سر بقاء قنوات المياه الرومانية حية عبر العصور
اكتشف كيف بنى الرومان قنوات مائية متينة ما زالت تخدم روما اليوم عبر اختيار مسارات دقيقة وخرسانة فريدة وصيانة مستمرة. قصة هندسة عريقة تتحدى الزمن وتطرح سؤالا عن مستقبل بنيتنا التحتية مع وورلد برس عربي.

ماءٌ يجري منذ ألفَي عام: كيف بنى الرومان قنواتهم المائية وجعلوها تعيش إلى اليوم؟
في عام 19 قبل الميلاد، اكتملت قناة Aqua Virgo في روما. اليوم، في القرن الحادي والعشرين، لا تزال هذه القناة تُوصل المياه إلى المدينة نفسها. ألفان وأربعون عاماً من الخدمة المتواصلة وهذا ليس استثناءً في تاريخ الهندسة الرومانية، بل هو نمطٌ متكرّر يستحقّ أن نفهم أسبابه.
السؤال الذي يطرحه المهندسون والمؤرّخون على حدٍّ سواء هو: ما الذي جعل هذه المنشآت تصمد بينما تتهاوى منشآتٌ حديثة بعد عقودٍ قليلة؟ الإجابة لا تكمن في سرٍّ واحد، بل في منظومةٍ متكاملة من الاختيار الدقيق للمسار، والمواد المتينة، والصيانة المنتظمة.
كيف رسم الرومان مساراتهم؟
لم تكن القناة المائية مجرّد أنبوبٍ يربط نقطتين؛ كانت مشروعاً هندسياً يبدأ باختيار المصدر. فضّل الرومان ينابيع المياه العذبة، ثم شرعوا في رسم مسارٍ يضمن انحداراً خفيفاً ومتواصلاً من المصدر إلى المدينة. تصف Ann Olga Koloski-Ostrow، أستاذة الدراسات الكلاسيكية في Brandeis University، هذا المبدأ بقولها إنّ الأمر كان يتحقّق «بانحدارٍ طفيف متواصل نحو الأسفل من الينبوع إلى نقطة النهاية».
لتحقيق هذا الانحدار بدقّة، اعتمد المساحون الرومان على أداتَين رئيسيّتَين: الـ dioptra والـ libra. الأولى عبارة عن قرصٍ مزوّد بذراع رصد لقياس فوارق الارتفاع، والثانية تحمل خيطاً شاقولياً للمقارنة بين المستويات على طول المسار. يشرح Joseph Lewis، عالم الآثار في University of Cambridge، أنّ «المساحين كانوا ينظرون عبر ذراع الرصد نحو العصيّ المدرَّجة لقياس فوارق الارتفاع»، وكانوا «يضعون الـ libra على طول المسارات المقترحة وينظرون أماماً وخلفاً مقابل العصيّ المعيارية».
لم يكن اختيار المسار مسألةً تقنية فحسب، بل جيولوجية أيضاً؛ إذ حرص المهندسون على تجنّب المناطق البركانية وغير المستقرّة، واستتبعوا التضاريس الجيولوجية الصلبة. حين استحال البناء فوق الأرض، حفروا القنوات تحتها.
الخرسانة والبناء: سرٌّ في التركيبة
ما إن تحدّد المسار، بدأ التحدّي الأصعب: البناء نفسه. اعتمد الرومان خرسانةً خاصّة تتكوّن من البوزولان (pozzolan) والجير والماء، وتتميّز بخاصيّةٍ فريدة: تزداد صلابةً حين تتعرّض للماء، لا حين تجفّ. يؤكّد Giovanni De Feo، أستاذ الهندسة الصناعية في University of Salerno، أنّ «الخرسانة الرومانية أدّت دوراً مهمّاً بالتأكيد، لا سيّما في الجسور والأقواس والعناصر الإنشائية الأخرى».
يتجلّى حجم هذه المشاريع في أرقامها: قناة Valens التي كانت تُمدّ القسطنطينية إسطنبول الحديثة بالمياه، بلغ طولها 400 كيلومتر، لتكون من أطول القنوات المائية في العالم القديم. أمّا القناة الهدريانية في أثينا، فيبلغ طولها نحو 20 كيلومتراً، وتشير دراسةٌ صدرت عام 2022 إلى أنّ إنجازها كان يستلزم نحو 500 عاملٍ على مدى 15 عاماً.
ولم تنتهِ الهندسة عند حدود القناة؛ فقرب المدن كانت تُنشأ أحواضٌ ترسيب تتجمّع فيها المياه قبل توزيعها، فيترسّب الطين في القاع ثم تتابع المياه مسيرها إلى خزانات التوزيع. يصف Harry Evans، أستاذ الدراسات الكلاسيكية الفخري في Fordham University، هذه العملية قائلاً: «كانت المياه تتجمّع في الحوض، ويترسّب الطين في القاع، ثم تواصل المياه مسيرها إلى خزان التوزيع».
الصيانة: العامل الخفيّ في طول العمر
يميل كثيرٌ من الناس إلى الإعجاب بضخامة البناء الروماني وإغفال ما جاء بعده. لكنّ Cees Passchier، رئيس قسم التكتونوفيزياء في Johannes Gutenberg University Mainz، يرى أنّ بقاء هذه القنوات يعود إلى «مجموعةٍ من العوامل» وفي مقدّمتها الصيانة المستمرّة.
كانت الكربونات تتراكم على الجدران الداخلية للقنوات مع الزمن، فيلجأ العمّال إلى كشطها أو تغطيتها بطبقةٍ جديدة من الملاط. يوضح Passchier أنّ بعض الفِرق كانت «تكشط الكربونات جزئياً قبل إعادة التلبيس»، فيما كانت فرقٌ أخرى «تكتفي بالتلبيس فوق الكربونات دون أيّ تنظيف». وتفاوتت أحجام فِرق الصيانة تبعاً لحجم القناة؛ ففي موقع Divona الفرنسي، كانت «فرقةٌ من نحو دزّينة أشخاص كافيةً على الأرجح»، بينما «كان في روما طاقمٌ من بضع مئات من الأشخاص للحفاظ على عمل القنوات».
استمرّت بعض هذه القنوات في الخدمة حتى بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، عابرةً العصور الوسطى إلى يومنا هذا. ما يطرحه هذا الإرث من تساؤل ليس تقنياً فحسب: في عصرٍ نبني فيه منشآتٍ مصمَّمة لتُستبدَل لا لتدوم، هل نملك الإرادة على تصميم بنيةٍ تحتية تتجاوز أعمارنا؟ الرومان فعلوا ذلك ولم يكن لديهم حاسوبٌ واحد.
أخبار ذات صلة

توتنهام هوتسبير توفّر 85% من رسوم الترخيص عبر هجرة VMware

تم الإبلاغ عن مشاكل في نظام تعليق طراز تسلا في الصين وبعضها في الولايات المتحدة أيضًا

ترامب قد يضطرّ للكشف عن قواعد فيدرالية سرّية لاختبار أمان الذكاء الاصطناعي
