أحمد جدالة رجل الأعمال الغامض في قلب ليبيا
رجلٌ من بنغازي يعيش في دبي ويُتهم بتمويل حفتر عبر شبكة مالية معقدة. يمتلك عقارات فاخرة ويُقال إنه متورط في غسيل الأموال وتهريب الأسلحة. بينما ينفي جميع الاتهامات، تبرز قضيته في ظل الضغوط الدولية لتوحيد الحكومة الليبية.

رجلٌ من بنغازي يقيم في دبي، ويحمل جواز سفر صادراً عن جزيرة سانت كيتس ونيفيس في منطقة البحر الكاريبي.
وفقاً لتقارير وسائل إعلام إيطالية، يرتدي ساعاتٍ تبلغ قيمتها نصف مليون دولار، ويستقلّ طائراتٍ خاصة، وينزل في فنادق من فئة الخمس نجوم في وسط لندن.
يُقال إنه يمتلك ما لا يقلّ عن ثماني عقارات في الإمارات العربية المتحدة، وشقةً في تورنتو تبلغ قيمتها 3.7 مليون دولار، حيث يحمل إقامةً دائمة في كندا ويتبرّع لمؤسسةٍ صحية خاصة مرموقة.
يُسيطر على مصارف وشركةٍ مملوكة للدولة وشركاتٍ خاصة في ليبيا والإمارات ومالطا والمملكة المتحدة.
غير أنّ لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بليبيا، وتقريراً مفصّلاً أعدّته منظمة The Sentry الأمريكية المتخصصة في التحقيقات الاستقصائية، يُصنّفان أحمد جدالة بوصفه الممولَ الرئيسي للقوات المسلحة العربية الليبية بقيادة خليفة حفتر، التي تُسيطر على شرق ليبيا وتحظى بدعم الإمارات ومصر.
واليوم، مع الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة وحلفاؤها من أجل توحيد حكومة طرابلس المعترف بها أممياً مع إدارة بنغازي التي تديرها عائلة حفتر، بات الرجل البالغ من العمر 46 عاماً في دائرة الضوء.
يُقال إنّ جدالة، الذي ينشط على جبهاتٍ متعددة منذ ما لا يقلّ عن سبع سنوات، صعد بدعمٍ من صدام حفتر نجل خليفة، ويُزعم أنه في قلب شبكةٍ مالية تشمل غسيل الأموال وتهريب الأسلحة وأنواعاً أخرى من الاتجار غير المشروع.
كشف تقريرا الأمم المتحدة و The Sentry عمّا يصفانه باستخدام المصارف التي يُسيطر عليها جدالة للحصول على خطاباتٍ اعتماد مزوّرة (Letters of Credit)، وتورّطه في تهريب الوقود والأسلحة، وصلته بهجوم حفتر الفاشل على طرابلس بين عامَي 2019 و2020.
ينفي جدالة تمويل القوات المسلحة العربية الليبية أو دعمها، ويرفض الاتهامات الواردة في تقريرَي The Sentry ولجنة خبراء الأمم المتحدة. ويقول إنه لا يزال يتواصل مع اللجنة.
وقال جدالة : "أرفض رفضاً قاطعاً الاتهامات التي وجّهتها إليّ The Sentry وأُنكرها. محامويَّ يطعنون في تلك الادعاءات، كما أدحض ما ورد عنّي في تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة فيما يخصّني تحديداً."
وأضاف: "لقد مارست أعمالي بصورةٍ مشروعة وشفافة، وسأواصل ذلك."
الوقود والمركبات العسكرية
وفقاً لـ The Sentry، تورّطت مصارف يُسيطر عليها جدالة أيضاً في تداول دنانير ليبية مزوّرة طُبعت في روسيا.
وبحسب تقرير الأمم المتحدة، فإنّ أحد المصارف التي يمتلكها جدالة في بنغازي "عمد إلى عرقلة" محاولات "إجراء تحقيقٍ رسمي في خطاب الاعتماد"، وهو ما يرفض جدالة استنتاجَ الأمم المتحدة بشأنه.
وأفادت The Sentry بأنّ شركات جدالة ضخّت أموالاً في آلة الحرب لدى عائلة حفتر، مع احتمال توجيه مدفوعاتٍ إلى مجموعة Wagner الروسية، وإرسال أسلحة إلى قوات الدعم السريع شبه العسكرية في السودان، فضلاً عن تأمين كياناتٍ مقرّها دبي مبلغ 300 مليون دولار لتمويل الغزو الفاشل لطرابلس.
ينفي جدالة أن يكون هو أو شركته متورطَين في أيٍّ من هذه القروض، مؤكداً أنّ سجلات المصرف المعنية خضعت للتدقيق من قِبل جهتَين مستقلّتَين هما Deloitte ووحدة التحقيقات التابعة لمكتب النائب العام الليبي. كما نفى تمويل أيّ نشاطٍ عسكري أو دعم مجموعة Wagner.
وتعرّضت عمليات عائلة حفتر لسلسلة من الإخفاقات البارزة، من بينها محاولةٌ عام 2024 لاستيراد طائراتٍ قتالية صينية مقنّعة في هيئة توربينات رياح، ومخطّطٌ فاشل لشراء طائراتٍ مسيّرة إسبانية قبل ذلك بعام، ثم في عام 2025 اعتراضُ زوارق دورية يونانية وإيطالية تُنفّذ حظر الأسلحة الأممي على ليبيا لشحنةٍ من المركبات العسكرية كانت موجّهةً إلى قوات الدعم السريع في السودان.
وقد ربط تقرير الأمم المتحدة هذا الاعتراض الأخير بشركة شحنٍ يمتلكها جدالة، الذي ينفي أيّ تورّطٍ له في تهريب الوقود أو المركبات العسكرية.
وجاء في تقرير The Sentry: "على الرغم من أنه يُقدّم نفسه اليوم بوصفه رجل أعمالٍ شرعياً، فإنّ محفظة أنشطته الرسمية تُخفي طيفاً واسعاً من العمليات المالية المشبوهة التي يُنفّذها لصالح عائلة حفتر."
وأضاف التقرير: "يكشف صعود جدالة، الذي جرى عند تقاطع حكم الميليشيات والمؤسسات الاقتصادية المُجوَّفة في ليبيا، عن الكيفية التي تنهب بها الشبكات الكليبتوقراطية (Kleptocratic Networks) الثروة العامة الليبية على نطاقٍ هائل."
في المقابل، يؤكّد جدالة أنه يمارس نشاطاً تجارياً مشروعاً واعتيادياً في حدود ما تفرضه طبيعة الدولة الخارجة من نزاع.
شبكة الشركات
انتقل أحمد جدالة إلى دبي مقيماً عام 2008. وقبل الانتفاضات التي أطاحت بمعمر القذافي عام 2011، درس الهندسة ونال درجة الماجستير في الولايات المتحدة، وفقاً لـ The Sentry.
حين اندلعت الحرب الأهلية الليبية عام 2011، كان جدالة يبيع منتجاتٍ للسيارات ومواد تنظيف منزلية لحساب شركةٍ أمريكية.
بعد سقوط القذافي، انفتح شرق ليبيا على الفرص، فاستثمر جدالة علاقاته الإماراتية للتقدّم وممارسة الأعمال في الخارج، بدءاً برحلةٍ عام 2012 إلى مدينة غوانغتشو (Guangzhou)، مركز التصنيع الصيني.
اليوم، يُقرّ رجل الأعمال الليبي صراحةً بترؤّسه لمجموعة الأشيب إذ يُعرف جدالة أيضاً بأحمد الأشيب التي تصفها The Sentry بأنها "مجموعةٌ فضفاضة من الشركات يُسيطر عليها في دبي".
يشغل منصب رئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب الليبية المملوكة للدولة، ويمتلك شركة UDS Shipping Services LLC ومقرّها دبي، وشركة International Seaport Holdings المسجّلة في مالطا، ومصافيَ نفطٍ في ليبيا.
وفي يوليو 2025، اعترضت البحريتان اليونانية والإيطالية سفينة الحاويات Aya 1 التابعة لـ UDS، التي أُطلق عليها اسم ابنة جدالة، بتهمة الاشتباه في تهريب أسلحة. وتُظهر خطوط سير Aya 1 وAya 2، وهي سفينة حاوياتٍ أخرى، تنقّلهما بين موانئ ليبية كطبرق وبنغازي والإمارات العربية المتحدة.
وينفي جدالة السيطرةَ على Aya 1 أو أيّ سفينةٍ متورّطة في تهريب الأسلحة.
وخلص فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أنّ Aya 1 "صدّرت ما لا يقلّ عن 22 حاوية مزوّدة بخزانات مرنة محشوّة بزيت الوقود الثقيل من طبرق إلى الإمارات"، في ما يبدو تأكيداً لادعاء The Sentry بأنّ السفينة "استُخدمت في صادرات نفطٍ غير مشروعة".
وأفاد الفريق الأممي بأنّ جدالة يمتلك "عدة مصارف في ليبيا، من بينها مصرف الوحدة وبنك التجارة والتنمية"، وأنه "استخدم القطاع المصرفي، بدعمٍ من فاعلين مسلّحين، للحصول بصورةٍ احتيالية على خطابات اعتماد من مصرف ليبيا المركزي".
بيد أنّ جدالة ينفي امتلاك مصارف ليبية متعددة أو السيطرة عليها، وينفي ارتكاب أيّ احتيالٍ في خطابات الاعتماد.
وفي عام 2023، استحوذ جدالة على شركة الإسمنت الليبية في بنغازي، التي اشتُهرت بصلاتها بالنمساوي الفارّ Jan Marsalek، المشتبه في كونه جاسوساً روسياً يُتّهم بالتسبّب في انهيار شركة Wirecard الألمانية.
كما تُظهر سجلات Companies House البريطانية أنّ جدالة كان بين عامَي 2019، حين أُطلق هجوم حفتر على طرابلس، و2021، شريكاً في تملّك محلٍّ لبيع المشروبات الكحولية من سلسلة Nisa في مدينة برمنغهام البريطانية.
يشغل جدالة حالياً منصب مدير شركة Future Information Services لتقنية المعلومات، التي يقع مقرّها المسجّل في شارع أكسفورد بوسط لندن.
وفي صفحة Companies House المرتبطة بـ Future Information Services، يُصنَّف جدالة على أنه من مواطني سانت كيتس لا ليبياً، وتُشير بلد إقامته إلى الإمارات.
وهو يحمل فعلاً جواز سفر سانت كيتس ونيفيس، دولة الجزر الكاريبية التي يمكن الحصول على جنسيتها مقابل استثمارٍ قدره 250,000 دولار.
التمويل الإماراتي لهجوم طرابلس
بحلول أكتوبر 2018، كانت الإمارات وعائلة حفتر قد اتّفقتا على شنّ غزوٍ واسع النطاق على طرابلس. وبحسب The Sentry، كانت مجموعة Wagner، المقاول الأمني الخاص ذو الصلات بالكرملين، مستعدةً "للاضطلاع بدورٍ قتالي لكنها طالبت بتدفّقٍ ثابت من الأموال".
كانت ثمّة حاجةٌ إلى قنواتٍ خارجية (Offshore Channels) لتحريك الدولارات وتمويل العملية، وكانت الإمارات، وبدرجةٍ أقل المملكة العربية السعودية، مشتبهاً بأنهما وفّرتا الجزء الأكبر من التمويل.
وبحسب The Sentry، لجأت شبكة حفتر إلى جدالة، "مانحةً بذلك دوراً بارزاً لممولٍّ شاب كان يعمل في دبي منذ عام 2008".
ومع تولّي فرحات بن قدارة، المستشار الاقتصادي لعائلة حفتر، رئاسةَ مجلس إدارة مصرف المصرف (Al Masraf)، مدّ هذا الأخير قروضاً بقيمة 300 مليون دولار لثلاث شركاتٍ مبهمة مقرّها دبي يُسيطر عليها جدالة عام 2019، هي: JTA General Trading LLC وAl Mored Oasis General Trading LLC وANAA General Trading LLC.
وبحسب كبار مسؤولي المصرف الليبي الخارجي الذين أدلوا بشهاداتهم لـ The Sentry، فإنّ الأموال التي غادرت شركات جدالة "شبه فوراً" موّلت عمليات حفتر، و"على الأرجح موّلت نشر مرتزقة Wagner في سياق هجوم أبريل 2019" وهي اتهاماتٌ ينفيها جدالة.
وقد شكّلت الإمارات محوراً في سلاسل الإيرادات المرتبطة بـ Wagner، وأشارت تقييماتٌ واستخباراتٌ أمريكية في مناسباتٍ متعددة إلى أبوظبي بالتمويل والتعاون وتيسير عمليات Wagner، ولا سيما في ليبيا.
وخلّف هجوم طرابلس آلاف الشُّهداء، وكان مدعوماً من مصر وفرنسا إلى جانب الإمارات وروسيا، كما اضطرّ مئات الآلاف إلى النزوح من منازلهم.
وعلى الرغم من أكثر من 1,000 غارةٍ جوية إماراتية على طرابلس ومشاركة مقاتلين روس، فشل الغزو، وظلّت الأموال المُنفقة عليه في معظمها في عداد المفقودة.
وقالت The Sentry: "بعد انهيار هجوم حفتر، بقيت القروض إلى حدٍّ بعيد دون سداد، تاركةً الشعب الليبي يتحمّل العبء المالي، في حين لم يُحاسَب جدالة على شيء."
تهريب الوقود والأسلحة
يصف تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة جدالة بأنه "مواطنٌ ليبي صعد بسرعةٍ في القطاع المصرفي خلال السنوات العشر الماضية بدعمٍ من صدام حفتر".
وأفاد الفريق بأنّ جدالة "استخدم لاحقاً الأموال المتاحة له لشراء شحناتٍ من الوقود المحوَّل من فاعلين مسلّحين يعملون في غربي ليبيا وشرقيها".
وأضاف: "بدعمهم وبفضل قدراته في النقل البحري، سهّل التصدير غير المشروع لهذا الوقود من ليبيا، ولا سيما عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الجماعات المسلّحة، وأعاد بيعه بهدف الربح."
في 18 يوليو 2025، اعترضت عملية Irini التابعة للاتحاد الأوروبي سفينةَ Aya 1 أثناء إبحارها من ميناء راشد في الإمارات باتجاه بنغازي.
وحدّدت عملية Irini نقصاً في وثائق الشحن، وفتّشت في عرض البحر عيّنةً من 6 حاويات من أصل 332.
كشف التفتيش عن 12 مركبةً مُسلَّحة في بعض الحاويات. واستناداً إلى الأدلة الفوتوغرافية التي قدّمتها عملية Irini، "قيّم الفريق هذه المركبات بوصفها معدّاتٍ عسكرية"، بحسب ما أفاد فريق خبراء الأمم المتحدة في تقريره.
وأشار التقرير إلى أنّ "عملية IRINI تواصلت مع الناقل الذي يُسيطر عليه في نهاية المطاف أحمد الأشيب"، في إشارةٍ إلى جدالة.
كما أفاد الفريق بأنّ جدالة استخدم المصارف الخاضعة لسيطرته لتسهيل الاحتيال الائتماني وغسيل الأرباح غير المشروعة، مُندمجاً بذلك في شبكات تهريب الأسلحة والوقود لدى عائلة حفتر، التي تمتدّ من ليبيا إلى تشاد والسودان والنيجر ومالي وغيرها.
وأشار الفريق كذلك إلى أنّه في حالةٍ واحدة لا يُعتقد أنّ جدالة مرتبطٌ بها، جرى تحويل ذخيرةٍ كانت مخصّصةً أصلاً لقوات الدعم السريع في السودان "وإعادة بيعها لأفرادٍ متورّطين في الاتجار بالذهب في النيجر" على صلةٍ بتنظيم داعش.
مسار التوحيد الليبي
يتصاعد الاهتمام بملفّ جدالة في خضمّ الضغوط الأمريكية لتحقيق الوحدة الليبية.
في 11 أبريل، وافق الجسمان التشريعيان الليبيان المتنافسان لأول مرةٍ منذ أكثر من عقد على ميزانيةٍ موحّدة. وأعربت كلٌّ من مصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وقطر والمملكة العربية السعودية وتركيا والإمارات والمملكة المتحدة والولايات المتحدة عن ترحيبها بهذه الخطوة.
وبعد أسبوعٍ واحد، وسعياً لإضعاف النفوذ الروسي وتعزيز مكانة واشنطن في شمال أفريقيا، انطلقت تدريبات Flintlock التابعة للقيادة الأمريكية في أفريقيا (Africom) في مدينة سرت الليبية، حيث تدرّبت قواتٌ من شرق ليبيا وغربها معاً للمرة الأولى.
وقال John Brennan، نائب قائد Africom، العام الماضي: "هذه التدريبات ليست مجرّد تدريبٍ عسكري. إنها تجاوزٌ للخلافات وبناءٌ للقدرات ودعمٌ لحقّ ليبيا السيادي في تحديد مستقبلها بنفسها."
وتسير المملكة المتحدة في الاتجاه ذاته. إذ قام السفير البريطاني لدى ليبيا Martin Reynolds بزيارةٍ حديثة إلى بنغازي، التقى فيها بخالد حفتر أحد أبناء خليفة، في مشهدٍ يعكس انخراطاً دبلوماسياً بريطانياً متجدّداً مع الشرق الليبي.
بعيداً عن الاجتماعات الدبلوماسية، في الشوارع وعلى امتداد الصحراء الواسعة، لا تزال اقتصادٌ يتغذّى على الحرب يدور بلا توقّف.
أخبار ذات صلة

اشتباكات دامية في جنوب السودان تودي بحياة العشرات خلال أسبوعين

وزير الدفاع المالي يقتل في هجوم مسلح منسق على البلاد
