الصراع العسكري الجديد يشتعل في الفضاء القمري
الفضاء القمري يتحول لساحة تنافس عسكري استراتيجي بين الولايات المتحدة والصين مع تطوير أسلحة فضائية وتحقيق تفوق في السيطرة على موارد القمر. تعرف على تفاصيل التحول الكبير في مفهوم الحروب الفضائية عبر وورلد برس عربي.

لم يعد الفضاء الخارجي مجرد بيئةٍ تدعم العمليات العسكرية على الأرض؛ بات ساحةً للمعركة بحدّ ذاتها. هذه الرسالة كانت في صميم ما أعلنه الجنرال Dan Caine، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية، أمام مؤتمر القوات الجوية والفضائية والإلكترونية الذي نظّمته Air & Space Forces Association في National Harbor بولاية Maryland، يوم 16 سبتمبر 2024. الرسالة مباشرة: الجيش الأمريكي يُعدّ نفسه للقتال في بيئاتٍ متنازَع عليها تمتد من قاع المحيطات إلى الفضاء القمري (Cislunar Space)، ذلك النطاق الاستراتيجي الممتد من الأرض حتى مدار القمر وسطحه.
ما هو الفضاء القمري ولماذا بات ساحةَ تنافس؟
الفضاء القمري ليس مفهوماً نظرياً في الخطاب العسكري الأمريكي اليوم، بل إطارٌ تشغيلي يجري التخطيط له بجدّية. قال Caine في خطابه: "ساحة المعركة الحديثة اليوم تمتد من قاع البحار إلى الفضاء القمري"، مضيفاً أن "النزاعات المستقبلية ستفرض علينا العمل دون افتراضات الوصول غير المتنازع عليه، أو تأمين مناطق نادرة، أو الإمداد غير المنقطع وغير المطعون فيه".
ما يجعل هذا النطاق بالغ الأهمية هو القمر نفسه، تحديداً قطبه الجنوبي الذي تُشير الأدلة العلمية إلى احتوائه على كمياتٍ ضخمة من الجليد المائي. كلٌّ من الولايات المتحدة والصين تخطّطان لإنشاء قواعد في هذه المنطقة، ما يجعل السيطرة على الفضاء القمري مسألةً تتجاوز الاستكشاف العلمي لتصبح قضيةً استراتيجية تتعلق بالموارد والنفوذ وتحديد قواعد السلوك حول القمر وعليه.
والصين ليست غائبةً عن هذا الميدان؛ فقد حقّقت مهمة Chang'e 4 أول هبوطٍ ناعم في التاريخ على الجانب البعيد من القمر عام 2019، ثم أعادت مهمة Chang'e 6 عينات من ذلك الجانب إلى الأرض في 2024 إنجازٌ لم يسبق له مثيل. هذا التقدّم التقني المتسارع هو الخلفية التي تُقرأ في ضوئها تصريحات القيادة العسكرية الأمريكية.
أسلحة في المدار إعلانٌ غير مسبوق
على المنصة ذاتها، لكن قبل يومٍ واحد، في 15 سبتمبر 2024، تحدّث الجنرال Douglas Schiess، قائد U.S. Space Force، بصراحةٍ لافتة عمّا تمتلكه قوّته من قدرات: "دعوني أكون واضحاً تماماً: اليوم، يُشغّل حرّاسنا أسلحةً في المدار قادرة على الدفاع عن القوة المشتركة ضدّ الهجمات التي يُمكَّن لها من الفضاء".
هذا الإعلان يكشف عن طبيعة الأسلحة التي تعتمدها Space Force في مداراتها؛ وتشير المعطيات إلى أنها على الأرجح أسلحةٌ كهرومغناطيسية مصمَّمة لتعطيل الأقمار الاصطناعية المعادية دون توليد حطامٍ فضائي وهو اعتبارٌ تشغيلي وقانوني بالغ الأهمية في بيئةٍ مشتركة كالمدار الأرضي.
في المقابل، وثّقت المعطيات الاستخباراتية والعلنية أن كلاً من الصين وروسيا دمّرتا أقماراً اصطناعية معطوبةً بصواريخ باليستية، فضلاً عن توظيف مركباتٍ فضائية من نوع "المفتّش" (Inspector Spacecraft) تُجري اقتراباتٍ وثيقة من الأقمار الاصطناعية لأغراضٍ لا تزال موضع تساؤل.
"التكيّف الآن" ليس خياراً بل ضرورة
أمام هذه المعطيات، صاغ Caine مهمّة الجيش الأمريكي بعبارةٍ تجمع بين الإلحاح والوضوح: "مهمّتنا، أيّها الأصدقاء، هي التكيّف الآن، حتى تكون القوة المشتركة مستعدّةً للقتال والصمود والانتصار في بيئاتٍ متنازَع عليها عالمياً، من قاع البحار إلى الفضاء القمري". وأضاف: "يجب أن نواصل ضمان قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على الضرب في أي مكانٍ على الكرة الأرضية في الوقت والمكان اللذَين نختارهما، وإدامة تلك القوة".
أما على صعيد Space Force تحديداً، فقد حدّد Caine توقّعاته بجلاء: "يجب على U.S. Space Force أن توفّر تفوّقاً فضائياً لا مثيل له، وأن تُديم الشبكات المرتبطة به، والوعي بالميدان، وتفوّق البيانات الذي تحتاجه القوة المشتركة للانتصار في الفضاء، الآن وفي المستقبل".
الرهان الحقيقي: من يرسم قواعد الفضاء القمري؟
ما يتجاوز الخطاب العسكري في هذه التصريحات هو السؤال المُضمَر: من سيحدد الأعراف والقواعد التي ستحكم النشاط البشري حول القمر وعليه؟ السيطرة على الفضاء القمري لا تعني فقط امتلاك قدرةٍ عسكرية، بل تعني أيضاً القدرة على فرض معايير الوصول إلى موارد القمر وتحديد من يحقّ له الوجود في هذا النطاق الاستراتيجي. مع تسارع برامج الاستكشاف الصينية وتصاعد الاستثمار الأمريكي في Space Force، يبدو أن الإطار القانوني الدولي الناظم لهذا الفضاء والذي لا يزال هشّاً وغير مكتمل سيواجه اختباراتٍ جدّية في السنوات القادمة، قبل أن تصل أيٌّ من القواعد المخطَّطة إلى سطح القمر.
أخبار ذات صلة

السيارات الأمريكية قد تُلزَم بتضمين راديو FM مجاناً

الصين ترد على اتهامات واشنطن بـ "تحريف" الذكاء الاصطناعي قبل محادثات ترامب وشي

البيت الأبيض يُثير فوضى في ملفّ التعاون الفضائي الدولي
