار ذات صلة

نظام إدارة المسارات الجوية الجديد: استثمار بـ 875 مليون دولار في الذكاء الاصطناعي

مسؤول في Microsoft يصف كشط بيانات الذكاء الاصطناعي بـ "أكبر سرقة عمل في التاريخ"

مسؤول في Microsoft يصف سرقة بيانات الذكاء الاصطناعي بـ "أكبر سرقة عمل في التاريخ"
