وورلد برس عربي logo

احتجاجات واعتقالات في تركيا ضد قمة حلف الناتو

تحت ضغوط أمنية واحتجاجات متصاعدة، تستضيف أنقرة قمة Nato وسط انتقادات يسارية حادة واعتقالات واسعة. حزب العمال التركي ينظم قمة مضادة لعرض بديل ضد الحروب والاستخلاص الاقتصادي في قلب الحلف. وورلد برس عربي

متظاهرون في تركيا يحملون لافتات تنتقد ترامب ونتنياهو وحلف الناتو خلال احتجاجات ضد قمة الناتو 2026 في أنقرة.
يحمل المتظاهرون لافتات تحمل صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو خلال مظاهرة مناهضة لحلف الناتو في إسطنبول، قبيل قمة الناتو في أنقرة، 27 يونيو 2026 (ياسين أكغول/وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

حين هبطت طائرة الرئيس الأمريكي Donald Trump في أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي (Nato) لعام 2026، كانت عضوية تركيا في الحلف العسكري لا تزال تُشعل جمراً لا يخبو في الداخل التركي.

ليست المعارضة لعضوية Nato جديدةً على اليسار التركي، غير أن الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة، إلى جانب حملة القمع الواسعة وحظر التظاهر اللذين رافقا القمة، أشعلا مزيداً من الغضب حيال استضافة أنقرة لهذا الاجتماع.

تجمّع عددٌ من الشخصيات الدولية، في مقدّمتهم اشتراكيون ومناهضون للحرب، في إسطنبول يوم السبت لعقد قمة مضادة ترفض Nato. وقد شهدت شوارع البلاد احتجاجاتٍ متكرّرة، حتى بعد أن فرضت محافظة أنقرة حظراً على التظاهر يوم الأحد، مقرَّراً أن يمتدّ طوال مدة المؤتمر.

نظّم حزب العمال التركي (TIP)، وهو تكتّل يساري يمتلك 3 مقاعد في البرلمان التركي، ما أسماه «قمة إسطنبول للسلام المناهضة للإمبريالية»، بهدف تقديم رؤية بديلة للتصوّر السائد في أوروبا بأن Nato هو خطّ الدفاع الأول عن القارة.

يقرأ كتيّب المؤتمر الذي حمل عنوان «لا لـ Nato»: «يُمثّل قمة أنقرة 2026 عتبةَ مرحلةٍ يغدو فيها كادحو الدول الأعضاء في Nato أكثر هشاشةً أمام الاستغلال والحرب، على الرغم من الزيادة القسرية في الإنفاق الدفاعي»، في إشارةٍ إلى الالتزام الجديد الذي أقرّه جميع أعضاء الحلف برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً بحلول عام 2035.

«إنه يمثّل تحويل ثروة العمال إلى الحروب التي تُشعلها الولايات المتحدة وإسرائيل في أرجاء العالم، وإلى احتكارات صناعة الأسلحة التي تُمدّها بالسلاح.»

وأفاد متحدّث باسم TIP بأن عدداً ممّن كانوا يعتزمون حضور المؤتمر مُنعوا من دخول البلاد.

الاعتقالات

لحظة وصولهم إلى إسطنبول، احتُجز مندوبون من مكتب السلام الدولي (International Peace Bureau) وأعضاء من الجناح الشبابي لحزب Die Linke الألماني وآخرون في المطار، وصُودرت هواتفهم، وأُبقوا رهن الاحتجاز ليلةً كاملة قبل ترحيلهم.

قال المتحدّث، الذي آثر عدم الكشف عن هويّته: «هؤلاء ناشطون وممثّلون سياسيون جاؤوا لحضور اجتماعٍ سياسي علني وقانوني. معاملتهم تُثبت بالضبط ما كنّا نقوله: البنية الأمنية المُقامة حول قمم Nato موجَّهة ليس ضدّ أيّ تهديدٍ خارجي، بل ضدّ من يعارضون الحرب.»

وأُوقف ما لا يقلّ عن 225 شخصاً قبيل انعقاد قمة Nato، من بينهم مشتبهٌ بانتمائهم إلى حزب جبهة التحرير الشعبي الثوري (DHKP/C)، وهو تنظيم يساري مسلّح، فضلاً عن عناصر يُشتبه في ارتباطهم بتنظيم الدولة الإسلامية.

وشمل الموقوفون أيضاً الأكاديمية Emel Memis، والناشطة والصحفية Yildiz Tar، وممثّل مؤسسة Tema البيئية غير الحكومية Nevzat Ozer، والمتحدّثة باسم نقابة العمال المستقلة Umut-Sen، Burcu Arikan، والمحاميين Semra Demir وKursat Bafra من رابطة المحامين التقدّميين.

وأضاف المتحدّث باسم TIP أن 17 عضواً آخرين من الحزب اعتُقلوا خلال فترة انعقاد القمة.

«الاستخلاص الاقتصادي»

علاقة تركيا بـ Nato علاقةٌ مركّبة لا تقبل الاختزال. انضمّت البلاد إلى الحلف عام 1952، في ما يُشبه المقايضة مقابل إرسال جنودها للقتال في الحرب الكورية، وجعلها قربُها من الاتحاد السوفيتي ركيزةً استراتيجية لا غنى عنها للحلف الغربي بقيادة واشنطن.

أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي كادت تُشعل مواجهةً نووية مفتوحة، كانت مدفوعةً جزئياً بوجود أسلحة نووية أمريكية على الأراضي التركية موجَّهةً نحو الاتحاد السوفيتي، وكان سحبُها جزءاً من اتفاقٍ سري أفضى إلى تفادي حربٍ كانت ستُهدّد العالم.

وأدّت قاعدتا إنجيرليك وقونيا الجويتان دوراً محورياً في عددٍ من النزاعات، ولا سيما في الشرق الأوسط، فيما تحتفظ تركيا بثاني أكبر جيشٍ في الحلف بعد الولايات المتحدة.

بالنسبة للحكومات التركية المتعاقبة، كان Nato ضامناً للحماية من تهديدات الاتحاد السوفيتي والجماعات الانفصالية المسلّحة والحكومات المعادية في الشرق الأوسط. أما في نظر اليساريين ومناضلي الديمقراطية، فقد امتدّ دور الحلف ليشمل تدريب فرق الموت اليمينية المتطرفة، وإنشاء مجموعات Counter-Guerilla السرية، ودعم مؤسسةٍ عسكرية حرصت دائماً على تضييق هامش الحياة الديمقراطية.

وقال Khem Rogaly، الباحث الأول في مركز أبحاث Common Wealth، إنه على الرغم من كل ما يتبجّح به Nato من دفاعٍ عن أوروبا، فإنه يعمل في جوهره بوصفه آليةً للـ«الاستخلاص الاقتصادي» (economic extraction) تُحوّل الأموال من الحكومات الأوروبية إلى المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي.

و أوضح : «الأهداف السياسية للإنفاق العسكري وسيلةٌ لإعادة هيكلة الاقتصادات حول الصناعات الحربية. وهذا قد يُخلّف أضراراً اقتصادية بالغة، إذ يُفضي الإنفاق العسكري إلى نموٍّ أقلّ ويُوفّر وظائف أدنى مقارنةً بأشكال الاستثمار العام الأخرى.»

وأضاف: «بإجبار أعضاء Nato على رفع الإنفاق العسكري بصورةٍ هائلة، يعني الهدف الجديد تجفيف موارد الأولويات العامة الأخرى ذات الفوائد الاقتصادية الأوسع بكثير.»

«دموع التماسيح»

أشعل دور Nato في الإبادة الجماعية الجارية في غزة مزيداً من الاحتقان المناهض للحلف، وردم أحياناً الهوّة بين التيارين اليساري والإسلامي اللذين طالما تناقضا في تركيا.

قال المتحدّث باسم TIP: «لم تُفعَّل آليةٌ واحدة من آليات Nato لكبح إسرائيل، بل على العكس تماماً، فإن أكثر البنود نقاشاً على جدول أعمال قمة أنقرة هو الاندماج الأعمق لأمن إسرائيل في استراتيجيات Nato.»

و وصف انتقادات الحكومة التركية المتكرّرة لإسرائيل بأنها «دموع تماسيح»، في ظلّ استمرار التبادل التجاري بين البلدين، مشيراً إلى أن الخلافات التي أُضيء عليها إعلامياً بين تركيا وحلفائها في Nato خلال السنوات الأخيرة لا تعدو كونها مسرحيةً سياسية.

وأضاف: «سياسياً، تمنح عضوية Nato الحكومةَ أوراقَ ضغطٍ تفاوضية مع واشنطن ومقعداً على طاولة الإمبريالية. واقتصادياً، صناعة الأسلحة التركية المتنامية مُدمَجة في سلاسل إمداد الحلف، والميزانيات العسكرية المتصاعدة تعني أرباحاً متصاعدة للشركات الأقرب إلى النظام. الخطاب المناهض للغرب أحياناً مخصَّصٌ للاستهلاك الداخلي، فيما تعمل أعمق أجهزة الإمبريالية بانسيابٍ على الأراضي التركية.»

في الأسبوع الماضي، تم التواصل مع Nato للتعليق على رفض منح اعتماد لصحفيين سعوا إلى تغطية المؤتمر، من بينهم مراسلون من منافذ تركية كـ Cumhuriyet وSozcu وAnka وT24 وMedyascope، فأحال الحلفُ الاستفسارَ إلى منشورٍ على X لمتحدّثٍ باسمه أكّد فيه أن تحديد الاعتمادات يعود إلى «الدولة المضيفة».

«حليفٌ استثنائي»

سمةٌ متكرّرة في قمم Nato الأخيرة هي القلق من احتمال أن يكون Trump قد فقد حماسه للحلف. وعلى الرغم من أن ولايته لن تنتهي إلا بعد نحو ثلاث سنوات، وأن استطلاعات الرأي تُشير إلى احتمال عودة الديمقراطيين بعدها، فإن انتقاداته المتكرّرة لـ Nato ضغطت على الأعضاء لإرضائه. في الوقت ذاته، يسود قلقٌ مماثل من استعداد تركيا للتعامل مع دولٍ تُعدّ خصوماً لـ Nato، كإيران وروسيا، فيما بات عددٌ من أعضاء الحلف وحلفائه كإسرائيل يتساءلون بصوتٍ أعلى عن موقع أنقرة داخله.

هذا كلّه جعل إدارة مشهد القمة مهمّةً بالغة الحساسية لمنظّميها.

رأى Selim Koru، مؤسّس نشرة Kulturkampf على Substack، أن اعتقال المحتجّين وحظر التظاهر هما خطوةٌ من حكومةٍ «موجَّهة بالجيوسياسة بشكلٍ استثنائي» حريصةٌ على ألّا «يُحرجها» شعبها أمام العالم.

وقال : «تركيا هي الدولة الوحيدة في Nato التي تُناقَش قيمتُها باستمرار، وهذا يعود جزئياً لا يُستهان به إلى الخطاب المتعجرف لمسؤولينا أنفسهم. كما أن تركيا تأرجحت بشدّة خلال العقد الماضي بين مراجعةٍ صارخة للنظام (2013-2023) ودبلوماسيةٍ موالية بقوة لـ Nato وواشنطن، ويبدو أن الحلفاء اكتشفوا أن الطبقة الحاكمة التركية تستجيب جيداً للإطراء، فيحرصون على توزيعه بسخاء.»

ويبدو حتى الآن أن هذا النهج أثمر.

أعلن Trump يوم الثلاثاء أنه يدرس التراجع عن حظر بيع مقاتلات F-35 لتركيا، ذلك الحظر الذي فرضه هو نفسه إبّان ولايته الأولى، ويعتزم رفع مزيدٍ من العقوبات. ووصف تركيا بأنها حليفٌ «استثنائي»، في لهجةٍ أكثر دفئاً بكثير مما أبداه تجاه عددٍ من حلفاء Nato الآخرين، كإسبانيا التي هدّدها بـ«قطع التبادل التجاري» معها.

وختم المتحدّث باسم TIP بأن التصوّر الشائع في أوروبا وتركيا عن Nato باعتباره حارساً للقيم الغربية لم يكن يوماً سوى أسطورة، وأن الحلف يُؤجّج كارثةً اقتصادية قادمة.

«اليوم، يعني هدف الإنفاق بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي المتّفق عليه في قمة 2025 أن كلّ قرشٍ يُقطع من الرعاية الصحية والتعليم والإسكان في أوروبا يُحوَّل إلى صناعة الأسلحة. التسليح لا يجعل شعوب أوروبا أكثر أمناً؛ بل يُذكي التصعيد، ويُغذّي اليمين المتطرّف، ويُعمّق اللامساواة، ويُقرّب القارة من الحرب لا يُبعدها عنها. الأمن الحقيقي لأوروبا يكمن في نزع السلاح والدبلوماسية والرعاية الاجتماعية، لا في سباق تسلّحٍ لا يكسبه إلا محتكرو السلاح.»

أخبار ذات صلة

Loading...
شاحنة عسكرية روسية تحمل منظومة دفاع جوي S-400 تُحمّل في طائرة شحن كبيرة، في سياق مفاوضات بيع المنظومات إلى الإمارات.

روسيا تفتح الباب لتركيا بيع أنظمة S-400 للإمارات

تتصاعد التوترات حول صفقة بيع منظومات S-400 التركية للإمارات وسط تحفّظات روسية وأمريكية معقدة. اكتشف تفاصيل المفاوضات التي قد تغيّر موازين القوة في الشرق الأوسط، تابع معنا لمعرفة المزيد.
سياسة
Loading...
شاحنات نقل متوقفة عند معبر حدودي بين الإمارات والسعودية تعكس تأخيرات متزايدة في حركة التجارة البينية بسبب التوترات السياسية والاقتصادية.

تأخّر التبادل التجاري بين السعودية والإمارات وسط التوتّرات

تشهد التجارة بين الإمارات والسعودية تأخيرات متزايدة وتعليق تحويلات مصرفية، مما يؤثر على الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد التوتر الاقتصادي بين الجارين الخليجيين. اكتشف المزيد عن تداعيات الأزمة الآن.
سياسة
Loading...
تجمع احتجاجي أمام محكمة وستمنستر في لندن يرفع علم فلسطين وأيرلندا مطالباً بدعم القضية الفلسطينية وحظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.

الاتحاد الأوروبي يشدّد: أيرلندا تحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية

أيرلندا تصدر قانوناً يحظر استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، تأكيداً على دعمها للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين. اكتشف تفاصيل القرار وتأثيره الآن.
سياسة
Loading...
عناصر مكافحة الإرهاب العراقيين يرتدون زيّاً عسكرياً ويحمون مركبة شرطة مدرعة خلال عملية اقتحام في المنطقة الخضراء ببغداد لملاحقة الفساد السياسي.

الحملة العراقية ضدّ الفساد: بين الإجراءات الدرامية والشكوك الهيكلية

في عملية غير مسبوقة، اعتُقل العشرات بتهم فساد ضخمة في بغداد وسط شكوك حول محاسبة كبار المسؤولين. اكتشف أسرار الفساد وتابع تفاصيل الحملة التي تهدف لتغيير المشهد السياسي العراقي.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية