وورلد برس عربي logo

مخطوطات قديمة تكشف أسرار تطور فيروس الجدري الغنمي

كشف بحث حديث كيف تحتفظ مخطوطات جلدية قديمة بحمض نووي لفيروس الجدري الغنمي ما يفتح نافذة لفهم تطور الأوبئة الحيوانية عبر آلاف السنين وتأثيرها على قطعان الأغنام في أوروبا وآسيا عبر التاريخ في دراسة فريدة من نوعها على وورلد برس عربي.

خروف أبيض بوجه بني فاتح يعكس أهمية دراسة فيروس الجدري الغنمي وتأثيره على قطعان الأغنام عبر التاريخ.
حقوق الصورة: Seraaron/CC BY-SA 4.0
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

لم يكن الباحثون يتوقّعون أن تُخبرهم مخطوطاتٌ عمرها ألف عام بشيءٍ عن تطوّر فيروس مُعدٍ يُهدّد قطعان الأغنام حتى اليوم. غير أنّ دراسةً نُشرت عام 2026 في مجلة Science Advances كشفت أنّ الرَّق الحيواني — ذلك المادة التي صنع منها النسّاخون القدامى أوراق مخطوطاتهم — يحتفظ في طيّاته بحمضٍ نووي لمسبّبات الأمراض التي أصابت تلك الحيوانات قبل قرون، مفتوحاً بذلك نافذةً غير مسبوقة على تاريخ الأوبئة البيطرية.

مخطوطة جلدية قديمة مكتوبة بخط لاتيني تعود لأكثر من ألف عام، تم تحليلها لاستخلاص الحمض النووي لفيروس الجدري الغنمي.
Loading image...
كامبريدج، كلية ترينيتي، المخطوطة B.10.5، الصفحة 62v، رسائل القديس بولس، أيرلندا/نورثمبريا، 700–800 م. بإذن كريم من مدير وزملاء كلية ترينيتي كامبريدج

من أسنان البرونز إلى مخطوطات كامبريدج

استطاع الفريق البحثي استخلاص 21 جينوماً قديماً لفيروس الجدري الغنمي تمتدّ عبر حقبة زمنية من عام 1700 قبل الميلاد حتى مطلع العصر الحديث. جاءت هذه الجينومات من مصدرَين: أسنان أغنام تعود إلى العصر البرونزي عُثر عليها في روسيا وكازاخستان الوسطى، ومخطوطاتٌ جُلدية محفوظة في مؤسّسات مرموقة كجامعتَي Yale و Cambridge، وكلية Corpus Christi، و University College Dublin، ومكتبة Lambeth Palace، وكلية Trinity. ومن بين هذه المخطوطات أناجيل يورك الشهيرة التي يبلغ عمرها ألف عام.

وتُشير نتائج الدراسة إلى أنّ فيروس الجدري الغنمي انفصل عن فيروسَي جدري الماعز ومرض الجلد العقدي — وكلاهما ينتمي إلى عائلة Capripoxvirus — في فترةٍ تتراوح بين 11,500 و3,700 عام مضت. وهذا يعني أنّ الفيروس كان يُلازم قطعان الأغنام الأوراسية منذ ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، أي قبل أن تُدوّن أيّ سجلّات مكتوبة عنه؛ إذ لا تعود أقدم الإشارات المكتوبة إلى الجدري الغنمي إلا إلى القرن الأول الميلادي، في روايات رومانية وصفت آفاتٍ جلدية في الأغنام.

مخطوطة جلدية قديمة تحتوي على نص مكتوب بحبر بني مع زخرفة دائرية، تعكس حفظ الحمض النووي لفيروس الجدري الغنمي في الرق الحيواني.
Loading image...
صورة مقربة لجزء من المخطوطة. بإذن كريم من أساتذة وزملاء كلية ترينيتي في كامبريدج

مسار الوباء عبر القرون

يرسم السجلّ التاريخي الذي جمعته الدراسة صورةً متقطّعة لكيفية انتشار الجدري الغنمي وتراجعه عبر القرون. ففي العصور الوسطى، كانت فرنسا وإسبانيا وإنجلترا تعاني موجاتٍ متكرّرة من الوباء بمعدّلات وفيات مرتفعة في القطعان. ثمّ شهد القرن السابع عشر تراجعاً في فرنسا، قبل أن تعود الموجات بشدّة في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وصولاً إلى تفشٍّ موثّق في بريطانيا العظمى عام 1847. وعلى الرغم من أنّ المرض اختفى إلى حدٍّ بعيد من أوروبا خلال القرن العشرين، فإنّ تفشّياً جديداً سُجّل في اليونان عام 2025 يُذكّر بأنّ الفيروس لم يُستأصل كلياً.

يقول Louis L'Hôte، طالب الدكتوراه في University College Dublin والمشارك الرئيسي في الدراسة: "تسجيل الحمض النووي القديم للمسبّبات المرضية غيّر فهمنا كلياً للأمراض المعدية في الماضي، وهنا نُثبت أنّ الرَّق أيضاً يستطيع حفظ الحمض النووي لمسبّبات الأمراض الحيوانية. من المحتمل أنّ الأرشيفات والمكتبات حول العالم تحتوي على آثار جينية لتفشّيات الأمراض الحيوانية في الماضي".

ويُضيف L'Hôte في تصريحٍ آخر: "هذه الجينومات تساعدنا على فهم كيفية تطوّر هذه المسبّبات المرضية وتأثيرها على المجتمعات الماضية — مثل فيروس الجدري الغنمي الذي نُثبت أنّه كان يُؤثّر على قطعان الأغنام الأوراسية منذ ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف وخمسمئة عام".

مخطوطة جلدية قديمة مكتوبة بخط لاتيني مزخرف، تعكس حفظ الحمض النووي لفيروس الجدري الغنمي في الرق الحيواني عبر القرون.
Loading image...
صورة مقربة أخرى للمخطوطة. تم إعادة إنتاجها بإذن كريم من أساتذة وزملاء كلية ترينيتي في كامبريدج

الرَّق كنزٌ وبائي لم يُستنفَد

يُلخّص Kevin G. Daly، المؤلف المشارك من University College Dublin، الدلالة الأعمق لهذا البحث بقوله: "صناعة الرَّق كانت تُعدّ حرفةً في طريق الاندثار، لكنّنا بدأنا ندرك حجم ما احتفظ به من الماضي. هذا المشروع يُثبت أنّ الرَّق لا يحفظ تاريخنا الثقافي لمئات السنين فحسب، بل أيضاً خارطة الأمراض التي أصابت مواشينا في العصور الوسطى".

ما يُضيفه هذا البحث المنشور في Science Advances إلى حقل الوبائيات البيطرية لا يقتصر على فيروس الجدري الغنمي وحده؛ فهو يُرسي منهجيةً قابلة للتوسّع على مجموعات المخطوطات الجلدية المحفوظة في مكتبات العالم الإسلامي وشمال أفريقيا، حيث تزخر الأرشيفات بمخطوطاتٍ جلدية قد تحمل هي الأخرى ذاكرةً وبائية لم تُقرأ بعد.

أخبار ذات صلة

Loading...
كوكب عملاق خارجي يعكس ضوء نجمه في الفضاء، هدف محتمل للرصد المباشر بواسطة تلسكوب Lazuli وأداة الكوروناغراف ESC.

تلسكوب خاص يستهدف 27 كوكباً خارجياً في مهمته الأولى

اكتشف كيف سيغير تلسكوب Lazuli الفضائي مستقبل رصد الكواكب العملاقة عبر ضوء النجم المنعكس، وكن أول من يعرف أهداف هذه الحملة الرائدة. اقرأ المزيد الآن!
علوم
Loading...
مركبة فضائية حديثة تحلق في مدار أرضي منخفض فوق كوكب الأرض ضمن مهمة اختبارية لبرنامج Artemis لاختبار الهبوط القمري المستقبلي.

رحلة أرتيميس 3 القمرية: ناسا تحدد الخطة لكن التاريخ غامض

تستعد NASA لمهمة Artemis III المعقدة في مدار الأرض لاختبار مركبات هبوط قمرية قبل هبوط مأهول في 2028. اكتشف تفاصيل الرحلة وكن جزءاً من المستقبل الفضائي!
علوم
Loading...
جهازا LaserSETI مثبتان في صحراء العُلا السعودية لمراقبة إشارات ضوئية محتملة من حضارات خارج الأرض ضمن شبكة عالمية للرصد الفلكي.

البحث عن الحضارات الفضائية: السعودية تنضم للمشروع العالمي

العُلا تصبح أول موقع آسيوي يشارك في شبكة LaserSETI لرصد إشارات من حضارات خارج الأرض، ما يفتح آفاقاً جديدة في علم الفلك والاكتشاف العلمي. اكتشف المزيد الآن!
علوم
Loading...
تمثيل ثلاثي الأبعاد للمجال المغناطيسي للأرض مع خطوط القوة المغناطيسية التي تظهر انقلابات الأقطاب وتأثيرها المحتمل على البيئة في العصر البرمي.

الانقلابات المغناطيسية والانقراضات: ارتباطٌ يستعصي على الإنكار

هل لعب اضطراب المجال المغناطيسي للأرض دوراً في انقراض العصر البرمي؟ اكتشف كيف يكشف سجل «فنغشان» عن انقلابات مغناطيسية غير مسبوقة وتأثيرها المحتمل على الحياة. تابع القراءة لتعرف التفاصيل.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية