إسبانيا وكولومبيا بين حظر الأسلحة وواقع التواطؤ
إسبانيا تعلن حظر تصدير الأسلحة لإسرائيل لكنها تترك ثغرات قانونية تسمح باستمرار التعاملات العسكرية عبر شركات داخل الاتحاد الأوروبي. هل الحظر مجرد خطاب رمزي أم خطوة فعلية؟ تعرف على التفاصيل في وورلد برس عربي.

إسبانيا وكولومبيا في مواجهة إسرائيل: بين الحظر المُعلَن والثغرات المفتوحة
في 23 سبتمبر 2025، وقّع رئيس الوزراء الإسباني Pedro Sanchez مرسوماً بقانون يفرض حظراً على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل وحظر الواردات من الأراضي الفلسطينية المحتلة. كان الإعلان لافتاً في سياقٍ غربي يتّسم في معظمه بالصمت أو التحفّظ إزاء الحرب على غزة. لكنّ الإشارة الأضعف تلك التي لا تظهر في العناوين هي ما تكشفه التقارير عن الهوّة بين النصّ القانوني والتطبيق الفعلي.
إسبانيا: أعلى الأصوات الغربية، لكن...
تبرز إسبانيا بوصفها من أكثر الدول الغربية صراحةً في انتقاد إسرائيل؛ فهي الدولة الأوروبية الوحيدة التي سحبت رسمياً سفيرها من تل أبيب، وأعلنت في أكتوبر 2023 وقف صفقات الأسلحة معها، فضلاً عن دفع Sanchez باتجاه تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
غير أنّ تقريراً صادراً عن مركز Delas لدراسات السلام في برشلونة يكشف أنّ الواردات العسكرية من إسرائيل لم تتوقّف بعد أكتوبر 2023، بل بلغت 36.7 مليون يورو (ما يعادل 41.9 مليون دولار) بحلول فبراير 2025، وفق رموز التعريفة الجمركية المتعلّقة بالأسلحة والذخائر والمركبات المدرّعة. وذهب التقرير إلى أنّ «إسبانيا لم تستورد قطّ أكثر ممّا استوردته بعد 7 أكتوبر 2023».
بعد صدور المرسوم بقانون رقم 10/2025 في 8 أكتوبر 2025، أصبح الإطار القانوني مختلفاً من حيث الشكل؛ إذ نصّ على أنّ «الحكومة ترى أنّه من الضروري والعاجل اتّخاذ تدابير استثنائية لحظر نقل المواد الدفاعية والمزدوجة الاستخدام التي تستخدمها إسرائيل ضدّ المدنيين». وقد رحّب Alejandro Pozo، الباحث في مركز Delas، بالخطوة بوصفها سابقةً تثبت أنّ «حظر الأسلحة على إسرائيل خيارٌ قابل للتطبيق متى توافرت الإرادة السياسية».
لكنّ المشكلة تكمن في التفاصيل.
الثغرات القانونية: عندما يصبح الاستثناء قاعدة
أوضحت Eirene de Prada، أستاذة القانون الدولي وعضو منظمة Juristas por Palestina (محامون من أجل فلسطين)، أنّ المرسوم انتقل بالمسألة من مجرّد «امتناع عن منح تراخيص جديدة» إلى «قاعدة قانونية عامة بالحظر». ومع ذلك، قالت بصراحة: «بعبارةٍ أخرى، انتهجت الحكومة خطاباً مزدوجاً. على المستوى الرمزي والخطابي، تُرسَل رسالةٌ قوية بشأن حظر الأسلحة، لكنّها في الممارسة استغلّت ثغرات المرسوم لمواصلة التعامل مع إسرائيل.»
ما الذي تكشفه البيانات؟ بعد ثلاثة أشهر فقط من صدور القانون، وثّق تقرير حديث لمركز Delas أنّ «الحكومة أجازت نقل مواد دفاعية ومزدوجة الاستخدام تتعلّق بأربعة مشاريع جوّية تقودها Airbus، مستندةً إلى الإمكانات الصناعية والتصديرية الكبيرة لهذه المشاريع». وشمل ذلك نظام حماية مضادّ للصواريخ تُنتجه Elbit Systems، وهي شركة أسلحة إسرائيلية مدرجة في تقارير المقرّر الخاص للأمم المتحدة بوصفها متورّطة في جرائم الإبادة في غزة.
يُضاف إلى ذلك بُعدٌ هيكلي أعمق: تستطيع إسبانيا قانونياً استيراد وتصدير المعدّات الدفاعية عبر دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وشراء معدّات من شركات إسرائيلية مقيمة داخل الاتحاد. وبما أنّ هذه العمليات تُصنَّف قانونياً على أنّها «عمليات اقتساب وبيع» لا صادرات أو واردات مباشرة، فإنّ الحظر لا يسري عليها. يشرح Pozo: «تُنتَج هذه المعدّات في إسبانيا من قِبَل شركات إسرائيلية، أو شركاتٍ إسبانية تابعة لإسرائيلية، أو شركاتٍ إسبانية تعمل بتراخيص من مصنّعين إسرائيليين.»
ويخلص إلى نتيجةٍ جوهرية: «ما تحتاجه إسرائيل من إسبانيا ليس الأسلحة بالمعنى المباشر، بل الأسواق التي تُخفّض تكلفة الاقتناء المحلي وتجعل الاحتلال العسكري قابلاً للاستمرار.» ويرى أنّ العقوبات ينبغي أن تكون «أقرب إلى تلك التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا، بحيث تستهدف المصالح الإسرائيلية بصورة شاملة»، في إشارةٍ إلى منظومة العقوبات الأوروبية على موسكو.
«اقتصاد الإبادة» وتناقضات الجنوب العالمي
ما قد لا يظهر في العنوان هو أنّ إسبانيا ليست الحالة الوحيدة التي تجمع بين الخطاب الانتقادي والتورّط الاقتصادي فيما أسمته المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة Francesca Albanese «اقتصاد الإبادة».
منذ أن دخل الحظر الكولومبي على صادرات الفحم إلى إسرائيل حيّز التنفيذ في أغسطس 2025، أصبحت جنوب أفريقيا التي رفعت دعوى ضدّ إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية وتُعدّ من المؤسّسين لمجموعة لاهاي المورّد الرئيسي للفحم الإسرائيلي. وقد برّر وزير التجارة الجنوب أفريقي Parks Tau هذا الموقف بأنّ فرض عقوبات أحادية الجانب على إسرائيل دون قرار أممي متعدّد الأطراف «سيُخالف مبدأ عدم التمييز في منظمة التجارة العالمية (WTO) ويُعرّض البلاد للطعن القانوني».
ردّ على ذلك البروفيسور Patrick Bond، مدير مركز التغيير الاجتماعي في جامعة جوهانسبرغ، بالإشارة إلى قرار محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024، الذي أيّده الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يُلزم صراحةً جميع الدول بإنهاء تواطئها في دعم الاحتلال غير المشروع لفلسطين. وقال : «هذه إشارةٌ أممية رسمية وقوية تُجيز التمييز ضدّ إسرائيل، بل تُوجبه.» وأضاف أنّ الحكومة الجنوب أفريقية تملك الصلاحية القانونية لإنهاء هذا التواطؤ عبر تصنيف الفحم ضمن خانة «الصادرات الخطرة» دون الحاجة إلى تشريعاتٍ جديدة: «يمكن وقف الفحم فوراً».
كولومبيا: الإرادة السياسية في مواجهة الترابط العملياتي
في كولومبيا، يكشف المسار عن نمطٍ مشابه: الإرادة السياسية المُعلَنة تصطدم بالترابط العملياتي العميق. فرغم إعلان الرئيس Gustavo Petro في فبراير 2024 وقف شراء الأسلحة الإسرائيلية وتقليص التعاون العسكري، أكّد وزير الدفاع Ivan Velasquez أمام الكونغرس أنّ العقود القائمة بما فيها صيانة طائرات Kfir الإسرائيلية المقاتلة ستُنفَّذ كاملةً. كما تواصل القوات المسلّحة الكولومبية الاعتماد على بندقية Galil الإسرائيلية الصنع، التي استُخدمت تاريخياً في فلسطين ولبنان، و وُظِّفت على نطاقٍ واسع في قمع المتمرّدين خلال الحرب الأهلية الكولومبية.
في نوفمبر 2025، خطت كولومبيا خطوةً هيكلية للخروج من هذا الترابط، إذ أبرمت عقداً بقيمة 3.1 مليار يورو مع شركة Saab السويدية للحصول على 17 طائرة Gripen E/F، على أن تُسلَّم بين عامَي 2026 و2032، لتحلّ محلّ طائرات Kfir الإسرائيلية. وفي مايو 2026، كشف Petro عن بندقية محلية الصنع لاستبدال Galil تدريجياً، وإن كانت هذه العملية ستستغرق نحو خمس سنوات.
هشاشة السياسة أمام التحوّلات السياسية
الإشارة الأكثر أهمية على المدى المتوسط تتعلّق بمتانة هذه السياسات في مواجهة التحوّلات السياسية المحتملة.
في كولومبيا، أعلن الرئيس المنتخب Abelardo de la Espriella عزمه تعزيز التعاون مع الصناعات الدفاعية الإسرائيلية فور توليه السلطة في أغسطس 2026. كما أنّ التزامه بتوسيع التعدين الاستخراجي يُهدّد استدامة حظر صادرات الفحم الذي أصدره Petro بمرسومٍ رئاسي دون تثبيته تشريعياً.
في إسبانيا، يتمتّع المرسوم بقانون بمكانةٍ قانونية أرسخ نسبياً، كما تُوضح De Prada، غير أنّ ذلك لا يُحصّنه من التغيير. فإذا تشكّلت حكومةٌ يقودها Partido Popular (حزب الشعب) أو Vox في 2027 وكلاهما صوّت ضدّ المرسوم في أكتوبر 2025، فيما اتّهم Vox الحكومة باستخدام الملفّ «ستاراً لإخفاء الفساد» فإنّ Pozo يؤكّد أنّها «قادرة على إلغاء الحظر بسهولة، ليس بالضرورة لأنّها تحتاج الأسلحة الإسرائيلية، بل على الأرجح كفعلٍ سياسي رمزي».
وتُضيف De Prada احتمالاً آخر: «يمكن للحكومة أن تُضعف القانون عملياً من خلال تفسيرٍ موسّع لبند المصالح الوطنية العامة، أو عبر الإذن بالاستثناءات بصورة متكرّرة، أو من خلال تطبيقٍ إداري أقلّ صرامة.»
ثلاثة سيناريوهات للمسار المقبل
استناداً إلى ما تقوله البيانات الراهنة، يمكن رسم ثلاثة مسارات:
الأرجح: استمرار الوضع الراهن حظرٌ رمزي مع ثغرات عملية تُبقي التدفّقات الاقتصادية مع إسرائيل قائمة، في ظلّ غياب الإرادة الدولية لتبنّي منظومة عقوبات متعدّدة الأطراف.
المحتمل: تآكل تدريجي للسياسات القائمة مع وصول حكوماتٍ يمينية في إسبانيا عام 2027 وكولومبيا في أغسطس 2026، مع إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل تحت مسمّيات «الأمن القومي» أو «مكافحة الجريمة المنظّمة».
الأقلّ احتمالاً: تحوّلٌ هيكلي نحو منظومة «عدم التعاون وعدم المساعدة وعدم الاعتراف» التي تُطالب بها De Prada، مدعومةً بآلياتٍ برلمانية وشفافية إدارية فعلية وهو ما يستلزم إرادةً سياسية متواصلة عبر دوراتٍ انتخابية متعاقبة.
الفجوة بين الإيماءات الرمزية والأفعال الملموسة واسعةٌ، وهي ليست مجرّد مسألة نوايا. إنّها في جوهرها مسألة هندسةٍ قانونية وترابطٍ اقتصادي وتصميمٍ مؤسّسي. وكما تقول De Prada: «إذا كانت ثمّة إرادةٌ سياسية حقيقية للحفاظ على سياسة عزلٍ طويلة الأمد، فلا بدّ من اعتماد تدابير أكثر رسوخاً.» حتى ذلك الحين، تبقى المسافة بين الخطاب والفعل بين الرمز والسياسة هي المتغيّر الأكثر إخباراً عن طبيعة ما يجري فعلاً.
أخبار ذات صلة

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

الأسلحة والإبادة في غزة: محركات الاحتجاجات المناهضة لحلف الناتو في تركيا
