وديعة تضمن إزالة الحطام الفضائي وحماية المدار الأرضي
اقترح باحثون وديعة مالية على مشغلي الأقمار الاصطناعية تُسترد عند إزالة المركبات من المدار بنجاح. الفكرة تحوّل التلوث الفضائي من عبء عام إلى مسؤولية فردية وتعد خطوة عملية للحد من الحطام وضمان استدامة الفضاء وفق وورلد برس عربي.

ماذا لو اشترطت الدول على كل مشغّل أقمار اصطناعية أن يدفع وديعة قبل الإطلاق، ولا يستردّها إلا إذا أنزل مركبته من المدار بسلام؟ هذه هي الفكرة التي يطرحها باحثون في ورقة علمية جديدة: وديعة قابلة للاسترداد قدرها 200,000 دولار على كل مشغّل. ويقدّر الباحثون أن مخططاً يغطّي 20% من عمليات الإطلاق في العالم قد يخفّض عدد الأقمار الاصطناعية المهجورة بنسبة 18%.
الفكرة اقتصادية قبل أن تكون هندسية: تحويل ترك الحطام في المدار من عبء يتحمّله الجميع إلى كلفة يتحمّلها صاحبها. وهي تأتي في وقت تتسارع فيه خطط الإطلاق، فبحسب ما نقله موقع Space.com، تعتزم SpaceX وBlue Origin وAmazon خلال السنوات المقبلة نشر كوكبات أقمار اصطناعية يبلغ عددها مئات الآلاف، إضافةً إلى مراكز بيانات مدارية.
كيف تعمل الوديعة؟
نشر دانيال كافين (Daniel Kaffine) وزملاؤه المقترح الشهر الماضي في مجلة Nature Communications. وتقوم الآلية على أن يودع كل مشغّل 200,000 دولار قبل الإطلاق. إذا أنزل مركباته من المدار بنجاح استردّ المبلغ مع فوائده. وإذا أخفق في إزالة الحطام خسر الوديعة، وذهب المبلغ إلى صندوق مشترك لإزالة الحطام الفضائي النشطة.
كافين أستاذ اقتصاد البيئة والموارد في جامعة كولورادو بولدر، ويرى أن للفكرة سابقةً عملية، إذ يمكن أن تحاكي نظام الكفالات المطبّق على مشغّلي النفط في الولايات المتحدة منذ ستينيات القرن الماضي، وهو يُلزمهم بسدّ الآبار المستنفدة بعد انتهاء الاستخراج. ويشرح كافين: «إذا نظّف مشغّلو النفط الموقع بعد إتمام عملية الإنتاج، يستردّون أموالهم». ثم يضيف: «وإذا لم يفعلوا، تذهب الأموال إلى صندوق تستخدمه الحكومة لتنظيف الآبار اليتيمة. إنه وضع مشابه جداً لما نراه في الفضاء».
ويذهب كافين أبعد من الحطام نفسه: «المدار الأرضي المنخفض يبدو مثل كثير من الموارد الأخرى التي أفسدناها بوصفنا فاعلين اقتصاديين». وعن العائد المالي للمقترح يقول: «يمكن أن تجمع مليارات الدولارات بهذه الطريقة». ويصف المقترح بأنه «سياسة أنيقة جداً لا تتطلّب تنسيقاً دولياً».
لماذا لا تكفي القواعد الحالية؟
القواعد موجودة، لكن أحداً لا يملك أدوات فرضها. تطلب لجنة التنسيق المشتركة بين الوكالات المعنية بالحطام الفضائي من المشغّلين إزالة مركباتهم في غضون 25 عاماً من انتهاء المهمة. وتشترط لجنة الاتصالات الفدرالية الأمريكية (FCC) أن تغادر أقمار المدار الأرضي المنخفض مدارها خلال خمس سنوات.
يقول الباحثون إن 60% من الأقمار الاصطناعية تبقى في المدار بعد نفاد وقودها، ولا تترتّب على المشغّلين أي عواقب حين يتخلّفون عن إنزالها. أما الهيئات الدولية فلا تملك صلاحيات لإلزام أحد بالامتثال. وتعمل لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (COPUOS) بقاعدة الإجماع، فإقرار أي لائحة جديدة يستلزم موافقة كل دولة عضو.
هنا تحديداً تكمن ميزة المقترح، كما يقول إنديغو براونهول (Indigo Brownhall)، الباحث في استدامة الفضاء بجامعة University College London والمؤلف الرئيسي للورقة: «يمكن تطبيق السياسة التي نقترحها على المستوى الوطني، ولهذا نراها مثيرة للاهتمام».
هل تستطيع أوروبا أن تفرضها؟
يرى براونهول أن أوروبا أقرب الأطراف إلى التطبيق: «يمكن لأي دولة في أوروبا أن تطلب من الأقمار الاصطناعية المسجّلة لديها الالتزام بسياسة الوديعة هذه». ويعدّ الباحثون الاتحاد الأوروبي قادراً على الذهاب أبعد، عبر تقييد الوصول إلى سوقه أمام الشركات التي لا تلتزم بقواعده.
ويشرح براونهول: «السوق الاستهلاكية في أوروبا ضخمة، نحو 300 إلى 400 مليون نسمة. ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يطلب من كل من يريد بيع بيانات فضائية أو أي منتجات في الاتحاد أن يلتزم بقواعده. وقد فعل ذلك مع اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). ويمكنكم أن تتخيلوا أن جهة مثل Starlink، الذراع التابعة لـSpaceX في الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، تريد بالتأكيد بيع أجهزتها للأوروبيين».
أما الولايات المتحدة فيرى الباحثون أن إقناعها بتبنّي المخطط قد يكون صعباً.
كم بلغ الخطر؟
تقدّر وكالة الفضاء الأوروبية، في أرقامها عن الحطام الفضائي، وجود أكثر من 57,000 قطعة حطام غير خاضعة للسيطرة يزيد حجم كل منها على 10 سنتيمترات (4 بوصات) حول الأرض. وهذا ضعف ما كان عليه العدد قبل أقل من عشر سنوات. ومعظم هذه القطع تولّد عن انفجارات وتصادمات مدارية حطّمت أقماراً اصطناعية ومراحل صواريخ مستعملة.
وتؤكد شركة LeoLabs، التي ترصد حركة المرور الفضائية بشبكات من الرادارات والتلسكوبات الأرضية، أن حوادث التفكك آخذة في الازدياد. وتشمل هذه الحوادث انفجارات أو تصادمات بين أقمار قديمة وشظايا وأجسام صاروخية. وقد أبلغت الشركة، في تقرير عن التفتت، عن أربعة أحداث تفتّت على الأقل خلال الأشهر الستة الماضية، خلّفت معاً مئات القطع الجديدة من الحطام.
وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة ما تنبّأ به الفيزيائي في ناسا دونالد كيسلر (Donald Kessler) في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما عُرف بـ«متلازمة كيسلر» (Kessler Syndrome). وتصف المتلازمة سلسلة من التصادمات المدارية قد تجعل الفضاء المحيط بالأرض غير صالح للاستخدام وغير آمن.
ويلفت براونهول إلى أن الأقمار الكبيرة المعطّلة هي الخطر الأكبر: «ترك الأقمار الكبيرة التي لم تعد تعمل هناك أشبه بقنبلة موقوتة». والفرق، كما يقول، أن «الأقمار النشطة تستطيع الابتعاد عن الطريق، أما حين يوشك قمران مهجوران على الاصطدام فلا يسع المرء سوى المشاهدة».
يعرف كافين أن التاريخ لا يشجّع على التفاؤل: «انتظار أن تسوء الأمور سوءاً شديداً قبل البدء بتطبيق هذا النوع من التدخلات السياسية هو ما فعلناه تاريخياً». لكنه يترك باباً مفتوحاً: «ولكن ربما نستطيع التفكير في أشياء يمكننا فعلها الآن». والسؤال المطروح هو: هل تتحرك حكومة أو كتلة تجارية كبرى قبل أن يتحقق سيناريو كيسلر؟
أخبار ذات صلة

حوارات بين Nscale و Anthropic حول صفقة حوسبة بـ 45 مليار دولار

الاستثمار الهندي في "Even Healthcare" يستهدف إعادة هيكلة اقتصاديات المستشفيات

شركة الذكاء الاصطناعي: Anthropic تخصص 5% من أسهمها لصندوق المصلحة العامة
