ريما حسن تواجه محاكمة بسبب دفاعها عن فلسطين
ريما حسن تواجه محاكمة في فرنسا بتهمة التمجيد بالإرهاب بسبب دفاعها عن فلسطين وسط حملة مضايقات قضائية وسياسية مكثفة تستهدف إسكات صوتها في البرلمان الأوروبي وتحدي انتهاك حصانتها البرلمانية وحقوقها الأساسية في التعبير وورلد برس عربي

منذ انتخابها عام 2024، باتت Rima Hassan تمثّل في نظر المؤسسة السياسية الفرنسية "العدوَّ الداخلي"، إذ تواجه وابلاً من الضغوط القضائية والإعلامية والسياسية بسبب دفاعها الصريح عن القضية الفلسطينية.
ستمثل النائب الفرنسية الفلسطينية في البرلمان الأوروبي أمام المحكمة يوم الثلاثاء بتهمة "التمجيد بالإرهاب"، وهي جريمة في القانون الفرنسي تُجرّم أشكال التعبير التي يُرى أنها تدعم أعمال إرهابية أو تُصوّرها في صورة إيجابية.
وفي حديثها عشية المحاكمة، قالت النائب الأوروبية إن ما يجري يندرج ضمن حملة ممنهجة تستهدفها بسبب جهرها بالدفاع عن فلسطين.
وتُمثّل هذه المحاكمة آخر محاولة لتوظيف القضاء ضدها بسبب انتقادها لاحتلال إسرائيل وما وصفه كثيرون بالإبادة الجماعية. ففي غضون عامين، أُطلقت ضدها 16 إجراءً قضائياً، أُسقط 13 منها دون اتخاذ أي إجراء لاحق.
وأفادت Hassan بأنها تعرّضت في الأشهر الأخيرة لضغوط قضائية وسياسية مكثّفة، واصفةً الإجراءات التحقيقية المتّخذة بحقها بأنها غير متناسبة، وتشمل انتهاك حصانتها البرلمانية، والمراقبة بأثر رجعي، فضلاً عن تسريب معلومات مزيّفة في أعقاب احتجازها في أبريل.
وأوضحت Hassan أن "المضايقة القضائية" التي تتعرّض لها تكشف "إلى أي مدى يبلغ بعضهم في سعيهم لإسكات الأصوات التي تُدين معاناة الشعب الفلسطيني".
الاحتجاز وملابسات المنشور
في 2 أبريل، احتُجزت Hassan، النائب الأوروبية عن مجموعة The Left، في الحجز بعد نشرها اقتباساً على منصة X للمناضل الياباني Kozo Okamoto، المدان بتورّطه في هجوم مطار اللد الذي قتل فيه 26 شخصاً في إسرائيل عام 1972.
وجاء في المنشور: "Kozo Okamoto: أعطيت شبابي للقضية الفلسطينية. ما دام الاضطهاد قائماً، فإن المقاومة لن تكون حقاً فحسب، بل واجباً"، مصحوباً بعلَمَي اليابان وفلسطين.
وأوضح بيان صادر عن فريق Hassan قبيل المحاكمة أن الاقتباس كان "إشارةً إلى مبدأ يقع في صميم القانون الدولي: حق الشعوب في مقاومة الاستعمار واحتلال أراضيها من قِبَل جيش أجنبي". وأشار البيان إلى أن Hassan حذفت المنشور تفادياً لأي سوء فهم محتمل.
وكان المنشور قد أُبلغ عنه لدى النيابة العامة من قِبَل النائب Matthias Renault من حزب التجمّع الوطني اليميني المتطرف، ووزير الداخلية الفرنسي، والمنظمة اليهودية الأوروبية (OJE)، ورابطة مناهضة العنصرية ومعاداة السامية (Licra). وقد تولّت النيابة العامة الملاحقةَ القضائية، وهي جهة تعمل تحت سلطة السلطة التنفيذية.
وأعلن حزبها الفرنسي، La France Insoumise (فرنسا الأبيّة، LFI)، بما فيه رئيسه والمرشح الرئاسي Jean-Luc Melenchon، تضامنه مع Hassan، مؤكّداً أن احتجازها يندرج ضمن مخطط لإسكات الأصوات المؤيّدة لفلسطين.
"إجراءات غير متناسبة"
احتُجزت Hassan في الحجز لأكثر من 13 ساعة في 2 أبريل رغم تمتّعها بالحصانة البرلمانية، وفق ما أفاد فريقها. وتهدف الحصانة البرلمانية للنائب الأوروبي إلى صون حرية التعبير واستقلالية الممثّل المنتخَب عن الضغوط الخارجية، ولا سيّما تلك التي تمارسها الدول.
وكانت Hassan قد انتُخبت في البرلمان الأوروبي في 9 يونيو 2024 ممثّلةً لحزب LFI، لتكون بذلك أول مواطنة فرنسية من أصول فلسطينية تشغل مقعداً في البرلمان الأوروبي.
وقال فريق Hassan: "منذ انتخابها، باتت Rima Hassan هدفاً لمضايقة سياسية وقضائية ممنهجة تهدف إلى إسكات خصم سياسي وتشويه سمعته".
وخلال احتجازها في أبريل، خضعت Hassan لاستجواب شديد التدخّل في خصوصيّاتها تمحوَر حول هويّتها وأصولها ودينها، "دون أي صلة بالوقائع المزعومة"، على حدّ قولها.
وأضافت: "هذا الأسلوب يعكس مناخاً سياسياً يُنظر فيه إلى الفلسطينيين، أو من يُعدّون كذلك، باعتبارهم مشبوهين قبل أن يُنظر إليهم باعتبارهم مواطنين".
وتابعت: "هذا النزوع المتغذّي من الإسلاموفوبيا والعنصرية المعادية للفلسطينيين يُرسّخ صورة 'العدو الداخلي' الخطيرة".
وعبر محاميها وموقع Mediapart الاستقصائي الفرنسي، علمت Hassan بأن موارد تحقيقية وصفتها بأنها "بالغة الاتساع وغير متناسبة البتة" قد حُشدت في مواجهتها. وشملت هذه الإجراءات وضع هاتفها تحت المراقبة بأثر رجعي منذ مطلع العام، وإعادة تتبّع تنقّلاتها بين يناير ومطلع مارس عبر طلب بيانات السفر من شركتَي السكك الحديدية الفرنسيتَين SNCF وThalys، كما طُلب من Europol وAir France الإفصاح عن سجلّات سفرها الكاملة.
وقالت Hassan: "هذه الأساليب تُقدَّم عادةً باعتبارها أدوات لمكافحة أشد أشكال الجريمة خطورة".
وقد أطلقت Hassan عدة إجراءات قانونية ومؤسسية لمواجهة الانتهاكات المزعومة، وتأمل في صدور حكم بالبراءة في 7 يوليو.
وختمت بقولها: "الوقائع المنسوبة إليّ لا تستوجب هذه الإجراءات، لكن بعيداً عن وضعي الشخصي، آمل أن تُفضي هذه المحاكمة إلى يقظة جماعية".
"عملية تضليل"
خلال احتجاز Hassan، سُرّبت إلى الصحافة معلومات مزيّفة تدّعي حيازتها مخدّرات، في انتهاك صريح لسرّية التحقيق.
ووفق ما أوردته صحيفة Le Canard Enchaîné الفرنسية، كان المتحدّث الرسمي لوزارة العدل، Sacha Straub-Kahn، متورّطاً مباشرةً في تسريب هذه الادعاءات الكاذبة ونشرها خلال فترة الاحتجاز.
وعقب الإفراج عنها، أكّدت Hassan في منشور أنها كانت تحمل بحوزتها زيت CBD لأغراض طبية.
ووصفت Hassan هذه الادعاءات بأنها "عملية تضليل حقيقية"، مضيفةً: "جرى تداول معلومات غير موثّقة دون احترام أبسط قواعد الصحافة: التحقّق من الوقائع، والتثبّت من المصادر، وضمان حق الرد. كان الهدف واضحاً: تحويل النقاش السياسي، والنيل من سمعتي، وزرع الشكوك في الرأي العام. حين يحلّ الشائعُ محلّ الثابت، تضعف الديمقراطية ذاتها".
وأقامت Hassan شكوى إثر هذه التسريبات تندّد فيها بخرق سرّية التحقيق، فأعلنت نيابة باريس فتح تحقيق في خرق السرية "نظراً لتوقيت المعلومات المنشورة في وسائل الإعلام خلال فترة الاحتجاز وقبل أي إفصاح قانوني، ومستوى تفاصيلها". وأعلن وزير العدل إحالة التسريبات إلى المفتشية العامة للعدالة، فيما رفع Straub-Kahn دعوى تشهير.
"قلب موازين المسؤولية"
تكشف القضية المرفوعة ضد Hassan عن هجوم سياسي أشمل يستهدف تجريد التضامن مع فلسطين من شرعيّته.
وقد أجرت الشرطة الفرنسية في السنوات الأخيرة تحقيقات بارزة مع شخصيات عامة أبدت تضامنها مع فلسطين، ولا سيّما في صفوف حزب LFI. ففي عام 2024، استُدعي السياسي اليساري Anasse Kazib في إطار تحقيق لمكافحة الإرهاب على خلفية تغريدات أعرب فيها عن تضامنه مع فلسطين، كما أُوقف النائب الفرنسي عن LFI Sebastian Delogu لمدة 15 يوماً وخُفّض راتبه لشهرَين بعد رفعه العلم الفلسطيني في الجمعية الوطنية.
كذلك استُدعيت Mathilde Panot، رئيسة كتلة LFI في الغرفة السفلى، للاستجواب ثم أُسقطت القضية ضدها إثر بيان الحزب الصادر في 7 أكتوبر، بدواعي أن البيان قد يُشكّل "تمجيداً بالإرهاب".
وقُبيل الانتخابات البلدية الفرنسية في وقت سابق من هذا العام، استُهدف ثلاثة مرشّحين لمنصب رئيس البلدية من حزب LFI ممّن جاهروا بدعمهم لفلسطين في حملة تشهير يُزعم أن شركة BlackCore الإسرائيلية نفّذتها.
وتُشير أرقام وزارة العدل إلى أن عدد الملاحقات القضائية بتهمة "التمجيد بالإرهاب" تضاعف ثلاث مرات بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2024، قياساً بالفترة الممتدة بين يناير وسبتمبر 2023.
وقد ندّد Marc Trevidic، الذي شغل لتسع سنوات منصب قاضي تحقيق في وحدة مكافحة الإرهاب في باريس، بما وصفه المختصّون بـ"إساءة استخدام قوانين مكافحة الإرهاب".
وقال Trevidic في مقابلة مع TRT France عام 2024: "نشهد إساءة استخدام حقيقية، وتوظيفاً منحرفاً تماماً للقانون".
ويرى فريق Hassan القانوني أن المحاكمة تجسّد "قلب موازين المسؤولية الجاري: فالذين يُدينون إبادةً جماعية يُلاحَقون قضائياً، بدلاً من ملاحقة المسؤولين عن ارتكابها".
وخلصت Hassan إلى القول: "إن هذا التقاضي حول النقاش العام يهدف إلى جعل أي انتقاد للسياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية مكلفاً سياسياً. إنه أسلوب لإسكات صوت سياسي عوضاً عن الردّ عليه ديمقراطياً. كل هذه الإجراءات تسير وفق منطق واحد: خلق مناخ من الترهيب لثني الناس عن الانخراط المدني".
أخبار ذات صلة

بوليوود و"تشاوهان": كيف يُهوّن السينما من معاناة الكشميريين المشوّهين

إسرائيل: دعوات بريطانية لمحاسبة نتنياهو و وزير العدل على انتهاكات بحق الفلسطينيين

تقرير عصابات الاستدراج: كيف حوّل روبير لاو الاعتداء على الأطفال إلى دعاية معادية للإسلام
