إلغاء ضريبة الدورة الشهرية خطوة نحو العدالة الصحية للنساء
في خطوة تاريخية باكستان تلغي ضريبة الدورة الشهرية لتسهيل وصول المنتجات الصحية للنساء ومواجهة وصمة الحيض التي تعاني منها ملايين النساء والفتيات. تعرف على قصة النضال والتغيير مع وورلد برس عربي.

في مدينة أتّوك بإقليم البنجاب الباكستاني، نشأت بُشرى مهنور في بيتٍ تتقاسم فيه ستّ نساء كلّ لوازم الدورة الشهرية بحسابٍ دقيق. كانت الفوط الصحية تُوزَّع بالقطّارة بين الأمّ والبنات الأربع، وكان ثمنها — الذي صنّفته الحكومة ضمن السلع غير الضرورية — يفرض على الأسرة موازنةً يومية مُضنية.
تتذكّر بُشرى، البالغة من العمر 26 عاماً، كيف كانت تُراقَب المخزونات بعينٍ حذرة، وكيف كان التوزيع يُشعل توتّراً صامتاً داخل المنزل. "كنت أشعر أنّنا نتنافس فيما بيننا على هذه المستلزمات"، تقول.
وفي المدرسة، كان الخوف رفيقها الدائم: أن تُباغتها الدورة دون أن تملك ما تواجهها به. كانت تُخبّئ بعض الفوط لنفسها كلّما أتيحت لها الفرصة. وإلى جانب هذا الضيق المادي، نشأت على سماع أنّ الاستحمام أثناء الدورة يُسبّب المرض ويزيد الوزن، وأنّ الحيض علامةٌ على النجاسة. في المدرسة، كان المعلّمون يُحيلون الموضوع إلى البيت؛ وفي البيت، لم يكن يُذكر أصلاً.
هذا الواقع ليس استثناءً؛ إنّه صورةٌ مألوفة في أرجاء واسعة من باكستان. فوفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تُشكّل النساء 49.3% من إجمالي السكّان، غير أنّ 12% فقط منهنّ يستخدمن المنتجات الصحية التجارية، وذلك في المقام الأول بسبب ارتفاع أسعارها. ولا تفهم سوى 27% من النساء الحيضَ باعتباره عمليةً بيولوجية طبيعية.
تقول الناشطات إنّ هذا الواقع نتاجٌ لعقودٍ من الصمت الرسمي؛ إذ تعاقبت الحكومات دون أن تُقرّ بهذه القضية، فظلّت محاطةً بثقافة الخجل والتكتّم. وقبل هذا الشهر، كانت المنتجات الصحية للدورة الشهرية ووسائل منع الحمل تخضع لضريبة مبيعاتٍ بنسبة 18%، حتّى قرّر وزير المالية محمد أورنكزيب إلغاءها — وهي ما بات يُعرف بـ"ضريبة الدورة الشهرية" — ضمن ميزانية السنة المالية 2026-2027.
وقد رحّبت منظمات المناصرة في أرجاء البلاد بهذه الخطوة. وقالت منظمة UNICEF في باكستان: "إنّها خطوةٌ ذات معنى نحو معالجة فقر الدورة الشهرية، إذ تعترف بالمنتجات الصحية باعتبارها مستلزماتٍ صحية وصحّية أساسية لا سلعاً كمالية".
جاء هذا التغيير في أعقاب التماسٍ دستوري رفعته الناشطة الحقوقية ومحامية حقوق الإنسان مهنور عمر، البالغة 25 عاماً، والمحامي الضريبي أحسن جهانكير خان، البالغ 29 عاماً. ومن المتوقّع أن يُسهم إلغاء الضريبة في خفض تكلفة المنتجات الصحية لملايين النساء في باكستان، وإن كانت الناشطات يُقرّن بأنّ مسيرة العدالة الحيضية لم تبلغ نهايتها بعد.
وصمة الدورة الشهرية
بموجب قانون ضريبة المبيعات الباكستاني الصادر عام 1990، كانت المنتجات الصحية تُعامَل كأيّ سلعة استهلاكية عادية، فضلاً عن خضوع المستورد منها لرسوم جمركية إضافية بنسبة 25%، ما رفع أسعارها بما يصل إلى 40% وجعلها بعيدة المنال عن غالبية النساء والفتيات. وفي الوقت ذاته، كانت أغذية كاللبن المنكّه والجبن الطازج مُصنَّفةً ضمن السلع الأساسية، بينما لم تحظَ الفوط الصحية بهذا التصنيف.
لم يكن هذا المنطق مقبولاً لدى مهنور عمر التي عملت مع منظمات غير حكومية منذ سنٍّ مبكّرة، وكثيراً ما كانت تعمل جنباً إلى جنب مع نساء في المجتمعات محدودة الدخل. رأت بأمّ عينها ما تعنيه هذه الضريبة على أرض الواقع: قطعٌ من القماش القديم تُطوى وتُغسل وتُعاد استخدامها أياماً متتالية، وما ينجم عن ذلك من التهاباتٍ وأخطار صحية جسيمة.
في العام الماضي، اطّلعت عمر على قصّة طالبتَي القانون النيباليتَين Shreena Nepal وAbhyuday Bhetwal، اللتَين نجحتا في الطعن في ضريبة القيمة المضافة البالغة 13% على الفوط الصحية، فألغتها الحكومة النيبالية وخفّضت بذلك أسعار المنتجات الصحية بما يقارب الخُمس. وبعد أشهر، التقت عمر بخان أثناء عملها في المحكمة العليا الباكستانية، فبدآ يتداولان إمكانية إحداث تغيير مماثل في باكستان.
في يناير 2025، تقدّم الاثنان بالتماسٍ دستوري يطعنان فيه بالضريبة على أساس مبدأَي المساواة والكرامة الإنسانية، وسرعان ما جمعت حملتهما الإلكترونية آلاف التوقيعات. وبينما دافع مجلس الإيرادات الفيدرالية في البداية عن الضريبة بحجّة أنّها قانونية وغير تمييزية، تراجعت الحكومة عن موقفها بحلول يوليو وأعلنت إلغاءها.
قالت عمر: "في إقليمٍ يتّسع لعشرين دولة أوروبية، لم يُناقَش موضوع الحيض بهذه الصراحة قطّ داخل جمعية البنجاب التشريعية. كثيراً ما تكون قضايا المرأة ممثَّلةً تمثيلاً ناقصاً في البرلمان؛ فكثيرٌ من الممثّلين الذكور يفتقرون إلى التجربة المعاشة لهذه القضايا، فيما قد تكون بعض النساء المؤثّرات بعيداتٍ عن واقع من يحتجن الدعم أكثر من غيرهنّ".
في إقليم البنجاب، لا تشغل النساء سوى 66 مقعداً من أصل 371 في الجمعية التشريعية الإقليمية، وتقول الناشطات إنّ الوصمة الثقافية الراسخة حول الحيض أعاقت طويلاً أيَّ نقاشٍ علني جادّ حول هذه القضية. غير أنّ إعلان وزير المالية يمثّل اعترافاً رسمياً بمشكلةٍ ظلّت بعيدةً عن دائرة النقاش العام.
"نواصل الكفاح حتى تُلغى الضريبة كليّاً"
عملت بُشرى مهنور جنباً إلى جنب مع عمر وخان طوال مراحل القضية، مدافعةً عن الإصلاح الضريبي من خلال منظمة "Mahwari Justice" التي أسّستها عام 2022، في خضمّ واحدةٍ من أسوأ موجات الفيضانات في تاريخ باكستان الحديث. أثّرت تلك الفيضانات على 33 مليون شخص، وغمرت ثلثَ مساحة البلاد، وشحّت المنتجات الصحية شحّاً حادّاً في مخيّمات النازحين.
توجّهت مهنور إلى تلك المخيّمات لتوزيع حقائب النظافة: فوطٌ قابلة لإعادة الاستخدام، وأوانٍ صغيرة للغسيل، وقطعٌ للتجفيف. كانت كثيراتٌ من النساء هناك يعانين من التهاباتٍ في المسالك البولية وطفحٍ جلدي جرّاء استخدام بدائل غير صحية. وحين أوصلت إليهنّ المنتجات النظيفة، استقبلنها بالأحضان والقُبَل على الجبهة.
تقول مهنور: "إلغاء هذه الضريبة ليس كأن تلوّح بعصا سحرية. لن يحلّ كلّ التحدّيات بين عشيةٍ وضحاها، لكنّه خطوةٌ مهمّة نحو فتح الحوار حول الحيض".
والجدير بالذكر أنّه حتى بعد إلغاء ضريبة المبيعات، لا تزال المنتجات الصحية في باكستان تخضع لرسوم جمركية إضافية بنسبة 25%، ما يُبقي أسعارها مرتفعةً في السوق. وإعادة تصنيفها ضمن السلع المعفاة أو الخاضعة لنسبة صفرية ستُزيل عنها ضريبة القيمة المضافة والضرائب المماثلة، وتُخفّض تكلفتها بصورةٍ ملموسة.
وثمّة دولٌ عديدة سبقت باكستان في هذا الاتّجاه؛ فقد ألغت كلٌّ من المملكة المتّحدة وأيرلندا ضريبة القيمة المضافة على منتجات الدورة الشهرية ضمن سياسات أشمل لتصنيف السلع الأساسية، كما لا تفرض كينيا وجنوب أفريقيا وكندا أيّ ضريبة على هذه المنتجات. في المقابل، لا تزال 18 ولايةً أمريكية تفرض ضريبة مبيعاتٍ على منتجات الدورة الشهرية حتى مارس 2026.
في باكستان، تبدو الناشطات أكثر ثقةً بإمكانية انتزاع إعفاءٍ ضريبي شامل. يقول خان: "كفاحنا لم ينتهِ بإعلان الحكومة إلغاء ضريبة المبيعات؛ يتواصل حتى تُصرّح المحكمة بأنّ هذا المنتج معفوٌّ من الضريبة كليّاً".
دخول الحيض إلى الفضاء العام
تفكّر عمر في إطلاق حملة مناصرةٍ جديدة تستهدف الإصلاح التعليمي، وتحديداً إدراج التثقيف الجنسي والإنجابي إلزامياً في المناهج المدرسية. "يمكنك أن تملأ السوق بأصحّ الأغذية، لكن إن لم يفهم الأطفال لماذا ينبغي لهم الأكل الصحّي، فلن يشتريه أحد"، تقول.
كما عاشت مهنور، كملايين النساء والفتيات حول العالم، ما تُسمّيه الناشطات "ظلم الحيض" — مصطلحٌ يصف المساوئ الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية التي تواجهها المرأة لمجرّد كونها تحيض. يشمل ذلك التلقين بأنّ الحيض شيءٌ يجب إخفاؤه، والتغيّب عن المدرسة بسببه، وتسليم المنتجات الصحية في المحلّات داخل أكياسٍ ورقية بنية اللون تحاشياً للأعين.
وتحذّر الناشطات من أنّ إلغاء ضريبة المبيعات وحده لن يُخفّف هذا العبء إلا بصورةٍ هامشية.
منذ بدء القضية العام الماضي، أُدرجت عمر في قائمة مجلّة Time لنساء العام تقديراً لحملتها. وحصلت مهنور مؤخّراً على جائزة Commonwealth Youth Award لعام 2026 تقديراً لعملها مع منظمة Mahwari Justice، لتصبح الفائزة الباكستانية الرابعة بهذا التكريم.
وحين سُئلتا عن هذه الجوائز، أكّدتا أنّ التقدير، مهما كان لافتاً، لا يُحلّ في نظرهما القضية الجوهرية التي تكرّستا لها. بيد أنّهما استحضرتا بفخرٍ خطاب وزير المالية أورنكزيب أمام الجمعية الوطنية حين أعلن تغيير السياسة، إذ وصف المنتجات الصحية بأنّها ضرورةٌ أساسية لصحّة المرأة.
وقالتا إنّ الحيض ظلّ غائباً طويلاً عن اللغة البرلمانية، وأنّ سماعه يُتلى في السجلّ الرسمي كان لحظةً بالغة الدلالة للنساء والفتيات في باكستان.
قالت عمر: "أعتقد أنّ منتجات الحيض لم تُدرَج قطّ في قائمة السلع الأساسية لأنّ كلمة 'حيض' ذاتها كانت مرفوضةً على أرضية جمعية البنجاب التشريعية. لكنّها نُطق بها الآن، وهذا تقدّمٌ لا يُستهان به".
أخبار ذات صلة

تشخيص التوحد في أفريقيا: أم غينية تناضل من أجل طفلها

نظام الرعاية الصحية في كوبا: من الفخر الوطني إلى الانهيار تحت ضغط الأزمة الطاقية

دراسةٌ جديدة حول علاجات الإيبولا مع تفاقم الأزمة الصحية في الكونغو
