زرع قشرة دماغ بشرية في أدمغة الفئران يكشف أسرار العقل
باحثو Stanford زرعوا قشرة دماغ بشرية في أدمغة فئران بلا قشرة أصلية وحققوا نقلة نوعية لدراسة أمراض الدماغ عبر نموذج حي يدمج خلايا بشرية مع وظائف دماغية وسط تحديات النضج والوظيفة. اكتشف المزيد على وورلد برس عربي.

زرع باحثون من جامعة Stanford قشرةً دماغيةً بشريةً داخل أدمغة فئران أُزيلت قشرتها الأصلية جينياً، في تجربة نُشرت عام 2026 في مجلة Nature، وتمثّل نقلةً نوعية في أسلوب دراسة أمراض الدماغ البشري. الفكرة في جوهرها بسيطة وجريئة في آنٍ واحد: بدلاً من دراسة الخلايا العصبية البشرية في أطباق المختبر المعزولة، أو زرعها في دماغٍ يحتفظ بنسيجه الأصلي، أنشأ الفريق بيئةً يسيطر فيها النسيج البشري على القشرة الدماغية بأكملها — وهو ما لم يُجرَّ من قبل على هذا النطاق.
ما الذي جعل هذا الإنجاز ممكناً؟
تُعرَّف العُضيّات (Organoids) بأنّها رقعٌ نسيجية ثلاثية الأبعاد تُصنَع من الخلايا الجذعية، وتحاكي أنواع الخلايا وبنية الأعضاء. وقد استُخدمت عُضيّات الدماغ في السنوات الأخيرة أداةً واعدة لنمذجة الأمراض العصبية، غير أنّ لها حدوداً معروفة: فهي تفتقر إلى الاتصال بالبنى الدماغية المتخصّصة اللازمة للسلوك الطبيعي، ولا تندمج مع الجهاز المناعي أو الدوراني. أمّا زرع خلايا عصبية جذعية بشرية في أدمغة حيوانات سليمة، فيُنتج خلايا بشرية محاطةً بنسيج الحيوان المضيف، مما يُعقّد التفسير.
الحلّ الذي اقترحه فريق Stanford كان أكثر جذريةً: حذف القشرة الدماغية للفأر كلياً قبل الزرع. وقد تحقّق ذلك بالاستهداف الجيني لجينٍ أساسي في فصل الكروموسومات أثناء انقسام الخلايا، ما أدّى إلى منع تكوّن القشرة من الأساس. النتيجة كانت صادمة من الناحية التشريحية: انخفض حجم الدماغ إلى النصف. ومع ذلك، نجا الفئران بفضل رعايةٍ مكثّفة شملت إطالة فترة الرضاعة وتقديم غذاءٍ عالي السعرات. وكما وصف الفريق: "بشكلٍ مدهش، على الرغم من القضاء على معظم الخلايا التي كان يُفترض أن تُشكّل القشرة الناضجة وتقليص حجم الدماغ إلى النصف، أمكن للفئران أن تنجو من ذلك". وأضاف الباحثون: "أتاحت هذه الخطوات نجاةً شبه كاملة للفئران دون أن تمتلك قشرةً دماغية تُذكر".
لضمان عدم رفض الجسم للخلايا البشرية، جرى تثبيط جهاز المناعة لدى الفئران وإيواؤها في مرافق معقّمة.
ما الذي أظهرته الخلايا البشرية فعلياً؟
نجح الزرع في أكثر من 85% من الفئران التي تلقّت العُضيّات البشرية، وأسهمت الخلايا البشرية بـ 92% من خلايا القشرة في هذه الفئران. وهذا رقمٌ لافت: يعني عملياً أنّ القشرة الدماغية في هذه الحيوانات باتت بشريةً في معظمها.
على المستوى الخلوي، أوضح الفريق: "كوّنت الخلايا البشرية أيضاً بعض الاتصالات بعيدة المدى، يدلّ على ذلك رصد امتدادات من الخلايا البشرية حتى مسافةٍ بعيدة كالحبل الشوكي". كما أظهرت الخلايا العصبية نشاطاً متزامناً على شكل ذرواتٍ كهربائية منسّقة، مما يُشير إلى وجود تنسيقٍ وظيفي بين الخلايا.
بيد أنّ ثمّة قيوداً بنيوية واضحة: لم تتشكّل الطبقات القشرية المميّزة التي تُعدّ سمةً أساسية للتنظيم الكبير في القشرة البشرية، مما يعني أنّ النسيج المزروع يفتقر إلى التنظيم المعماري الكامل.
بين الفأر الطبيعي والفأر المُفرَّغ: أين تقع "القشرة البشرية"؟
هنا تكمن الأسئلة الأكثر إثارةً من الناحية العلمية. حين أُخضعت الفئران لاختباراتٍ سلوكية، أبدت مجموعة "القشرة البشرية" نمطاً وسيطاً بين مجموعتَي الفئران الطبيعية والفئران المُفرَّغة من القشرة. فعلى صعيد وزن الجسم، كانت الفئران عديمة القشرة أخفّ وزناً بوضوح من الطبيعية، فيما وقعت مجموعة القشرة البشرية بين الاثنتين.
في اختبار متاهة الذاكرة، أدّت الفئران عديمة القشرة بمستوى الصدفة، في حين أدّت مجموعة القشرة البشرية أفضل من الصدفة لكن دون مستوى الفئران الطبيعية. أمّا في اختبارات الذاكرة الترابطية، فلم تُبدِ مجموعة القشرة البشرية أداءً أفضل من الفئران عديمة القشرة. وفي التنسيق الحركي الدقيق، جاءت النتائج مجدّداً في موضعٍ وسيط.
ولتقييم السلوك العام، أُطلقت الفئران في منطقةٍ مراقَبة بالفيديو، ثم استُخدم مُصنِّف تعلّم آلي لتجميع الأنماط السلوكية المتشابهة. وقد أفضى ذلك إلى نتيجةٍ دالّة: "شكّلت الفئران ذات القشرة البشرية مجموعةً ثالثة مستقلّة، مختلفة عن المجموعتين الأخريين".
لماذا لم تكن النتائج أكثر اكتمالاً؟
يُجيب الفريق بصراحة: "تنضج الخلايا العصبية البشرية بإيقاعٍ أبطأ بكثيرٍ من نظيراتها في الفأر، وقد لا تُكوّن الاتصالات الضرورية بالسرعة الكافية لحيوانٍ لا تتجاوز فترة حمله 21 يوماً". هذا التفاوت في وتيرة النضج بين الخلايا البشرية والفأرية يُفسّر جزءاً من القصور الوظيفي الملاحَظ، ويُشير إلى أنّ النموذج الحالي ليس سقفاً بل نقطة انطلاق.
ومن أبرز ما كشفته التجربة أيضاً أنّ الخلايا البشرية استجابت بشكلٍ مختلف لفترات قصيرة من نقص الأكسجين (hypoxia)، وهو ما وصفه الفريق بقوله: "تستجيب الخلايا البشرية بشكلٍ مختلف لفترات قصيرة من نقص الأكسجين، وهو ما يتّسق مع ما نراه في الخلايا البشرية الطبيعية". هذه النقطة تحديداً تمنح النموذج قيمةً إضافية: فهي تعني أنّ الخلايا البشرية المزروعة تحتفظ بخصائصها البيولوجية الأصيلة داخل البيئة الحيوانية.
ما الذي يعنيه هذا لنمذجة أمراض الدماغ؟
القشرة الدماغية هي المنطقة المسؤولة عن وظائف عصبية بالغة التعقيد كاتخاذ القرار والذاكرة. وكانت النماذج الحيوانية الحالية تعاني دائماً من إشكاليةٍ جوهرية: الخلايا العصبية البشرية تُدرَس إمّا معزولةً في المختبر، وإمّا مُحاطةً بنسيجٍ حيواني يُعقّد تفسير نتائجها. ما أنجزه فريق Stanford هو إنشاء بيئةٍ تهيمن فيها الخلايا البشرية على القشرة بنسبة 92%، مع احتفاظها بخصائصها الفيزيولوجية — كالاستجابة لنقص الأكسجين — وتكوين اتصالاتٍ وظيفية طويلة المدى.
بالنسبة للباحثين المهتمّين بأمراض كالزهايمر والفصام وغيرها من الاضطرابات التي تُصعب نمذجتها في الحيوانات أو المختبرات التقليدية، يُقدّم هذا النموذج سياقاً أقرب إلى الواقع البيولوجي البشري. غير أنّ السؤال المفتوح يبقى: هل يمكن تجاوز إشكالية بطء نضج الخلايا البشرية مقارنةً بالفأر؟ وهل يُمكن تحقيق التنظيم المعماري الطبقي الغائب حتى الآن؟ الإجابة عن هذين السؤالين سيُحدّد إلى أيّ مدى يمكن لهذا النموذج أن يُترجَم إلى فهمٍ حقيقي لأمراض الدماغ البشري — وربّما يوماً ما، إلى علاجات.
أخبار ذات صلة

مخلوقات غريبة شوهدت تركب عناكب البحر العملاقة في منتصف الليل في المحيط

علماء يكتشفون 84 جسماً غامضاً فائق اللمعان في المجرات القريبة

تأثير العواصف الشمسية على السكك الحديدية: اكتشاف تاريخي من عام 1848
