وورلد برس عربي logo

انكماش القمر يكشف زلازل وصدوع تهدد البعثات الفضائية

القمر يتقلص ببطء وينشئ صدوعاً في قشرته تسبب زلازل وانهيارات أرضية قد تهدد بعثات الهبوط المستقبلية. دراسة تكشف انتشار آلاف الصدوع وتسلط الضوء على المخاطر الجيولوجية التي يجب مراعاتها لاستكشاف آمن للقمر على وورلد برس عربي.

سطح القمر يظهر تفاصيل الفوهات والسهول مع تباين واضح بين المناطق المضيئة والمظلمة، ما يعكس تأثير الانكماش والصدوع القمرية.
قبل مئات الملايين من السنين، بدأ القمر يبرد وينكمش. وقد حسبت أبحاث حديثة معدل هذا الانكماش من خلال قياس ميزات سطحية تُعرف بالصدوع الحاجزة. وعلى الرغم من أن معدل الانكماش ضئيل جداً، إلا أن هذه الظاهرة تسبب انزلاقات أرضية تشكل خطراً محتملاً على بعثات استكشاف سطح القمر. حقوق الصورة: غريغوري هـ. ريفيرا، CC BY-SA 3.0، https://commons.wikimedia.org/w/index.php?curid=11901243
التصنيف:علوم
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

يتقلّص القمر ببطء شديد، لكنّ هذا التقلّص قد يهمّ كل من يخطّط للهبوط على سطحه. دراسة جديدة نُشرت في مجلة The Planetary Science Journal تقدّر معدّل انكماش القمر بما بين 6 و11 سنتيمتراً كل مليون سنة، مع تبرّده تدريجياً. هذا الانكماش يولّد صدوعاً في القشرة القمرية قد تطلق زلازل قمرية وانهيارات أرضية، وهو ما يرسم ملامح مخاطر محتملة أمام البعثات المستقبلية على السطح.

الدراسة بعنوان «Thrust Faulting and the Late-stage Contraction of the Moon»، وقاد فريقها Thomas Watters من مركز دراسات الأرض والكواكب (Center for Earth and Planetary Studies) التابع لمتحف سميثسونيان الوطني للطيران والفضاء. يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة في The Planetary Science Journal كاملة.

هل يعني 6 إلى 11 سنتيمتراً أن القمر يتغيّر فعلاً؟

على الورق، الرقم صغير إلى حدّ يصعب تخيّله. يعادل الانكماش نحو 0.1 ميكرومتر في السنة، أي 0.0001 ملّيمتر. للمقارنة، تتحرّك صفائح الأرض بمتوسط نحو 1.5 سنتيمتر سنوياً، وهي حركة تدفعها أيضاً خسارة الحرارة. الفارق بين الكوكبين في الإيقاع كبير، لكنّ الآلية الحرارية الكامنة وراء كل منهما واحدة.

القمر لا يملك صفائح متحرّكة. تبرُّد باطنه وانكماشه يدفعان بعض مواد القشرة إلى الأعلى، فتتكوّن الصدوع. والأثر المرئي لهذه العملية هو ما يسمّيه الجيولوجيون «الجروف المفصّصة» (Lobate scarps)، وهي تضاريس بارزة بسيطة الشكل ترتفع عشرات الأمتار فوق السطح، وتكثر في المرتفعات القمرية.

خرائط تضاريس ملونة وأخرى رمادية لصدوع دفعية على سطح القمر تظهر انكماشه وتبريده وتأثيره على الجروف المفصصة والزلازل القمرية.
Loading image...
تُظهر هذه اللوحات أربعة من حواف الصدوع الانضغاطية المنحنية في مرتفعات القمر. بالنسبة للصور من A إلى F، يحتوي العمود الأيسر على نماذج تضاريس رقمية ثلاثية الأبعاد من كاميرا NAC ستيريو تُظهر الارتفاعات، بينما يحتوي العمود الأيمن على صور بسيطة من NAC. من الأعلى إلى الأسفل، تعرض اللوحة حافة بيتيسكوس، وحافة فولر، وحافة موروزوف، وحافة موشيز. بالنسبة لحافة موشيز، تُظهر الصورة G نموذج تضاريس رقمي من ShadowCam، والصورة H صورة من ShadowCam. حقوق الصورة: واترز وآخرون 2026، مجلة الكواكب.

كيف اكتُشفت آلاف الصدوع؟

كانت بعثات Apollo قد عثرت على عدد قليل من هذه الصدوع. لكنّ انتشارها الواسع لم يتّضح إلا بعد أن بدأت مركبة الاستطلاع القمري التابعة لوكالة NASA (Lunar Reconnaissance Orbiter، واختصارها LRO) عملها عام 2009. وتُعدّ المركبة أطول المدارات القمرية عمراً، إذ ترصد القمر منذ 17 عاماً في مدار شبه قطبي. وقد رسمت خرائط لأكثر من 98% من سطحه بدقة 100 متر، باستثناء المناطق المظلّلة في الفوهات القطبية.

تحمل المركبة كاميرا (Lunar Reconnaissance Orbiter Camera) تضم كاميرا ضيقة الزاوية (NAC) وأخرى واسعة الزاوية (WAC). وقد وفّرت الأولى معظم بيانات الصدوع الدفعية التي اعتمدتها الدراسة. وجاء في نص الدراسة على لسان Watters وزملائه: «كشفت صور كاميرا مركبة الاستطلاع القمري عن آلاف الجروف الصدعية الدفعية الفتية في المرتفعات والسهول القمرية (المارية)». وأضاف المؤلفون في موضع آخر: «للقمر شبكة عالمية من آلاف الجروف الصدعية الصغيرة».

وعبّر Watters عن مفاجأته بالقول: «عدد هذه الصدوع الفتية الذي كشفته صور الكاميرا يفوق بكثير ما كنت أتخيّله». وبحسبه، أظهرت المركبة وكاميرتها الضيقة صدوعاً أكثر مما كان متوقعاً.

ما قصة القمر مع التمدّد ثم الانكماش؟

تروي الدراسة تاريخاً من مرحلتين. قبل المرحلة الانضغاطية، كانت القشرة القمرية واقعة في الغالب تحت إجهاد تمدّدي. وتدلّ على ذلك الأخاديد الانهدامية (graben) والأخاديد المستقيمة (straight rilles)، وهي منخفضات طويلة وضيقة يبلغ طول بعضها مئات الكيلومترات، وقد تنتج عن حرارة التحلّل الإشعاعي. ومع تضاؤل هذه الحرارة انتهت تلك المرحلة الجيولوجية وبدأ القمر يبرد.

صدع دفعى طويل واضح على سطح القمر يظهر تأثير انكماش القشرة القمرية مع وجود فوهات نيزكية صغيرة حوله.
Loading image...
هذه هي الشق المستقيم ريما كوشي في منطقة بحر الهدوء على القمر (بحر السكينة). يبلغ طوله حوالي 170 كيلومترًا، وهو مثال على نوع التكوينات التي نشأت عندما كان القمر لا يزال يتعرض للتسخين الناتج عن التحلل الإشعاعي. حقوق الصورة: ناسا/مركز غودارد لرحلات الفضاء/جامعة ولاية أريزونا

ويصف المؤلفون الحصيلة بالقول: «تشير الأدلة إلى أنّ القمر خضع لقدر ضئيل من الانكماش الشعاعي خلال الأعوام الـ3.6 مليار الأخيرة، منذ الانتقال من انحياز إجهادي تمدّدي غالب إلى انحياز انضغاطي».

غير أنّ الصدوع المرصودة حالياً أحدث بكثير من هذه الفترة الطويلة، إذ يبلغ عمرها نحو 300 إلى 400 مليون سنة. وتطرح الدراسة ملاحظة لافتة في هذا السياق: «لو كان الصدع الدفعي يحدث منذ 3.6 مليار سنة، لكان من المتوقع أن تنمو الجروف المفصّصة إلى أحجام أكبر مما نرصده اليوم، وربما اقترب بعضها من حجم تلك الموجودة على عطارد والمريخ».

والفارق في الحجم واضح. فالجروف المفصّصة على المريخ تبلغ مئات الأمتار ارتفاعاً، وطولها من عشرات إلى مئات الكيلومترات، في حين لا تتجاوز نظيرتها القمرية عشرات الأمتار.

خريطة تظهر توزيع الصدوع القمرية (باللون الأحمر) على سطح القمر مع اختلاف سمك القشرة القمرية، توضح انكماش القمر وتأثيره على الجيولوجيا القمرية.
Loading image...
تُظهر هذه الصورة خريطة عالمية للحواف الفوالقية، بالإضافة إلى ظهور تلال بحرية صغيرة (SMRs) وهي نوع مختلف من التضاريس الانضغاطية الناتجة عن التبريد، تشبه نظيرتها في تضاريس البحر للحواف المتموجة الموجودة في المرتفعات. (أ) فسيفساء استريوجرافية للقطب الشمالي من كاميرا LROC WAC، مع عرض الحواف المتموجة كخطوط متعددة الأضلاع باللون الأحمر. (ب) فسيفساء استريوجرافية للقطب الجنوبي من كاميرا LROC WAC. (ج) فسيفساء عالمية من كاميرا WAC، مع عرض الحواف المتموجة في الإسقاط المولوايد باللون الأحمر، والتلال البحرية الصغيرة باللون الأزرق، ومركز الإسقاط عند خط طول 0°. (د) خريطة سمك القشرة من مهمة GRAIL (M. A. Wieczorek وآخرون 2013)، حيث تظهر الحواف الفوالقية كخطوط متعددة الأضلاع باللون الأسود. حقوق الصورة: واترز وآخرون 2026، مجلة علوم الكواكب.

ما الخطر على البعثات المستقبلية؟

هنا ينتقل الموضوع من علم الكواكب إلى سلامة الاستكشاف. يرجّح المؤلفون أن تكون الصدوع الدفعية الفتية مصدراً للزلازل القمرية الضحلة (SMQ) التي رصدتها شبكة الرصد الزلزالي السلبي لبعثة Apollo 12. وترتبط هذه الصدوع كذلك بالانهيارات الأرضية.

وتستند الدراسة في ذلك إلى مقارنة صور متتابعة التقطتها الكاميرا لمواقع واحدة في أوقات مختلفة، كشفت عن انهيارات حديثة. يقول المؤلفون: «يشير الارتباط المكاني بين الانهيارات الأرضية الحديثة جداً (المرصودة في أزواج صور الكاميرا الزمنية) والصدوع الدفعية الفتية إلى أنّ الاهتزاز الزلزالي الناجم عن انزلاق هذه الصدوع هو الأرجح سبباً في إطلاق تلك الانهيارات».

والحساب بسيط: آلاف الصدوع تعني آلاف المصادر الزلزالية المحتملة. وما دام القمر يواصل التبرّد، فإنّ التصدّع والانهيارات مستمرّان معه. وقال Watters: «مع استمرار تبرّد باطن القمر وانكماشه، يُتوقّع أن يتواصل اليوم نمو الصدوع القائمة وتشكّل صدوع جديدة».

وماذا بعد؟

لا تكتفي الدراسة بتحذير عام. يرى مؤلفوها أنّ «احتمال وجود نشاط صدعي فعّال على القمر يوفّر مبرّراً قوياً لإنشاء شبكة جيوفيزيائية قمرية (Lunar Geophysical Network) لتحديد مصادر الأحداث الزلزالية ومخاطرها المحتملة».

والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه الشبكة ستُنشأ قبل أن تستقرّ المعدات والبشر على السطح. فخرائط المركبة تبيّن أين توجد الصدوع، لكنّ قياس ما تفعله هذه الصدوع فعلياً، وبأي وتيرة وبأي قوة، يحتاج إلى أجهزة على الأرض القمرية نفسها.

أخبار ذات صلة

Loading...
مجرة بعيدة مضيئة تحتوي على المستعر الأعظم AT 2026abck الذي رصده تلسكوب جيمس ويب في الكون المبكر على بعد 12.5 مليار سنة ضوئية.

تلسكوب جيمس ويب يرصد انفجار نجم عملاق في فجر الكون

اكتشف تلسكوب جيمس ويب انفجار نجم نادر بعد أيام من وقوعه في الكون المبكر، مضيئاً بمليارات أضعاف شمسنا. تابع التفاصيل واكتشف أسرار هذا الحدث الفلكي الفريد.
علوم
Loading...
تصادم نجمين نيوترونيين منخفضي الكتلة ينتج مجالاً مغناطيسياً ضخماً بسرعة فائقة، محاكاة لتشكّل ماغنيتار.

نجم نيوتروني مغناطيسي فائق يولد من اصطدام نجمين نيوترونيين

في جزء من الألف من الثانية يتضاعف المجال المغناطيسي لنجمين نيوترونيين متصادمين مئات المرات، مما قد يولد ماغنيتار قوي. اكتشف المزيد عن أسرار الفضاء الآن.
علوم
Loading...
قزم بني بارد WISE 0855 يظهر بلون أرجواني مع غيوم جليدية متفرقة في غلافه الجوي، محاط بخلفية نجمية في الفضاء.

رصد جيمس ويب تحولات السحب المائية والغازات المضطربة على أبرد نجم بني معروف

هل تحتوي أجواء أبرد الأقزام البنية على غيوم مائية من جليد الماء؟ اكتشف فريق جامعة أريزونا أدلة حاسمة باستخدام تلسكوب جيمس ويب، تعرف على التفاصيل المثيرة الآن!
علوم
Loading...
مشهد من الفضاء يظهر جزءاً من كوكب الأرض مع قمر صناعي تابع لوكالة الفضاء الأوروبية يراقب تغيرات المناخ والبيئة.

المراقبة الأرضية بين السياسة والعلم: «لم نعد نذهب معاً إلى مؤتمرات المناخ»

تراقب وكالة الفضاء الأوروبية كوكب الأرض عبر أقمار متطورة تكشف تغيرات المناخ وتحمي البيئة. اكتشف كيف تسهم هذه التكنولوجيا في مستقبل مستدام وابقَ على اطلاع دائم.
علوم
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية