مخطوطات قديمة تكشف أسرار تطور فيروس الجدري الغنمي
كشف بحث حديث كيف تحتفظ مخطوطات جلدية قديمة بحمض نووي لفيروس الجدري الغنمي ما يفتح نافذة لفهم تطور الأوبئة الحيوانية عبر آلاف السنين وتأثيرها على قطعان الأغنام في أوروبا وآسيا عبر التاريخ في دراسة فريدة من نوعها على وورلد برس عربي.

لم يكن الباحثون يتوقّعون أن تُخبرهم مخطوطاتٌ عمرها ألف عام بشيءٍ عن تطوّر فيروس مُعدٍ يُهدّد قطعان الأغنام حتى اليوم. غير أنّ دراسةً نُشرت عام 2026 في مجلة Science Advances كشفت أنّ الرَّق الحيواني — ذلك المادة التي صنع منها النسّاخون القدامى أوراق مخطوطاتهم — يحتفظ في طيّاته بحمضٍ نووي لمسبّبات الأمراض التي أصابت تلك الحيوانات قبل قرون، مفتوحاً بذلك نافذةً غير مسبوقة على تاريخ الأوبئة البيطرية.
من أسنان البرونز إلى مخطوطات كامبريدج
استطاع الفريق البحثي استخلاص 21 جينوماً قديماً لفيروس الجدري الغنمي تمتدّ عبر حقبة زمنية من عام 1700 قبل الميلاد حتى مطلع العصر الحديث. جاءت هذه الجينومات من مصدرَين: أسنان أغنام تعود إلى العصر البرونزي عُثر عليها في روسيا وكازاخستان الوسطى، ومخطوطاتٌ جُلدية محفوظة في مؤسّسات مرموقة كجامعتَي Yale و Cambridge، وكلية Corpus Christi، و University College Dublin، ومكتبة Lambeth Palace، وكلية Trinity. ومن بين هذه المخطوطات أناجيل يورك الشهيرة التي يبلغ عمرها ألف عام.
وتُشير نتائج الدراسة إلى أنّ فيروس الجدري الغنمي انفصل عن فيروسَي جدري الماعز ومرض الجلد العقدي — وكلاهما ينتمي إلى عائلة Capripoxvirus — في فترةٍ تتراوح بين 11,500 و3,700 عام مضت. وهذا يعني أنّ الفيروس كان يُلازم قطعان الأغنام الأوراسية منذ ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف وخمسمئة عام، أي قبل أن تُدوّن أيّ سجلّات مكتوبة عنه؛ إذ لا تعود أقدم الإشارات المكتوبة إلى الجدري الغنمي إلا إلى القرن الأول الميلادي، في روايات رومانية وصفت آفاتٍ جلدية في الأغنام.
مسار الوباء عبر القرون
يرسم السجلّ التاريخي الذي جمعته الدراسة صورةً متقطّعة لكيفية انتشار الجدري الغنمي وتراجعه عبر القرون. ففي العصور الوسطى، كانت فرنسا وإسبانيا وإنجلترا تعاني موجاتٍ متكرّرة من الوباء بمعدّلات وفيات مرتفعة في القطعان. ثمّ شهد القرن السابع عشر تراجعاً في فرنسا، قبل أن تعود الموجات بشدّة في القرنَين الثامن عشر والتاسع عشر، وصولاً إلى تفشٍّ موثّق في بريطانيا العظمى عام 1847. وعلى الرغم من أنّ المرض اختفى إلى حدٍّ بعيد من أوروبا خلال القرن العشرين، فإنّ تفشّياً جديداً سُجّل في اليونان عام 2025 يُذكّر بأنّ الفيروس لم يُستأصل كلياً.
يقول Louis L'Hôte، طالب الدكتوراه في University College Dublin والمشارك الرئيسي في الدراسة: "تسجيل الحمض النووي القديم للمسبّبات المرضية غيّر فهمنا كلياً للأمراض المعدية في الماضي، وهنا نُثبت أنّ الرَّق أيضاً يستطيع حفظ الحمض النووي لمسبّبات الأمراض الحيوانية. من المحتمل أنّ الأرشيفات والمكتبات حول العالم تحتوي على آثار جينية لتفشّيات الأمراض الحيوانية في الماضي".
ويُضيف L'Hôte في تصريحٍ آخر: "هذه الجينومات تساعدنا على فهم كيفية تطوّر هذه المسبّبات المرضية وتأثيرها على المجتمعات الماضية — مثل فيروس الجدري الغنمي الذي نُثبت أنّه كان يُؤثّر على قطعان الأغنام الأوراسية منذ ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف وخمسمئة عام".
الرَّق كنزٌ وبائي لم يُستنفَد
يُلخّص Kevin G. Daly، المؤلف المشارك من University College Dublin، الدلالة الأعمق لهذا البحث بقوله: "صناعة الرَّق كانت تُعدّ حرفةً في طريق الاندثار، لكنّنا بدأنا ندرك حجم ما احتفظ به من الماضي. هذا المشروع يُثبت أنّ الرَّق لا يحفظ تاريخنا الثقافي لمئات السنين فحسب، بل أيضاً خارطة الأمراض التي أصابت مواشينا في العصور الوسطى".
ما يُضيفه هذا البحث المنشور في Science Advances إلى حقل الوبائيات البيطرية لا يقتصر على فيروس الجدري الغنمي وحده؛ فهو يُرسي منهجيةً قابلة للتوسّع على مجموعات المخطوطات الجلدية المحفوظة في مكتبات العالم الإسلامي وشمال أفريقيا، حيث تزخر الأرشيفات بمخطوطاتٍ جلدية قد تحمل هي الأخرى ذاكرةً وبائية لم تُقرأ بعد.
أخبار ذات صلة

انفجار صاروخ Blue Origin أرسل موجات صوتية عبر 1600 كيلومتر في الولايات المتحدة

كوكب الزهرة يتناقص ليصبح هلالاً — وهنا تبدأ الحقائق بالظهور

خريطة جديدة للجهاز العصبي المركزي لذكر الذبابة تتضمن جميع الخلايا العصبية البالغ عددها 166000 وتتيح إجراء مقارنات مباشرة مع دماغ الذبابة الأنثوية
