وورلد برس عربي logo

انتخابات الجزائر بين التزوير وعزوف الناخبين

انتخابات الجزائر تتكرر بنفس النتائج المسبقة وسط عزوف شعبي واسع وتصفية للمرشحين عبر قوانين صارمة. رغم ضعف المشاركة يبقى التساؤل عن مدى تأثير هذه الانتخابات على مستقبل السلطة في البلاد وورلد برس عربي يكشف التفاصيل.

رجل جزائري يغادر كشك اقتراع أمام جدارية وطنية تعكس الانتخابات البرلمانية في الجزائر وسط مشاركة انتخابية منخفضة وتحديات سياسية.
رجل يدلي بصوته في مركز اقتراع بالجزائر العاصمة خلال الانتخابات البرلمانية في 2 يوليو 2026 (وكالة فرانس برس)
التصنيف:سياسة
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

منذ الانتخابات الرئاسية الجزائرية عام 2009، لا يفارق الناس سؤالٌ واحد: ما الذي يبقى مثيراً للاهتمام السياسي في هذه العملية حين تكون نتائجها معروفةً سلفاً؟

التزوير، وضعف الإقبال، وهشاشة البرلمان كلّها عوامل تُسهم في هذا الإخفاق الإجرائي. تصف هذه العوامل الطوابق العليا من البنية السلطوية، لكنّها تقول أقلّ بكثير عن أولئك الذين لا يزالون يختارون المشاركة في الانتخابات رغم إدراكهم لعبثيّتها.

يواصل المرشّحون في الانتخابات الجزائرية أداء طقوس الحياة السياسية في مستوياتها الدنيا: جمع التوقيعات، وتقديم الطعون، والحفاظ على حضورٍ في مقارّ الأحزاب.

غير أنّ البنى الحقيقية للسلطة تبقى في النظام والجيش والرئاسة. وهي تُفلطح كلّ من يعمل تحتها.

آخر الأمثلة على ذلك جاء عبر الانتخابات التشريعية التي جرت يوم الخميس، والتي لم تُهدّد مركز صنع القرار في الجزائر. فالرئاسة بقيت رئاسةً، والجيش ظلّ محورياً، والمجلس الشعبي الوطني بقي في موقعه الضعيف.

وبينما كانت الأصوات لا تزال تُعدّ، كان يُرجَّح على نطاقٍ واسع أن يحتفظ حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم بسيطرته على البرلمان. وهذا ما كان معروفاً قبل يوم الاقتراع. لكنّ السؤال الأجدى هو: أيّ المسارات فتحتها هذه الانتخابات أو ضيّقتها أو أغلقتها أمام الجميع؟

بحلول الساعة العاشرة صباحاً، لم تتجاوز نسبة المشاركة ثلاثة بالمئة وفق ما ورد. كان نحو 25 مليون ناخب مدعوّين لانتخاب 407 أعضاء في المجلس الشعبي الوطني، وقد أعلنت الحكومة أنّ يوم الاقتراع إجازةٌ مدفوعة الأجر.

ومع ذلك، وحتى بعد تمديد فترة التصويت ساعةً إضافية، ظلّت نسبة المشاركة الأوّلية دون 21 بالمئة وفق إذاعة الجزائر أي أقلّ من نسبة 23 بالمئة المسجّلة قبل خمس سنوات.

آلاف المُقصَين

لم يكن التوزيع النهائي للمقاعد قد صدر وقت كتابة هذه السطور، غير أنّ الوقائع السياسية كانت واضحة: حشدت الدولة التقويم والإدارة والجهاز الانتخابي بأكمله. لكنّ غالبية المواطنين آثروا البقاء في بيوتهم.

لا ينبغي اختزال العزوف في اللامبالاة. في الجزائر، يلجأ الناس في أحيانٍ كثيرة إلى ممثّليهم المنتخبين طلباً للتدخّل والتوصيات والوساطة: مكالمةٌ هاتفية، أو رسالةٌ رسمية، أو مساعدةٌ في ملفٍّ متعثّر. لكنّهم لا يخلطون بالضرورة بين هذا الدور الخدماتي وبين السلطة التشريعية الفعلية.

قبل فتح صناديق الاقتراع، جرت عمليةٌ لتدقيق المرشّحين لتحديد من يحقّ له الترشّح. ووفق إذاعة الجزائر، درست السلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات (ANIE) 854 قائمة، فصادقت على 793 وردّت 61.

أسفرت هذه العملية عن قبول 9,854 مرشّحاً، من بينهم 2,032 امرأة. وتجاوز نصف المقبولين سنّ الأربعين، فيما كان أكثر من 4,600 منهم حاملين لشهاداتٍ جامعية.

فضلاً عن ذلك، من أصل 2,370 طعناً قُدِّمت ضدّ قرارات الرفض، لم يُقبل سوى 120 طعناً. وهكذا، قبل يوم الاقتراع، كان جزءٌ كبير من المعركة قد انتقل إلى أروقة المحاكم.

نادراً ما تُقدَّم أسباب الرفض باعتبارها ذات طابعٍ سياسي. تُصاغ عادةً على أنّها اعتراضاتٌ أخلاقية أو تقنية أو قانونية أو إجرائية: أموالٌ مشبوهة، أو سوابق جنائية، أو توقيعاتٌ مطعون فيها، أو شروطٌ غير مستوفاة. يُتيح ذلك للدولة أن تقول إنّها تصون نزاهة العملية الانتخابية، لا أنّها تُضيّق دائرة المنافسة.

بيد أنّ الرفض بالنسبة للمرشّح لا يعني مجرّد حذف اسمه من قوائم الترشّح. إنّه يُلصق به وصمةً اجتماعية.

وقد صرّح عبد الوهاب يعقوبي، النائب الإسلامي الممثّل للجزائريين في الخارج، بأنّ القانون تحوّل إلى «سلاح إقصاءٍ شامل»، بعد أن مُنع من الترشّح لإعادة انتخابه.

وقال سعيد ولحاج، مدير مدرسة ابتدائية أراد الترشّح باسم حزبٍ مستقل، للوكالة ذاتها: «لا علاقة لي بالمال القذر. السلطة الانتخابية أساءت إلى سمعتي وشرفي. كيف سينظر إليّ تلاميذي وأولياؤهم وزملائي؟»

تكاليف المقاطعة

تحوّل التصفية الانتخابية الشكَّ إلى وقيعةٍ اجتماعية. تدفع المرشّحين إلى المحاكم الإدارية حيث لم تعد المعركة تدور حول البرامج أو الأيديولوجيا أو التمثيل، بل حول الحقّ في الظهور أصلاً.

ولا يمكن اختزال هذا الفلتر في قمع المعارضة. فهو يتجاوز الحدود الأيديولوجية والحزبية، إذ أشارت التقارير إلى رفض مرشّحين من تشكيلاتٍ موالية للسلطة ومن برلمانيين قائمين، من بينهم النائب المنتهية ولايته زكريا بلخير عن حركة مجتمع السلم.

القرب من السلطة لا يُلغي الخضوع للتدقيق. هو يُغيّر فحسب ما يجب إثباته.

هذا ما يُفسّر جزئياً عودة أحزاب المعارضة إلى مسارٍ انتخابي طالما انتقدته أو قاطعته. فأحزابٌ كـجبهة القوى الاشتراكية (FFS)، والتجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD)، وحزب العمّال، وجيل جديد لم تكتشف فجأةً تفاؤلاً برلمانياً؛ بل عادت ببساطة إلى ساحةٍ بات الخروج منها أكثر كُلفةً.

فالتشريعات الجديدة رفعت تكاليف المقاطعة المتكرّرة. إذ يواجه الحزب خطر الحلّ إن أخفق في تقديم مرشّحين في انتخابَين وطنيَّين متتاليَين.

يمكن لحزبٍ أن يُدين القواعد ويدخل السباق في الوقت ذاته. في الجزائر عام 2026، هذا ليس تناقضاً بقدر ما هو شرطٌ للبقاء.

تستطيع جبهة القوى الاشتراكية أن تطالب بـالإفراج عن المعتقلين السياسيين وبإعلامٍ أكثر حرّية، بينما تُقنع ناخبيها بأنّ المقاطعة لن تخدم إلّا الحكومة. وحزب العمّال يمكنه الحملة لرفع الأجور والمعاشات، و االاعتراض على إصلاحات التعدين التي تُفيد المستثمرين الأجانب لكنّ هذه الحملات لا تعني أنّها تؤمن بقدرة البرلمان على قلب موازين القوى.

الحملةُ الانتخابية تبقى أحد آخر الفضاءات القانونية التي يمكن فيها قول مثل هذه الكلمات علناً دون الوقوع في شَرَك الإطار المؤسّسي الجزائري.

خطاب التجديد

ضاق المعضلة القديمة للمعارضة المشاركة وخطر إضفاء الشرعية على اللعبة، أو المقاطعة وإدانتها من الخارج أكثر فأكثر. فتكلفة الغياب باتت مكتوبةً في الحياة القانونية للأحزاب.

وهكذا تصبح المشاركة وسيلةً للحفاظ على اسم الحزب ومقارّه وكوادره وما تبقّى له من حقّ في الكلام.

قدّم الخطاب الرسمي اقتراع الخميس باعتباره تجديداً، مُبرزاً مشاركة المرأة وحاملي الشهادات الجامعية والمرشّحين دون الأربعين. وقُدِّم الدعم الشعبي للمستقلّين الشباب جزءاً من هذا التجديد.

بهذه الطريقة، أُدرج الشباب في الانتخابات بوصفه فئةً قبل أن يكون قوّةً سياسية. فمعظم الشباب الجزائري لا يثق في الأحزاب السياسية، وقليلٌ جداً منهم ينشط فيها. ومع ذلك، تستطيع الدولة أن تُنتج مرشّحين شباباً عبر الحصص والدعم المالي وخطاب المواطنة. يظهر المرشّحون الشباب، بينما يبقى الشباب بوصفه قاعدةً انتخابية خارج الأحزاب التي تدّعي تمثيله إلى حدٍّ بعيد.

المنطق ذاته ينطبق على الناخبين الذين لا يُصوّتون. يُوصَفون عادةً بالسلبية واللامبالاة. لكنّ اختيار العزوف ربّما يكون الأكثر واقعيةً في هذا السياق.

الوصول إلى السكن، ودعم البطالة، وفرص التنمية المحلية، والحماية الإدارية نادراً ما تمرّ هذه الموارد عبر الأيديولوجيات الحزبية. تمرّ عبر المكاتب والوسطاء المحلّيين والوزارات ومنظومات الرعاية الاجتماعية والمنتخبين البلديين والشبكات العائلية والعلاقات المهنية. الأحزاب موجودةٌ في هذا العالم، لكنّها لا تحتكر الوصول السياسي.

الأحزاب لا تزال تُهمّ، لكن أقلّ بوصفها آلاتٍ للإيمان الأيديولوجي، وأكثر بوصفها فضاءاتٍ يستطيع فيها المرشّح أن يُبقي اسمه حيّاً، ويكتسب حضوراً محلّياً، ويصون شبكاته، ويضمن وجوده القانوني، ويُظهر الولاء دون أن يأمل في الحكم. ضعفها لا يجعلها عديمة الجدوى.

انتخاباتٌ تُعرف نتائجها مسبقاً يمكنها مع ذلك أن تُخبرنا بشيء. لا تحسم سؤال من يحكم الجزائر؛ ذلك القرار يُتّخذ في مكانٍ آخر. لكنّها تُخبرنا بمن لا يزال مسموحاً له بالوجود في الفضاء السياسي.

أخبار ذات صلة

Loading...
حشود كبيرة في ميدان المصلّى بطهران خلال مراسم وداع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وسط صورته العملاقة على المبنى.

إيران تستهل مراسم الجنازة الرسمية للخامنئي على مدى ستة أيام

شهدت طهران تجمع ملايين المشيعين في وداع المرشد علي خامنئي، تعرف على تفاصيل مراسم العزاء ودلالاتها السياسية. تابع القراءة لتكتشف المزيد.
سياسة
Loading...
فلافيو بولسونارو يتحدث بحماس في مؤتمر، في سياق النزاع السياسي حول الرسوم الجمركية الأمريكية على البضائع البرازيلية.

الرئيس لولا وفلافيو بولسونارو يتبادلان الاتهامات حول الرسوم الجمركية الأمريكية

تصاعدت حدة المواجهة السياسية في البرازيل حول الرسوم الجمركية الأمريكية التي أثرت على الانتخابات. اكتشف كيف يستغل لولا وبولسونارو هذا الملف لتحقيق مكاسب انتخابية، تابع التفاصيل الآن!
سياسة
Loading...
رئيس تركيا رجب طيب أردوغان خلال مؤتمر صحفي يعكس التوترات حول حرية التعبير والقضايا القانونية في البلاد.

الممثل الكوميدي التركي يُحتجز في انتظار محاكمته بتهمة إهانة أردوغان

في تركيا، يواجه الكوميدي دينيز غوكتاش احتجازاً بتهمة إهانة الرئيس والقيم الدينية بعد عرضه الساخر الذي انتشر على يوتيوب. اكتشف تفاصيل القضية وتداعياتها من خلال موقعنا. اقرأ المزيد الآن!
سياسة
Loading...
الكوميدي التركي Deniz Goktas يؤدي عرضًا ساخرًا على المسرح في إسطنبول، وسط جدل حول حرية التعبير وانتقاده للرئيس أردوغان.

الكوميدي التركي المعتقل بتهمة "الإساءة" إلى أردوغان والدين يثير غضبا واسعا

اعتقال الكوميدي التركي Deniz Goktas بعد عرضه الذي انتقد الرئيس أردوغان والدين. اكتشف تفاصيل القضية وتأثيرها على المشهد السياسي في تركيا الآن.
سياسة
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية