صفقة الإنترنت في كاليفورنيا بين التمويل والتنازل عن الحماية
كاليفورنيا تواجه قرارًا صعبًا بين قبول 1.86 مليار دولار لتوسيع الإنترنت والتخلي عن قوانين حماية حيادية الإنترنت والتنظيم لمدة 14 عامًا مما يهدد حقوق المستهلكين ويثير جدلًا حول سلامة الشبكة وحرية المستخدمين وورلد برس عربي

مليار و860 مليون دولار مقابل 14 عاماً من التنازل عن حماية الإنترنت هل تستحقّ الصفقة؟
حين تقبل حكومةٌ ما تمويلاً فيدرالياً بشروطٍ تُقيّد صلاحياتها التنظيمية لأربعة عشر عاماً قادمة، فهذا ليس مجرّد قرارٍ مالي بل هو قرارٌ سياسي بامتياز. وهذا بالضبط ما تواجهه كاليفورنيا هذا الشهر، إذ تستعدّ هيئة المرافق العامة (CPUC) للتصويت على قبول 1.86 مليار دولار من منح برنامج BEAD الفيدرالي لتوسيع البنية التحتية للإنترنت، في مقابل تعليق تطبيق قوانين حيادية الإنترنت وتنظيم الأسعار على شركات الاتصالات المستفيدة من هذه المنح وذلك على مستوى الولاية بأكملها، لا في المناطق الممولة فحسب.
الأمر أشبه بعقد إيجارٍ يشمل بنداً بالحرف الصغير يقول: «تتنازل عن حقّك في الشكوى لمدة عقدٍ ونصف».
ما الذي يشتريه المال فعلاً؟
برنامج BEAD هو مبادرةٌ فيدرالية بقيمة 42 مليار دولار أقرّها الكونغرس وأقرّه الرئيس بايدن عام 2021، بهدف توسيع الوصول إلى الإنترنت عبر الولايات المتحدة. حصّة كاليفورنيا من هذا البرنامج تبلغ 1.86 مليار دولار، منها نحو 1.4 مليار دولار مخصّصة لمدّ الإنترنت إلى 270,571 موقعاً لا تصلها الخدمة حالياً. وافقت الوكالة الفيدرالية للاتصالات والمعلومات (NTIA) على خطة كاليفورنيا في 17 يوليو 2026، ويتعيّن على CPUC توقيع الاتفاقية مع NTIA قبل نهاية سبتمبر 2026، مع إمكانية تمديدٍ لمدة 30 يوماً.
نحو 69% من هذه الأموال ستذهب إلى خمسة مزوّدين كبار: Comcast بحصّة 400 مليون دولار، وAT&T بـ331 مليون دولار، وVerizon/Frontier بـ173 مليون دولار، وAmazon Kuiper بـ55 مليون دولار، وSpaceX Starlink بـ22 مليون دولار. الأسماء مألوفة، والأرقام ضخمة.
لكنّ الثمن الحقيقي ليس في هذه الأرقام. قواعد إدارة Trump تشترط على الولايات المقبِلة على تمويل BEAD إعفاء شركات الاتصالات المستفيدة من قوانين حيادية الإنترنت وتنظيم الأسعار وهذا الإعفاء لا يقتصر على المناطق التي تموّلها المنحة، بل يمتدّ ليشمل كلّ المناطق التي يخدمها أيّ مزوّد مستفيد، في أيّ مكانٍ من الولاية. مدّة الإعفاء: 4 سنوات لمرحلة النشر، تليها 10 سنوات أداء ممتدّة. أربعة عشر عاماً إجمالاً.
كاليفورنيا ليست ولايةً عادية في هذا الملف؛ فقد سنّت قانون حيادية الإنترنت الخاص بها عام 2018، وفازت بمعركةٍ قضائية دافعت فيها عن هذا القانون ضدّ محاولات الإلغاء الفيدرالي. القانون يحظر على شركات الاتصالات حجب حركة المرور المشروعة أو تقييدها أو المطالبة برسومٍ مقابل الأولوية. وعام 2019، أضافت الولاية قانوناً يحظر تقييد خدمات رجال الإطفاء والإسعاف درسٌ تعلّمته بعد أن كشفت حرائق غابات كاليفورنيا أنّ شركة Verizon كانت تُبطّئ اتصالات فرق الإنقاذ.
«بداية النهاية»
المستشار القانوني لمركز التكنولوجيا في متناول الجميع (Center for Accessible Technology)، Paul Goodman، لم يُجمّل الصورة حين وصف المشهد بقوله: «إنّها بداية النهاية».
وفي رسالةٍ وجّهتها مجموعاتٌ مناصِرة إلى قيادة كاليفورنيا، جاء فيها: «بينما تُدرك منظّماتنا أهمية تمويل BEAD والدور الذي سيؤدّيه في تطوير البنية التحتية الحيوية للإنترنت في الولاية فإنّنا نعارض بشدّة السماح بافتراض إلغاء قوانين حيادية الإنترنت في الولاية كشرطٍ لقبول أموال BEAD».
أستاذة القانون في Stanford، Barbara van Schewick، ذهبت أبعد من ذلك في تشخيص المشكلة، إذ قالت: «هذه الحمايات موجودةٌ لسببٍ وجيه: مزوّدو الإنترنت، حين يُتركون لأجهزتهم، قدّموا الأرباح على السلامة العامة من قبل. وكاليفورنيا مطلوبٌ منها الآن التوقيع على التنازل عن تلك الحمايات لأربعة عشر عاماً».
وتذهب van Schewick إلى أنّ هذا الشرط غير قانوني أصلاً، مستندةً إلى أنّ «وكالةً فيدرالية لا تستطيع استخدام بنودٍ بالحرف الصغير في منحةٍ لتجاوز ما كتبه الكونغرس في القانون». تفاصيل حجّتها القانونية منشورةٌ في مدوّنة مركز الفضاء الإلكتروني في Stanford.
تجدر الإشارة إلى أنّ قانون BEAD نفسه يُلزم مزوّدي الخدمة بتقديم خططٍ منخفضة التكلفة للمستخدمين محدودي الدخل — لكنّ قواعد إدارة Trump تمنع الولايات من تحديد الأسعار. الأثر العملي: الالتزام موجودٌ على الورق، والرقابة غائبة على أرض الواقع. وقد ألقت هذه المعادلة بظلالها على المشرّعين مباشرةً؛ إذ تراجعت عضو الجمعية التشريعية Tasha Boerner عن مشروع قانونٍ كانت تعتزم تقديمه لإلزام مزوّدي الخدمة بتقديم خططٍ بـ15 دولاراً شهرياً، وذلك بعد تحذيراتٍ فيدرالية.
الخيار القانوني: قبل التوقيع أم بعده؟
هنا تكمن النقطة الأكثر حساسيةً في هذا الملف. Paul Goodman يُوضح أنّ للولاية خياراً قانونياً، لكنّه مرهونٌ بالتوقيت: «يمكن للمدعي العام لكاليفورنيا الآن رفع دعوى قائلاً: هذه الشروط العامة غير قانونية، ولا يحقّ لكم فرضها. ويمكن رفع الدعوى هنا في كاليفورنيا، ودائرة القضاء التاسعة لديها نظرةٌ إيجابية نسبياً تجاه هذه الحجّة، ما يعني فرصاً جيّدة للنجاح».
لكنّ المشهد يتغيّر جذرياً بعد قبول الأموال: «في دائرة العاصمة (DC Circuit)، الأمر أصعب بكثير، بكثيرٍ جداً. ليس مستحيلاً، لكنّه بالغ الصعوبة».
بمعنى آخر: التوقيع يُغلق الباب الأوسع، ويُبقي فقط الباب الأضيق.
CPUC من جهتها تُميّز بين ما تُصادق عليه وما لا تُصادق عليه. قال المتحدّث باسم الهيئة إنّ «القرار يعتمد الخطة النهائية لكاليفورنيا المعتمدة فحسب، ولا يتناول اتفاقيات المنح الفرعية، ولا الشروط التي تشترط NTIA إدراجها في تلك الاتفاقيات». وهذا التحفّظ اللغوي الدقيق لن يُريح كثيراً من يرى أنّ الشيطان يسكن في تفاصيل تلك الاتفاقيات الفرعية.
كاليفورنيا وإلينوي هما الولايتان الوحيدتان اللتان لم تُنهيا بعد خطط تمويل BEAD. وسبق أن قبلت نيويورك 664.6 مليون دولار من البرنامج، لكنّها تواجه الآن احتمال عجزها عن تطبيق قانون الإنترنت الميسور (Affordable Broadband Act) على المزوّدين المستفيدين من المنح.
يمكن متابعة تقدّم تمويل BEAD عبر لوحة المتابعة الرسمية لـ NTIA.
السؤال المفتوح ليس ما إذا كانت كاليفورنيا ستُصادق على الخطة فكلّ المؤشّرات تقول إنّها ستفعل قبل نهاية سبتمبر 2026. السؤال الحقيقي هو: هل سيتحرّك المدعي العام Rob Bonta برفع دعوى قضائية تطعن في شروط NTIA قبل التوقيع، بينما لا تزال الدائرة التاسعة هي الجهة القضائية المختصّة؟ أم أنّ الولاية ستختار قبض المليار و860 مليون دولار أولاً، وتترك الطعن القانوني لدائرةٍ أقلّ تعاطفاً وأكثر تعقيداً؟ الإجابة ستُحدّد ما إذا كانت قوانين حيادية الإنترنت التي ناضلت كاليفورنيا لسنواتٍ للحفاظ عليها ستصمد أم أنّ 14 عاماً من الحماية ستُطوى في ورقةٍ واحدة موقّعة في نهاية هذا الشهر.
أخبار ذات صلة

الولايات الأمريكية تفرض تدريس أحداث 11 سبتمبر.. لكن المناهج تختلف

السعودية تحذف عبارة "لن يتنازل المسلمون عن القدس أبداً" من مناهجها الدراسية

تأثير صراع إيران المتسلسل على تعليم ملايين الأطفال عالمياً
