وورلد برس عربي logo

الاقتصاد الفلسطيني بين القيود الإسرائيلية والانهيار المتسارع

في ظل إلغاء تصاريح العمل وتقييد الحركة، يعاني الفلسطينيون في الضفة الغربية من أزمة اقتصادية خانقة تدفعهم للمخاطرة بالتسلل إلى إسرائيل بحثاً عن لقمة العيش في ظل سيطرة إسرائيلية مشددة على الاقتصاد وحركة العمال وموارد السلطة. وورلد برس عربي

جنديان إسرائيليان في نقطة تفتيش بالضفة الغربية عند الغروب، يعكسان القيود الأمنية التي تؤثر على حركة العمال الفلسطينيين.
يحرس الجنود الإسرائيليون الموقع بينما يتجمع الفلسطينيون عند حاجز قلنديا في مدينة رام الله بالضفة الغربية المحتلة في 20 فبراير 2026، استعدادًا لدخول القدس (جعفر أشتيه/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

في أبريل الماضي، تسلّل نحو 70 رجلاً فلسطينياً إلى داخل شاحنة قمامة، على أملٍ في العبور إلى إسرائيل دون أن يُكشف أمرهم، بحثاً عن عمل يُعينهم على الحياة.

غير أنهم اكتُشفوا سريعاً عند نقطة تفتيش في الضفة الغربية، فبقوا محاصرين تحت أكياس النفايات أكثر من ساعتين في حرٍّ لافح، قبل أن يُسحبوا ويُعتقلوا على أيدي جنود إسرائيليين.

كان ماجد، البالغ من العمر 37 عاماً، من بلدة بيت فريك جنوب نابلس، واحداً من هؤلاء العمال المحشورين داخل الشاحنة. طلب ألّا يُذكر اسمه الحقيقي.

قال : "في البداية حين أوقفونا، كنّا نخشى الذهاب إلى السجن. ثم حين طال الانتظار، خفنا أن نموت."

ما أقدم عليه ماجد من أجل إيجاد عمل وإعالة أسرته ليس حالةً استثنائية. فعقب السابع من أكتوبر 2023 مباشرةً، ألغت إسرائيل نحو 150,000 تصريح عمل. ومع نفاد المدّخرات، لم يجد كثيرٌ من الفلسطينيين بُدّاً من التسلّل إلى إسرائيل خِلسةً.

لكن إلغاء التصاريح ليس وحده المحرّك وراء الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، التي شهدت تراجعاً في الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 20 بالمئة. فرغم أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي من صنعت هذا الانهيار، فإن القيود المفروضة منذ بدء الاحتلال هي التي جعلت الضفة هشّةً بهذا الشكل أمام مثل هذه الصدمات.

جذور الهشاشة الاقتصادية

في البداية، ارتفعت الأجور مع مطلع الاحتلال حين أُتيح للفلسطينيين الدخول إلى سوق العمل الإسرائيلية. لكن العقود التالية شهدت ما بات يُعرف بـ"نزع التنمية"، إذ نشأت قاعدة زراعية وصناعية متقزّمة لا مجال لها للنمو.

وبحسب تقرير أممي صدر عام 1984، فإن القيود المفروضة على الإنتاج الزراعي والصناعي، وضوابط الاستيراد والتصدير، وغياب الاستثمار في ظل انعدام منظومة مالية متكاملة، أفضت إلى تبعيةٍ اقتصادية كاملة للضفة الغربية تجاه إسرائيل.

وأشار التقرير إلى أن هذه التحولات أفرزت "شُحّاً نسبياً في فرص العمل داخل الأراضي المحتلة، ما دفع قوة العمل الفلسطينية إلى التنقل اليومي نحو إسرائيل."

وقد تنامى هذا التدفق تدريجياً، حتى كان ثلث القوى العاملة الفلسطينية يعمل في إسرائيل بحلول الثمانينيات.

للسيطرة على هذا التدفق، أُدخل عام 1972 نظام تصريح خروج عام، أتاح حرية تنقّل نسبية بين الأراضي المحتلة وإسرائيل، إذ لم يكن العمال بحاجة إلى موافقة فردية لكل حالة على حدة.

جاء الإصلاح الجوهري الأول عام 1991، حين أُلغي النظام العام وأصبحت التصاريح فردية. فبعد أن كانت حرية التنقل هي الأصل، باتت تستلزم تصريحاً خاصاً.

وفي حديثه قال وليد حبّاس من المنتدى الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية إن هذا التحول، مقروناً ببناء جدار الفصل ابتداءً من عام 2002، جعل "النظام أكثر فاعليةً في التحكم بحركة التنقل وقوة العمل والتجارة."

ومنذ التسعينيات، أبدت السلطات الإسرائيلية استعداداً لتوظيف هذا النظام سلاحاً، إذ جمّدت التصاريح في أعقاب الهجمات التي نفّذها فلسطينيون وخلال الانتفاضة الثانية (2000-2005).

بروتوكول باريس وإيرادات المقاصة

في مرحلة أوسلو، رسّخت إسرائيل سيطرتها على الاقتصاد الفلسطيني عبر بروتوكول باريس. بموجب هذا الاتفاق، باتت تجبي الرسوم الجمركية وضرائب الشراء وضريبة القيمة المضافة على الواردات نيابةً عن السلطة الفلسطينية الوليدة.

وكان يُفترض أن تُحوَّل هذه الأموال، المعروفة بـإيرادات المقاصة، إلى خزينة السلطة شهرياً. غير أن إسرائيل، شأنها شأن نظام التصاريح، كثيراً ما استخدمتها ورقةَ ضغطٍ على الضفة الغربية، بتأخير تحويل هذه الأموال أو حجبها كلياً.

ويرى حبّاس أن التعامل مع الاقتصاد الفلسطيني كياناً مستقلاً عن إسرائيل أمرٌ مُضلِّل، قائلاً: "نحن نتحدث عن منظومة تهيمن فيها إسرائيل وتفرض قيوداً صارمة بهدف السيطرة على الفلسطينيين وإدارة شؤونهم."

الانهيار المتسارع بعد أكتوبر 2023

في الأشهر التي سبقت السابع من أكتوبر، كان خُمس القوى العاملة في الضفة الغربية يعبر إلى إسرائيل يومياً بحثاً عن عمل. وكانت إيرادات المقاصة تمثّل نحو 70 بالمئة من إجمالي دخل السلطة الفلسطينية. وفور وقوع الهجوم، سحبت الحكومة الإسرائيلية كلا الورقتين: ألغت جميع التصاريح وجمّدت الأموال.

و أوضح مسيّف مسيّف من معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية أن الخسارة المفاجئة للأجور الخاصة والإيرادات العامة في آنٍ واحد ضربت الضفة الغربية بأسرها، بمن فيهم العاملون داخل أراضيها.

وقال : "القطاع الخاص يعاني ولا يستطيع بيع منتجاته، لأن القدرة الشرائية للأسرة باتت متدنيةً جداً."

ماجد وأسرته من بين مئات الآلاف الذين يتحمّلون العبء الأثقل جراء هذا الحصار. قبل الحرب، أمضى ست سنوات يعمل في قطاع البناء في محيط تل أبيب، يكسب ما بين 7,000 و8,000 شيكل شهرياً. كان العمل شاقاً يغادر البيت في الثالثة فجراً ولا يعود إلا مساءً لكنه كان يشمل تأميناً، وكان قادراً على ادّخار نحو نصف ما يكسبه.

خلال العام الأول من الإغلاق، أبقت تلك المدّخرات أسرته واقفةً على قدميها. حين نفدت الأموال، تسلّل هذا الأب لطفلين مرتين عبر جدارٍ قرب القدس، مكث في إسرائيل عدة أسابيع في كل مرة يعمل فيها بصورة غير نظامية.

"بحثت عن عمل هنا ولم أجد شيئاً"، قال، مضيفاً أنه "حين يكون عليك ضغطٌ لتوفير القوت، لا بدّ أن تفكر في طريقة."

لم يكن التنقل دون تصريح أمراً جديداً قبل الحرب إذ كان يُقدَّر أن نحو 50,000 فلسطيني يعملون بهذه الطريقة لكنه بات أشدّ خطورةً بكثير. فإلى جانب حالات الاعتقال، ارتقى نحو 50 رجلاً . وكان وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير قد صرّح بأن إطلاق النار على العمال "بدأ يُخفّض الأعداد."

في عبوره الثالث، اختار ماجد شاحنة القمامة بعد أن أُخبر بأنها الطريق الأكثر أماناً. "لا أحد يراك، فعلى الأقل لن تُقتل"، قال.

ومع ذلك، اعتُقل ماجد ورفاقه واحتُجزوا في مخفر شرطة داخل مستوطنة مجاورة. وأُفرج عمن لا سوابق قضائية لهم، ومنهم ماجد، في اليوم التالي، وأُجبروا على العودة سيراً على الأقدام متجاوزين المستوطنات في ساعات الفجر الأولى.

بعد ما يقارب ثلاث سنوات على بدء الإغلاق، لا يبدو الحظر في طريقه إلى الرفع. أعادت إسرائيل نحو 7,000 تصريح في قطاعات تعدّها حيوية، لكن الغالبية العظمى من الفلسطينيين لا تزال ممنوعة من العمل.

وسلّط مسيّف الضوء على حجم التدهور قائلاً: "هذا لم يحدث في أي اقتصادٍ في العالم"، مؤكداً أنه "لا توجد دولة تعاني من بطالة 15 بالمئة... في فلسطين، نتحدث الآن عن 30 بالمئة."

هذه البطالة الواسعة دفعت معدل الفقر إلى الضعف مقارنةً بما قبل الحرب، من 12 بالمئة إلى 28 بالمئة.

اليوم، يعيش ماجد على ما يستطيع والده أن يعطيه، غير متيقّن مما إذا كان سيخاطر بتكرار الرحلة. يثقل على قلبه أمر أطفاله أكثر من أي شيء آخر.

"ماذا سيحدث لهم في المستقبل؟ أنا قلقٌ من أنني لن أستطيع توفير ما يحتاجون إليه"، قال.

ومرّ والده بجانبه يسوق قطيعاً صغيراً من الغنم هو المصدر الوحيد للدخل لأسرة كانت يوماً في وضعٍ مادي مريح.

"أنا مكتئبٌ من كل ما جرى"، قال. "لقد أصبحت كالجسد الميت."

أخبار ذات صلة

Loading...
مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية يقف بجانب مركبة عسكرية في القامشلي، في سياق حل القوات واندماجها بالجيش السوري الرسمي.

الأكراد بين الأمل والحذر: حل قوات سوريا الديمقراطية والالتحاق بالجيش النظامي

في تحول تاريخي، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حلّها واندماجها بالجيش الوطني، ما يفتح أفقاً جديداً لحقوق الأكراد ووحدة سوريا. اكتشف تفاصيل هذه الخطوة الحاسمة وتأثيرها على مستقبل المنطقة. اقرأ المزيد الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
رجال يحملون جثمان الصحفي الفلسطيني أحمد وشاح مرتدياً سترة الصحافة وسط حزن في جنازة بغزة بعد اغتياله بغارة إسرائيلية.

الصحفيون الفلسطينيون بين الواقع والحياد: هل يبقى الصمت خياراً؟

في ظل تصاعد العنف في غزة، يستمر استهداف الصحفيين الفلسطينيين، حيث استشهد على يد إسرائيل أكثر من 220 صحفياً خلال أقل من عامين. اكتشف تفاصيل هذه المأساة الإنسانية وتأثيرها على حرية الصحافة. اقرأ المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
امرأة فلسطينية ترتدي عباءة تقف على شرفة منزل محاصر في قصرة مع طفلين، تعكس معاناة الحصار ونقص الغذاء في الضفة الغربية.

الفلسطينيون المحاصرون بالمستوطنين: «نحن نموت جوعاً»

في ظل حصار خانق على منازل فلسطينية في قصرة، يعاني السكان نقصاً حاداً في الغذاء وسط تضييقات الجيش والمستوطنين. اكتشف تفاصيل الحصار وتأثيره على العائلات الفلسطينية واستمر في القراءة لمعرفة المزيد.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير الخارجية البريطاني يتحدث في اجتماع رسمي وسط حضور نسائي، في سياق إدانة تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي عن العنف في غزة.

الحكومة البريطانية تدين تصريحات بن غفير "المشينة" حول قتل الفلسطينيين

تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي Itamar Ben Gvir التي تدعو إلى قتل فلسطينيين في غزة أثارت ردود فعل غاضبة من الحكومة البريطانية التي وصفتها بالبشعة والمُهينة للإنسانية. اكتشف التفاصيل وتأثيرها على السلام في المنطقة.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية