هلال الزهرة والقمر لوحة سماوية لا تفوت
في سبتمبر، الزهرة تظهر هلالاً نادراً يزداد سطوعه رغم تضاءل إضاءته، ويصل ذروته مع اقترانه القمري في مشهد سماوي ساحر لا يُفوت في الأفق الغربي بعد الغروب. اكتشف تفاصيل هذه الظاهرة الفلكية مع وورلد برس عربي.

في منتصف سبتمبر من كلّ عام، يتحوّل الغروب إلى مشهدٍ فلكي نادر لمن يعرف أين يُحدّق. هذا الشهر تحديداً، تمنح الزهرة — أكثر كواكب المجموعة الشمسية لمعاناً — المراقبين فرصةً استثنائية لرؤيتها على هيئة هلالٍ رفيع، لا كنقطةٍ بيضاء ساطعة كما اعتادها الناس. والأجمل من ذلك أنّ ذروة هذا المشهد ستكون في 14 سبتمبر، حين يمرّ هلال القمر على مقربةٍ شديدة من الزهرة في أجمل اقتران يرصده عشّاق الفلك هذا الموسم.
هلال في السماء الغربية — ما الذي يجري بالضبط؟
الزهرة كوكبٌ داخلي، أي أنّه يدور حول الشمس في مدارٍ أضيق من مدار الأرض. هذا الوضع الهندسي هو ما يجعلها تمرّ بأطوارٍ شبيهة بأطوار القمر، تماماً كما رصد ذلك عالم الفلك غاليليو في مطلع القرن السابع عشر، وكانت تلك الملاحظة بالذات أحد الأدلّة التي دحضت النموذج الفلكي القديم المتمركز حول الأرض، المعروف بالنموذج البطلمي.
في سبتمبر 2026، تبدو الزهرة هلالاً يتضاءل تدريجياً في نسبة إضاءته: من 36% في مطلع الشهر إلى 32% في منتصفه، ثم إلى 29% يوم الاقتران في 14 سبتمبر، وصولاً إلى 26% حين تبلغ ذروة سطوعها في 18 سبتمبر عند قدرٍ ضوئي يبلغ -4.8. ما يبدو متناقضاً هنا — وهو ما يستحقّ التأمّل — أنّ الكوكب يزداد سطوعاً بينما تتضاءل نسبة إضاءته، والسبب أنّ قرصه الظاهري يكبر كلّما اقترب من الأرض، فيعوّض الاتّساع ما يفقده من إضاءة.
بلغت الزهرة أقصى امتدادٍ شرقي لها عن الشمس في 15 أغسطس الماضي بزاوية بلغت نحو 46 درجة، وهي تتّجه الآن نحو الاقتران الأدنى في 24 أكتوبر، حين ستمر بين الأرض والشمس على بُعد 0.27 وحدة فلكية، أي ما يعادل نحو 40 مليون كيلومتر — وهو أقرب ما تكون إليها في هذا الدورة، مقارنةً بأقصى بُعدٍ يصل إلى 261 مليون كيلومتر.
14 سبتمبر — موعدٌ لا ينبغي تفويته
يوم 14 سبتمبر سيكون الليلة الأبرز لعشّاق الرصد الفلكي في العالم العربي هذا الموسم. هلال القمر المضاء بنسبة 16% فقط سيمرّ على مقربةٍ شديدة من الزهرة المضاءة بنسبة 29%، مشكّلَين لوحةً سماوية نادرة في الأفق الجنوبي الغربي بُعيد الغروب. الزهرة تتحرّك في هذه الفترة عبر كوكبة العذراء (Virgo)، وهو ما يُضيف عمقاً بصرياً إلى المشهد لمن يحمل مقرابةً أو تلسكوباً صغيراً.
هنا تحديداً يكتسب الرصد قيمةً إضافية تتجاوز الجماليات. كما يقول صاحب التقرير الذي وثّق هذه الظاهرة: "تصبح الزهرة أكثر إثارةً للاهتمام حين تتوقّف عن أن تبدو في أفضل حالاتها بالعين المجرّدة، وتتحوّل إلى لحظة 'رائعة' حقيقية في تلسكوبٍ صغير". وهذا صحيح تماماً من الناحية البصرية؛ فالهلال الرفيع للزهرة لا يمكن تمييزه بالعين المجرّدة، لكنّه يظهر بوضوحٍ مدهش عبر أبسط التلسكوبات.
غير أنّ ثمّة تحذيراً لا يجوز إغفاله لمن يخطّط للرصد بمقرابٍ أو تلسكوب: "لا تبحث عن الزهرة بتلسكوبٍ أو مقرابة ما دامت الشمس فوق الأفق". انتظر حتى تختفي الشمس تماماً، ثم ابحث عن الزهرة في الأفق الغربي — فهي ساطعةٌ بما يكفي لتجدها بسهولة.
ما يرافق الزهرة في سماء سبتمبر
سماء سبتمبر لا تقتصر على الزهرة وحدها. في 6 سبتمبر، مرّ هلال القمر المتضائل بالقرب من المرّيخ في كوكبة الجوزاء (Gemini)، وهو مشهدٌ لطيف للمراقبين في الساعات الأولى من الفجر. أمّا زحل فيزداد سطوعاً في الأفق الشرقي خلال ساعات المساء المبكّرة، ويوفّر فرصةً ممتازة لرصد حلقاته الشهيرة.
الحدث الفلكي الآخر الجدير بالاهتمام هذا الأسبوع هو بلوغ نبتون (Neptune) المقابلة في كوكبة الحوت (Pisces)، ما يعني أنّه في أقصى سطوعه هذا العام — وإن كان لا يزال يحتاج إلى مقرابةٍ على الأقلّ ليُرى. تبدأ كوكبات الخريف في السيطرة على السماء الليلية مع تقدّم سبتمبر، ومعها تتاح فرصٌ ممتازة لرصد درب التبّانة والعناقيد النجمية والسدم لمن يبتعد عن أضواء المدن.
نافذةٌ تضيق قبل أكتوبر
ما يجعل هذه الأسابيع ذات قيمةٍ فلكية خاصّة هو أنّها نافذةٌ زمنية محدودة. بعد 18 سبتمبر، سيبدأ الكوكب في الانزلاق نحو الأفق تدريجياً مع اقترابه من الاقتران الأدنى في 24 أكتوبر. عند ذلك الحين، ستختفي الزهرة من سماء المساء لتعود لاحقاً كوكب الصباح. الهلال الذي يمكن رصده الآن سيضيق أكثر فأكثر، ويصعب تتبّعه قرب الأفق المضطرب بالتموّجات الجوية التي تجعل الكواكب تتراقص وتتلوّن.
الزهرة التي اعتدنا أن نراها كنجمةٍ بيضاء صامتة في الغروب تخبّئ في الواقع هندسةً مدارية رائعة. ما يراه المراقب هذا الشهر — هلالٌ يكبر ويشحب في آنٍ واحد — هو الدليل المرئي الأبسط على أنّ الكواكب تدور حول الشمس لا حول الأرض، وهو الدرس الذي علّمنا إيّاه غاليليو قبل أربعة قرون. السؤال المفتوح الآن: هل ستكون سماء منطقتك صافيةً في 14 سبتمبر؟
أخبار ذات صلة

انفجار صاروخ Blue Origin أرسل موجات صوتية عبر 1600 كيلومتر في الولايات المتحدة

الفيروسات القاتلة في المخطوطات القديمة: كنوز بيولوجية تكشف أسرار الأمراض

خريطة جديدة للجهاز العصبي المركزي لذكر الذبابة تتضمن جميع الخلايا العصبية البالغ عددها 166000 وتتيح إجراء مقارنات مباشرة مع دماغ الذبابة الأنثوية
