حكاية طفل التوحد في غينيا بين الوصمة والأمل
في غينيا أطفال التوحّد يواجهون وصمة اجتماعية ونقص دعم حكومي وتعليمي. قصة بالدي تكشف تحديات الأسر وجهود ناشطات لإنشاء مدارس مجانية وتوعية المجتمع لاحتضان هؤلاء الأطفال برعاية وفهم أكبر وورلد برس عربي.





في مدينة فريا بغينيا، بدأت مخاوف والدَي كازاليو بالدي تتصاعد منذ أن كان طفلاً صغيراً؛ إذ لاحظا عليه تجنُّب التواصل البصري وصعوبةً واضحة في التعبير عن نفسه. لجأت الأسرة في البداية إلى معالجٍ تقليدي أوصى بتمائم للحماية، ثم حين بدأ الطفل يجرّ نفسه على الأرض عوضاً عن المشي، اصطحبوه إلى مستشفى في العاصمة كوناكري، حيث صدر بحقّه تشخيصٌ بالتوحّد وهو مصطلحٌ لم تكن الأسرة قد سمعت به من قبل.
ولم يكن الجيران أكثر دراية. فقد أطلق بعضهم تعليقاتٍ جارحة على الطفل، وصلت إلى حدّ أن تقول والدته كادياتو جيالو، وهي تاجرةٌ في الخامسة والخمسين من عمرها: "اقترح عليّ بعضهم أن آخذه إلى الغابة وأتركه هناك."
هذه الصورة ليست استثناءً في أجزاء من أفريقيا تعاني من شُحّ البيانات الموثوقة، وضعف التوعية، وغياب الدعم الحكومي لذوي التوحّد. فالمفاهيم الخاطئة شائعةٌ، ومنها ما يُرجع التوحّد إلى أرواحٍ شريرة. ويؤكّد الخبراء أن هذه التصوّرات تُؤخّر التشخيص وتُلقي بظلالٍ من الوصمة الاجتماعية على الأطفال وأسرهم.
ما هو التوحّد؟
التوحّد أو ما يُعرف اليوم بـ"اضطراب طيف التوحّد" حالةٌ تطوّرية معقّدة تتباين تجلّياتها من شخصٍ لآخر. قد تشمل تأخّراً في اللغة والتعلّم أو المهارات الاجتماعية والانفعالية. وفي حالات التوحّد الشديد، قد يكون الشخص غير قادرٍ على الكلام ويعاني إعاقةً ذهنية، غير أن الغالبية تعيش تأثيراتٍ أخفّ وطأة.
لا تحتفظ حكومة غينيا بأيّ سجلّات تتعلّق بالتوحّد. وتُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو شخصٍ واحد من كل 127 شخصاً في العالم كان مصاباً بالتوحّد عام 2021، مع التنويه بأن معدّلات الانتشار في كثيرٍ من دول الدخل المنخفض والمتوسّط لا تزال مجهولة.
قرّرت جيالو ألّا تستسلم، وسعت إلى توفير رعايةٍ أفضل لابنها. وتقول إن لديها أربعة أبناء، لكنّها تُحبّه بشكلٍ خاص "لأنّني عانيت كثيراً من أجله."
دعمٌ شحيح لذوي التوحّد في غينيا
في غينيا، التي يبلغ عدد سكّانها نحو 15 مليون نسمة، لا تتجاوز عدد المدارس المخصّصة لأطفال التوحّد أصابعَ اليد، وتصل تكلفتها إلى 300 دولار شهرياً. وهذا رقمٌ بعيد المنال في بلدٍ يبلغ فيه الحدّ الأدنى للأجور 550,000 فرنك غيني (63 دولاراً) شهرياً، وتعيش فيه 43.7% من السكّان تحت خطّ الفقر وفق بيانات البنك الدولي.
يقول الدكتور الحسن شريف، عالم النفس والأخصّائي السريري في كوناكري: "الرعاية المقدَّمة لمرضى التوحّد في غينيا ضعيفةٌ جداً. المنظمات الخاصة وغير الربحية هي الوحيدة التي تتصدّى لهذا الاضطراب وتُدرّب الكوادر على الكشف المبكّر عن الأطفال."
التحق بالدي بمدارس حكومية وخاصة على حدٍّ سواء، لكن لم تُلائمه أيٌّ منها. وتروي والدته أن معلّميه لم يُعلّموه الكتابة والقراءة، وكانوا يقولون إن ابنها "لا يصلح للمدرسة." لكنّها أبت الاستسلام: "رفضتُ الإذعان لهذه الأحكام السلبية. رفضتُ إخراجه من المدرسة."
وكان زوجها الراحل قد "طاف كلّ أرجاء البلاد" بحثاً عن مساعدة لابنه، قبل أن يلقى حتفه في حادث مرور. والحلّ جاء في نهاية المطاف من مدينتهم ذاتها.
مدرسةٌ نادرة في فريا
في عام 2023، التحق بالدي بمؤسسة Salim للأطفال ذوي التوحّد، وهي مدرسةٌ مجانية نادرة في هذا المجال. اكتشف القائمون عليها وجوده خلال جولةٍ توعوية في المنطقة، فزاروا أسرته وضمّوه إلى صفوفهم.
تضمّ المدرسة خمسة عشر طالباً يتلقّون تعليمهم في منزلٍ كبير بإشراف ثلاثة معلّمين، تتزيّن جدرانه بصورٍ ملوّنة للحيوانات وألعابٍ بألوانٍ زاهية. المدرسة مسجّلةٌ لدى السلطات التعليمية الغينية، لكنّها لا تتلقّى أيّ تمويلٍ حكومي.
وراء هذه المبادرة تقف مريم عائشة باري، الأخصّائية الاجتماعية والناشطة الإنسانية، التي أكّدت أن ابنتها المصابة بالتوحّد كانت مصدر إلهامها. تُعلَّم المدرسة الأطفالَ مهاراتٍ أساسية كالتعرّف على الأشياء وتركيب الألعاب، فضلاً عن مهاراتٍ يومية كاستخدام جهاز التحكّم في التلفاز.
وفي العام الماضي، نظّمت المدرسة ما وصفته بأوّل ندوةٍ دولية حول التوحّد في البلاد. وقالت باري: "مهمّتنا هي كسر الوصمة المحيطة بالتوحّد من خلال التوعية وتدريب الأسر والمناصرة من أجل رعايةٍ أفضل. هؤلاء الأطفال يستحقّون القبول والتفهّم والتعليم والحبّ غير المشروط."
بيد أن بالدي، الذي بلغ الخامسة عشرة من عمره، لا يزال يقضي وقته خارج المدرسة بعيداً عن كثيرٍ من أبناء مجتمعه، الذين يُرجعون حالته إلى "شرٍّ" مجهول ويطالبون بنبذه. وتقول والدته ببساطة: "رفضتُ رفضاً قاطعاً."
أطفالٌ مخفيّون خلف الأبواب
تُجرى معظم الدراسات المتعلّقة بالتوحّد في دول الدخل المرتفع، مع اهتمامٍ محدود بمناطق كغينيا، ما يُصعّب تحديد عوامل الخطر أو وضع استراتيجياتٍ فعّالة للتدخّل المبكّر. وقد وصفت دراسةٌ نُشرت عام 2023 في مجلة Review Journal of Autism and Developmental Disorders منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بأنّها "مُهمَلةٌ بشكلٍ حاد" في أبحاث التوحّد، مُنبّهةً إلى أن "التنوّع الجيني الثري" في المنطقة قد يُعزّز الفهم العالمي لهذا الاضطراب.
هذا الفراغ المعلوماتي دفع كثيراً من الأسر إلى الإحجام عن طلب المساعدة. تقول حسناتو جيالو، مسؤولة المناصرة في مدرسة Salim: "لدينا هنا 15 طفلاً مصاباً بالتوحّد، لكنّ في هذه المدينة وحدها مئاتٍ غيرهم. بعض الأهالي يُخفون أطفالهم في المنازل هرباً من السخرية والوصمة الاجتماعية."
وتختم والدة بالدي بكلماتٍ تختزل رحلتها كلّها: "أشدّ أمنياتي أن يتعلّم ابني القراءة والكتابة."
أخبار ذات صلة

باكستان تلغي ضريبة المبيعات على منتجات الدورة الشهرية

نظام الرعاية الصحية في كوبا: من الفخر الوطني إلى الانهيار تحت ضغط الأزمة الطاقية

دراسةٌ جديدة حول علاجات الإيبولا مع تفاقم الأزمة الصحية في الكونغو
