وورلد برس عربي logo

آثار بندق الخردق في كشمير وحياة الضحايا المتغيرة

حياة إنعام أحمد تغيرت للأبد بعد إصابته ببنادق الخردق في كشمير التي أودت ببصره وألقت بظلال الألم واليأس عليه وعائلته. قصة تُسلط الضوء على مأساة المدنيين في صراع مسلح وأثر الأسلحة القاسية على الإنسانية في وورلد برس عربي.

شاب مصاب يُنقل على نقالة في كشمير بعد تعرضه لإصابة في العين جراء استخدام بنادق الخردق الهندية ضد المحتجين.
يحمل متطوعون وعاملون طبيون من كشمير شابًا جريحًا أصيب برصاصات مطاطية أطلقتها القوات الهندية في منطقة كولغام بكشمير، داخل مستشفى في سريناغار، 29 مايو 2019 (توسيف مصطفى/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

خلف نظّارته السميكة، تتحرّك عينا إنعام أحمد البالغ من العمر 25 عاماً بوميضٍ متعثّر يكشف عن ضررٍ دائم خلّفته رصاصات الخردق في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية.

يقول أحمد: "حياتي ليست مظلمةً كلياً، لكنّني أعيش مع الألم كلّ يوم حين تتحرّك حبّات الخردق داخل جمجمتي أو ترتفع حرارتها." فقد أحمد 80% من بصره عام 2017 حين كان في السادسة عشرة من عمره، بعد أن اخترقت الخردقاتُ التي أطلقتها القوّات الهندية المسلّحة جلدَه واستقرّت في رأسه خلف عينيه.

ويضيف: "تُسبّب لي آلاماً جسديةً هائلة، وتُذكّرني دائماً بأنّني لن أكون طبيعياً مجدّداً"، واصفاً عشرات الحبّات المعدنية التي لا تزال عالقةً في جمجمته ورقبته.

تُمسك فهميدة جان، والدة أحمد، بصورةٍ قديمة له حين كان طفلاً صغيراً. تقول إنّه كان ممتلئاً بالحياة قبل أن تُصيبه الخردقات. تُظهر الصورة طفلاً في الثالثة من عمره يرتدي بدلةً رياضيةً خضراء، يُمسك بيد أخته الصغرى وعيناه تتطلّعان إلى الأعلى.

تقول جان: "بعد عمليّاتٍ جراحية متكرّرة، وتكاليف ماليةٍ باهظة، وتعليمٍ ضائع، قلبت هذه الحادثة حياتنا رأساً على عقب. يبلغ به اليأس حدّاً يشدّ فيه شعره من الإحباط، ويصبح عدوانياً، ويتمنّى إنهاء حياته."

وتروي أنّها حين كانت تُرافق أحمد للعلاج خارج كشمير، طلبت مرّةً من طبيبٍ أن يأخذ إحدى عينيها لابنها، لكنّ الطبيب أخبرها باستحالة مثل هذه العملية.

تقول: "أردتُ أن يُبصر مجدّداً"، مضيفةً أنّه كان قد اجتاز امتحان الشهادة الإعدادية حين أُصيب، فأغلق الجرحُ أمامه أبوابَ التعليم.

وتختم: "لا يعلم ما يفعله هذا السلاح إلّا من أصابه."

صُمّم بندق الخردق في الأصل للصيد، وهو يُطلق مئات الشظايا المعدنية الصغيرة، وقد وظّفته القوّات الهندية في مواجهة المحتجّين في كشمير.

وبينما يظلّ هذا السلاح القاسي محظوراً في كثيرٍ من دول العالم حتّى في صيد الحيوانات، أعلن مقطعٌ ترويجيٌّ مدّته 144 ثانية لفيلمٍ هندي بعنوان Chauhaan أنّ هذه الخردقات المعدنية تُلحق "أضراراً محدودة" بالمحتجّين.

بالنسبة للناجين كأحمد الذي فقد بصره حين كان واقفاً أمام منزله في سريناغار، فإنّ الأضرار لا تقترب من كونها محدودة.

أثار المقطع الترويجي الذي صدر في 28 يونيو موجةً واسعة من الغضب، إذ رأى المنتقدون أنّه يُهوّن من الأزمة الإنسانية التي خلّفتها بنادق الخردق، والتي تسبّبت في حالات عمىً جماعية في المنطقة.

الفيلم من إنتاج Bollywood، ويُجسّد دور البطولة فيه Ajay Devgn، ومن إخراج Neeraj Yadav وإنتاج Colour Yellow Productions وJio Studios. وتملك Jio Studios شركةُ Reliance Industries التي يقودها الملياردير Mukesh Ambani. وقد وصف معارضون هنود مصالحَ Reliance الإعلامية بأنّها متوائمة بشكلٍ وثيق مع حكومة رئيس الوزراء Narendra Modi والخطاب اليميني الهندوتفي لحزبه في شأن كشمير.

يدور الفيلم في خضمّ الصراع في كشمير، المنطقة المُقسَّمة بين الهند وباكستان والصين، ومن المقرّر عرضه في دور السينما في أكتوبر من العام المقبل. ولم تُكشَف تفاصيل محدّدة عن الحبكة حتّى الآن، غير أنّ مشاهد رشق الحجارة وإصابات الخردق والعمليات شبه العسكرية تُشير إلى سرديّةٍ متجذّرة في الصراع السياسي. وفي المقطع الترويجي، يُقدّم صوت Devgn بنادق الخردق وسيلةَ السيطرة على الحشود المعتادة في الهند على أنّها غير كافية، في ما يبدو دعوةً إلى تدابير أشدّ قسوة.

ما بنادق الخردق؟

بندق الخردق هو سلاحٌ ناريٌّ من عيار 12 ذو آليّة ضخٍّ يدوي، يُطلق خرطوشةً تحتوي على 360 إلى 600 حبّة صغيرة من الرصاص والمعدن تنتشر عشوائياً على مساحةٍ واسعة، ممّا يجعل الاستهداف الدقيق أمراً مستحيلاً.

أُدخل هذا السلاح إلى كشمير عام 2010 في أعقاب احتجاجاتٍ شعبية ضدّ الهند قُتل فيها أكثر من 100 شخص على أيدي القوّات الهندية المسلّحة، وأعلنت السلطات رسمياً أنّه "جهازٌ غير قاتل للسيطرة على الحشود". وقد طعنت في هذا التوصيف منظماتٌ طبيّة وحقوقية عديدة.

وصف مكتب المفوّض السامي للأمم المتّحدة لحقوق الإنسان بندقَ الخردق بأنّه "أحد أخطر الأسلحة المستخدَمة في كشمير". وجاء في توجيه أممي صادر عام 2020 بشأن استخدام الأسلحة "الأقلّ فتكاً" في عمليات إنفاذ القانون: "لا ينبغي أبداً استخدام الخردق المعدني، بما في ذلك ما تُطلقه بنادق الخردق."

وأكّدت منظمة Amnesty International في أحد تقاريرها أنّ "الإصابات والوفيات التي يُخلّفها هذا السلاح القاسي تشهد على مدى خطورته ودقّته المنعدمة وعشوائيّته."

وكشفت أرقامٌ رسمية أُفصح عنها في الجمعية التشريعية الكشميرية عام 2018 أنّ 6221 شخصاً أُصيبوا بالخردق المعدني بين يوليو 2016 ومارس 2017. ولا تتوفّر أرقامٌ نهائية عن إجمالي عدد المصابين والقتلى جرّاء هذا السلاح.

مجتمع ما بعد الحقيقة

لا يقف فيلم Chauhaan وحيداً في استقطاب الانتقادات من كشمير بسبب تمجيد العنف والترويج للأيديولوجيا الهندوتفية. يرى السكّان المحلّيون والناشطون أنّ أفلام Bollywood تُبيّض بانتظامٍ معاناةَ المدنيين وتُحرّف تاريخ المنطقة تحريفاً ممنهجاً.

استقطبت أفلامٌ من قبيل Uri: The Surgical Strike وShikara وThe Kashmir Files وArticle 370 انتقاداتٍ واسعة بسبب "تكريس صورة مسلمي كشمير إرهابيّين" وتزوير الأحداث التاريخية بدعمٍ رسمي. وقد أيّد Modi فيلمَ Article 370 الذي يُمجّد الإلغاء الأحادي الجانب للوضع شبه المستقلّ لكشمير وتجريدها من حقوقها السياسية عام 2019.

يرى المراقبون أنّ الدولة الهندية توظّف السينما لأغراضٍ سياسية في خدمة أجندةٍ هندوتفية. وفي هذا السياق، يصف الكاتب Mirza Waheed المشاهدَ والحواراتِ في المقطع الترويجي بأنّها تعكس "تآكلاً في المعايير الاجتماعية الأساسية، وفي اللياقة والمدنية في الفضاء العام."

ويرى Waheed أنّ إصرار الفيلم على توسيع نطاق العنف الجسدي في كشمير يُشير إلى تحوّلٍ في عقليّة مشاهدي السينما الهندية.

يقول: "في الثقافات السويّة، يُتوقَّع من صنّاع الأفلام أن يُصوّروا حياة هؤلاء الضحايا على الشاشة: كيف يبدو الأمر لفتىً أو فتاةٍ في مقتبل العمر فقد بصره نهائياً جرّاء هذه الأسلحة الوحشية؟ كيف يبدو عالمه؟ وماذا بقي من أحلامه؟"

ويُضيف: "لكنّ الفيلم يدعو صراحةً إلى تكتيكاتٍ أشدّ قسوةً وفتكاً."

ويصف Waheed ذلك بأنّه عَرَضٌ من أعراض بيئة "ما بعد الحقيقة ومعاداة التاريخ" السائدة في شرائح واسعة من المجتمع الهندي المعاصر.

ويحتجّ قائلاً: "تسعى هذه الروايات الكاذبة إلى تزوير التاريخ الكشميري الحديث، وتُصوّر الضحايا في صورةٍ مُجرَّدة من إنسانيتها بالكامل، فيما يُرسَم الجلّادون في هيئة الأبطال الفضلاء."

"مُقلِق للغاية"

بعيداً عن كونها محدودة، تتجلّى الأضرار الجسدية والنفسية الدائمة الناجمة عن استخدام بنادق الخردق في كشمير الخاضعة للإدارة الهندية في حالة إنشا مشتاق. كانت في الرابعة عشرة حين أُصيبت وهي واقفةٌ قرب نافذة منزلها في منطقة شوبيان جنوبي كشمير عام 2016. خلّفت الإصابات التي طالت جمجمتها تشوّهاً في ملامح وجهها، وفقدت بصرها كلياً منذ تلك اللحظة.

وفي المنطقة ذاتها، أُصيبت حبة نصار البالغة من العمر 18 شهراً، أصغر ضحايا بنادق الخردق، عام 2018 وهي في حضن أمّها.

وصف آغا روح الله مهدي، البرلماني الكشميري عن حزب المؤتمر الوطني الحاكم، المقطعَ الترويجي لفيلم Chauhaan بأنّه "مُقلِق للغاية".

وكتب في منشورٍ على منصّة X: "المقطع الترويجي لـChauhaan مُقلِقٌ للغاية لكلّ كشميري يحمل ذاكرة تلك السنوات التي باتت فيها بنادق الخردق رمزاً للألم والخسارة التي لا تُعوَّض."

وأضاف: "ما يصفونه بـ'غير الفعّال' خلّف وراءه آلاف الأرواح المحطّمة"، مُتابعاً: "بالنسبة لمن فقدوا أبصارهم، ومن لا يزالون يحملون الخردق في أجسادهم، والعائلات التي تحمل هذه الندوب حتّى اليوم، هذا ليس مشهداً حركياً أو خلفيةً سينمائية. إنّه صدمةٌ حيّة يعيشونها."

وختم: "ومن المؤسف أنّ هذا ليس حادثةً معزولة. مراراً وتكراراً، اختارت السينما السائدة كشمير مسرحاً لروايات تُختزل فيها شعبٌ بأكمله في الصراع والريبة والعنف."

وقال مهدي، الذي كثيراً ما انتقد الحكم الهندي في كشمير، إنّ مثل هذه التصويرات "تُرسّخ صوراً نمطيةً أمضى كثيرٌ من الكشميريين سنواتٍ في محاولة تجاوزها"، مُضيفاً أنّ "كشمير تستحقّ التعاطف والصدق والكرامة، لا تسليع ألمها."

"سرديّة فاشية"

أخبرت الدكتورة Niharika Pandit، صاحبة كتاب Occupying the Everyday: Militarisation and Gendered Politics of Living in Kashmir الذي يدرس تداعيات ما تصفه بالتعسكر الشامل في كشمير، بأنّ أفلام Bollywood تورّطت في تنميط مسلمي كشمير إرهابيّين مع التعتيم في الوقت ذاته على واقعهم المعاش.

وقالت: "Bollywood، ولا سيّما بعد عام 2014، تورّطت في السير على خطّ الحزب الحاكم في الهند، حيث باتت الأفلام حرفياً آلةَ علاقاتٍ عامة بيد الدولة."

وأشارت Pandit إلى أنّ السينما الهندية كانت تُصوّر الكشميريين في السابق شعباً أثيرياً لكن بلا إرادة، أمّا الموجة الأخيرة من الأفلام فتُنبئ بأنّ رسائلها باتت أكثر دعائيةً وتحريضاً.

وأضافت: "تُروّج هذه الأفلام للسرديّة الفاشية القائلة بأنّ كلّ شيءٍ طبيعيٌّ في كشمير، وتُضفي شرعيةً على قرارات الدولة الأخيرة كإلغاء المادّتَين 370 و35A، ممّا يُعمّق محو تاريخ كشمير وواقعها."

وترى Niharika أنّ أشكال التحقير والمحو اليومية التي يواجهها الكشميريون عبر أفلام السينما الهندية تُشكّل "عنفاً معرفياً (Epistemic Violence)".

وختمت: "أوّلاً تُلحق بالناس عنفاً جسدياً واسع النطاق أعجز كثيرين من الكشميريين الشباب، ثمّ تتظاهر بأنّ ذلك لم يحدث أو أنّه كان 'ضرورياً' للأمن القومي."

أمّا الأكاديمي الكشميري الدكتور Mohamad Junaid، الأستاذ في Massachusetts College of Liberal Arts، فيرى أنّ السينما الهندية كثيراً ما أضفت على طبيعة كشمير طابعاً استشراقياً وشيطنت أهلها.

ويقول: "العنف نتيجةٌ طبيعية لهذه الديناميكية. ينبغي لصنّاع الأفلام الهنود أن يسألوا أنفسهم لماذا لا يُشاهد الكشميريون أفلامهم. لكنّ السينما الهندية ليست إلّا انعكاساً لما أحدثه اليمين الهندوسي في الفضاء العام."

أخبار ذات صلة

Loading...
رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ووزير العدل يشاركان في جلسة برلمانية وسط مطالب بفرض عقوبات بريطانية على انتهاكاته ضد الفلسطينيين.

إسرائيل: دعوات بريطانية لمحاسبة نتنياهو و وزير العدل على انتهاكات بحق الفلسطينيين

يطالب عشرات المشرعين البريطانيين بفرض عقوبات على نتنياهو بسبب الانتهاكات الممنهجة بحق الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية. اكتشف التفاصيل وكن جزءاً من الدعوة للعدالة الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
رجل يحمل منشورات انتخابية في شارع سكني وسط سيارات متوقفة، يعكس نشاطاً سياسياً مرتبطاً بتقرير Rupert Lowe حول عصابات الاستدراج وتأثيرها الاجتماعي.

تقرير عصابات الاستدراج: كيف حوّل روبير لاو الاعتداء على الأطفال إلى دعاية معادية للإسلام

تقرير Rupert Lowe يكشف تحريف مصطلح "عصابات الاستدراج" لاستهداف المسلمين وإثارة الهلع الاجتماعي دون أدلة قانونية. اكتشف الحقيقة وكن جزءاً من الحوار الواعي. اقرأ المزيد الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
مدنيون سودانيون يمدون أيديهم لاستلام مساعدات إنسانية في الأبيض وسط أزمة غذاء حادة بسبب النزاع المسلح.

الأمم المتحدة تُطلق تحذيراً شديد اللهجة من العنف المتصاعد حول مدينة الأبيض السودانية

تحذير أممي عاجل من كارثة حقوقية في مدينة الأبيض وسط السودان حيث تستمر الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، مهددة بحياة المدنيين وشح الموارد الأساسية. اكتشف تفاصيل النزاع وتأثيره الإنساني وكن جزءًا من الوعي العالمي الآن.
حقوق الإنسان
Loading...
منزل في ولاية أوهايو حيث عُثر على 16 طفلاً في ظروف قاسية، مما أثار قضايا إساءة الأطفال ونقص الأسر الحاضنة في الولاية.

الأطفال المحررون من منزل أوهايو: التحديات القانونية والنفسية في الطريق

في Ohio، تم إنقاذ 16 طفلاً من ظروف قاسية وإهمال مدمر، ما يسلط الضوء على تحديات رعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. اكتشف المزيد عن هذه القصة المؤثرة وكيفية دعمهم في رحلة التعافي.
حقوق الإنسان
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية