الشمس تعيد كتابة تاريخ تأثيرها على التكنولوجيا
اكتشف كيف صحح الباحثون قصة قديمة عن تأثير العواصف الشمسية على قطارات بريطانيا وأعادوا ترتيب تاريخ الطقس الفضائي مشيرين إلى هشاشة تقنياتنا الحديثة أمام تقلبات الشمس في عصر الاتصالات الذكية وورلد برس عربي

منذ أن أمسك الإنسانُ بزمام الكهرباء وسخّرها لتقليص المسافات وتسريع التواصل، كانت الشمسُ تراقبه — وتتدخّل بين الحين والآخر. حادثةٌ واحدة في مدينة Exeter البريطانية، طالما استُشهد بها في تاريخ الطقس الفضائي، تبيّن أنّها كانت تحمل تاريخاً خاطئاً طوال عقود. والتصحيح، على بساطته الظاهرة، يُعيد رسم خطٍّ زمني دقيق لأولى صدمات البنية التحتية التكنولوجية أمام عواصف الشمس.
قصة التأخير الذي لم يحدث في عام 1841
الرواية المتداولة كانت تقول إنّ عاصفةً شمسية أوجدت اضطراباً في شبكة التلغراف الكهربائي، أدّى إلى تأخير قطار في Exeter في الساعة 10:05 مساءً من 18 أكتوبر 1841. غير أنّ باحثين في الطقس الفضائي اكتشفوا خللاً جوهرياً في هذه الرواية: خط السكة الحديدية في Exeter لم يُفتتح أصلاً إلا في عام 1846، ما يجعل حدوث أي تأخير للقطارات فيها قبل ذلك أمراً مستحيلاً من الناحية المنطقية. والتاريخ الصحيح للحادثة، بعد مراجعة السجلات المحفوظة، هو 18 أكتوبر 1848.
يصف Mike Hapgood، خبير الطقس الفضائي في RAL Space التابع للمختبر الوطني الفضائي البريطاني في Oxfordshire، طبيعة هذا البحث بقوله: "بحثنا ينطوي على شيءٍ من قصص التحقيق — إذ جمعنا طيفاً واسعاً من السجلات المحفوظة لفهم حدثٍ تاريخي حادٍّ في الطقس الفضائي على نحوٍ أفضل".
ما الذي يغيّره هذا التصحيح؟
تصحيح التاريخ لا يُلغي أهمية الحادثة، لكنّه يُعيد ترتيب الأولويات التاريخية. فالاضطراب الأول الموثّق لعاصفةٍ شمسية على شبكة السكك الحديدية البريطانية يعود إلى مارس 1847، حين تأثّرت شبكة Midland railway. أما حادثة Exeter في أكتوبر 1848، فتأتي في المرتبة التالية، وإن ظلّت من أوائل الأمثلة الموثّقة على تأثير النشاط الشمسي في البنية التحتية الحيوية.
يُوضح Jim Wild، أستاذ فيزياء الفضاء في Lancaster University ورئيس الجمعية الفلكية الملكية، أنّ "تأخير قطار Exeter قصةٌ رائعة لأنّها تقع عند النقطة التي بدأت فيها التقنيات الناشئة لأول مرة تواجه حقائق البيئة الفضائية". ويُضيف: "وإن كان هذا يعني أنّها ليست أقدم تأثير موثّق للطقس الفضائي، فإنّها تبقى واحدةً من أولى الأمثلة الواضحة على تعطيل النشاط الشمسي للبنية التحتية الحيوية".
آلية التأثير: كيف تُشوّش الشمس على الأسلاك؟
العواصف الشمسية تُحدث اضطرابات مغناطيسية أرضية تُغرق شبكات التلغراف الكهربائي بتيارات زائدة، فتُعطّل عملها أو تُوقفها كلياً. وقد كان مشغّلو التلغراف في القرن التاسع عشر يعرفون هذه الظاهرة ويُدركون ارتباطها بالشفق القطبي، وإن لم تكن آلياتها الفيزيائية مفهومةً بالكامل آنذاك.
أشدّ هذه العواصف توثيقاً هو ما بات يُعرف بـ"حدث Carrington" عام 1859، الذي يُصنَّف أعنف عاصفة شمسية مسجّلة في التاريخ الحديث؛ إذ أشعل أعمدة التلغراف شرراً وأوجد اضطرابات في مصادر الطاقة الكهربائية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ويُلخّص Wild هذا الواقع بعبارة تستحق التأمل: "عاشت المجتمعات البشرية تأثيرات الطقس الفضائي على التكنولوجيا منذ ما يكاد يُساوي عمر التقنيات الكهربائية ذاتها".
الحاضر أكثر هشاشةً من الماضي
ما يمنح هذا البحث التاريخي راهنيّةً حقيقية هو السياق الذي نعيشه اليوم. بلغت الدورة الشمسية الخامسة والعشرون (Solar Cycle 25) ذروتَها في أكتوبر 2024، وقد شهدنا في مايو 2024 عواصف مغناطيسية أرضية شديدة. والمتوقَّع أن يصل الهدوء الشمسي (Solar Minimum) إلى مستوياته الدنيا قرب عام 2030.
لكنّ المفارقة التي يُنبّه إليها Hapgood صارخة: "في حين أنّ قدرات رصد الطقس الفضائي اليوم أكثر تقدّماً بكثيرٍ مما كان متاحاً في القرن التاسع عشر، فإنّ التقنيات الحديثة التي نعتمد عليها أكثر عُرضةً للعواصف الشمسية". الشبكات الكهربائية الذكية، وأنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية، والاتصالات الرقمية، وحتى شبكات الإنترنت — كلّها تمثّل نقاط ضعف لم تكن موجودة حين كانت أسوأ مشكلة ممكنة هي تأخير قطار في Exeter.
يبقى السؤال المفتوح: هل أنظمتنا الحيوية اليوم مُحصَّنة بما يكفي لمواجهة حدثٍ بحجم Carrington لو تكرّر؟ التاريخ يقول إنّ الشمس لا تستأذن قبل أن تتدخّل.
أخبار ذات صلة

مخلوقات غريبة شوهدت تركب عناكب البحر العملاقة في منتصف الليل في المحيط

علماء يكتشفون 84 جسماً غامضاً فائق اللمعان في المجرات القريبة

خلايا دماغية بشرية تحلّ محلّ قشرة الفأر في تجربة علمية
