انكماش القمر يكشف زلازل وصدوع تهدد البعثات الفضائية
القمر يتقلص ببطء وينشئ صدوعاً في قشرته تسبب زلازل وانهيارات أرضية قد تهدد بعثات الهبوط المستقبلية. دراسة تكشف انتشار آلاف الصدوع وتسلط الضوء على المخاطر الجيولوجية التي يجب مراعاتها لاستكشاف آمن للقمر على وورلد برس عربي.

يتقلّص القمر ببطء شديد، لكنّ هذا التقلّص قد يهمّ كل من يخطّط للهبوط على سطحه. دراسة جديدة نُشرت في مجلة The Planetary Science Journal تقدّر معدّل انكماش القمر بما بين 6 و11 سنتيمتراً كل مليون سنة، مع تبرّده تدريجياً. هذا الانكماش يولّد صدوعاً في القشرة القمرية قد تطلق زلازل قمرية وانهيارات أرضية، وهو ما يرسم ملامح مخاطر محتملة أمام البعثات المستقبلية على السطح.
الدراسة بعنوان «Thrust Faulting and the Late-stage Contraction of the Moon»، وقاد فريقها Thomas Watters من مركز دراسات الأرض والكواكب (Center for Earth and Planetary Studies) التابع لمتحف سميثسونيان الوطني للطيران والفضاء. يمكن الاطلاع على الدراسة المنشورة في The Planetary Science Journal كاملة.
هل يعني 6 إلى 11 سنتيمتراً أن القمر يتغيّر فعلاً؟
على الورق، الرقم صغير إلى حدّ يصعب تخيّله. يعادل الانكماش نحو 0.1 ميكرومتر في السنة، أي 0.0001 ملّيمتر. للمقارنة، تتحرّك صفائح الأرض بمتوسط نحو 1.5 سنتيمتر سنوياً، وهي حركة تدفعها أيضاً خسارة الحرارة. الفارق بين الكوكبين في الإيقاع كبير، لكنّ الآلية الحرارية الكامنة وراء كل منهما واحدة.
القمر لا يملك صفائح متحرّكة. تبرُّد باطنه وانكماشه يدفعان بعض مواد القشرة إلى الأعلى، فتتكوّن الصدوع. والأثر المرئي لهذه العملية هو ما يسمّيه الجيولوجيون «الجروف المفصّصة» (Lobate scarps)، وهي تضاريس بارزة بسيطة الشكل ترتفع عشرات الأمتار فوق السطح، وتكثر في المرتفعات القمرية.
كيف اكتُشفت آلاف الصدوع؟
كانت بعثات Apollo قد عثرت على عدد قليل من هذه الصدوع. لكنّ انتشارها الواسع لم يتّضح إلا بعد أن بدأت مركبة الاستطلاع القمري التابعة لوكالة NASA (Lunar Reconnaissance Orbiter، واختصارها LRO) عملها عام 2009. وتُعدّ المركبة أطول المدارات القمرية عمراً، إذ ترصد القمر منذ 17 عاماً في مدار شبه قطبي. وقد رسمت خرائط لأكثر من 98% من سطحه بدقة 100 متر، باستثناء المناطق المظلّلة في الفوهات القطبية.
تحمل المركبة كاميرا (Lunar Reconnaissance Orbiter Camera) تضم كاميرا ضيقة الزاوية (NAC) وأخرى واسعة الزاوية (WAC). وقد وفّرت الأولى معظم بيانات الصدوع الدفعية التي اعتمدتها الدراسة. وجاء في نص الدراسة على لسان Watters وزملائه: «كشفت صور كاميرا مركبة الاستطلاع القمري عن آلاف الجروف الصدعية الدفعية الفتية في المرتفعات والسهول القمرية (المارية)». وأضاف المؤلفون في موضع آخر: «للقمر شبكة عالمية من آلاف الجروف الصدعية الصغيرة».
وعبّر Watters عن مفاجأته بالقول: «عدد هذه الصدوع الفتية الذي كشفته صور الكاميرا يفوق بكثير ما كنت أتخيّله». وبحسبه، أظهرت المركبة وكاميرتها الضيقة صدوعاً أكثر مما كان متوقعاً.
ما قصة القمر مع التمدّد ثم الانكماش؟
تروي الدراسة تاريخاً من مرحلتين. قبل المرحلة الانضغاطية، كانت القشرة القمرية واقعة في الغالب تحت إجهاد تمدّدي. وتدلّ على ذلك الأخاديد الانهدامية (graben) والأخاديد المستقيمة (straight rilles)، وهي منخفضات طويلة وضيقة يبلغ طول بعضها مئات الكيلومترات، وقد تنتج عن حرارة التحلّل الإشعاعي. ومع تضاؤل هذه الحرارة انتهت تلك المرحلة الجيولوجية وبدأ القمر يبرد.
ويصف المؤلفون الحصيلة بالقول: «تشير الأدلة إلى أنّ القمر خضع لقدر ضئيل من الانكماش الشعاعي خلال الأعوام الـ3.6 مليار الأخيرة، منذ الانتقال من انحياز إجهادي تمدّدي غالب إلى انحياز انضغاطي».
غير أنّ الصدوع المرصودة حالياً أحدث بكثير من هذه الفترة الطويلة، إذ يبلغ عمرها نحو 300 إلى 400 مليون سنة. وتطرح الدراسة ملاحظة لافتة في هذا السياق: «لو كان الصدع الدفعي يحدث منذ 3.6 مليار سنة، لكان من المتوقع أن تنمو الجروف المفصّصة إلى أحجام أكبر مما نرصده اليوم، وربما اقترب بعضها من حجم تلك الموجودة على عطارد والمريخ».
والفارق في الحجم واضح. فالجروف المفصّصة على المريخ تبلغ مئات الأمتار ارتفاعاً، وطولها من عشرات إلى مئات الكيلومترات، في حين لا تتجاوز نظيرتها القمرية عشرات الأمتار.
ما الخطر على البعثات المستقبلية؟
هنا ينتقل الموضوع من علم الكواكب إلى سلامة الاستكشاف. يرجّح المؤلفون أن تكون الصدوع الدفعية الفتية مصدراً للزلازل القمرية الضحلة (SMQ) التي رصدتها شبكة الرصد الزلزالي السلبي لبعثة Apollo 12. وترتبط هذه الصدوع كذلك بالانهيارات الأرضية.
وتستند الدراسة في ذلك إلى مقارنة صور متتابعة التقطتها الكاميرا لمواقع واحدة في أوقات مختلفة، كشفت عن انهيارات حديثة. يقول المؤلفون: «يشير الارتباط المكاني بين الانهيارات الأرضية الحديثة جداً (المرصودة في أزواج صور الكاميرا الزمنية) والصدوع الدفعية الفتية إلى أنّ الاهتزاز الزلزالي الناجم عن انزلاق هذه الصدوع هو الأرجح سبباً في إطلاق تلك الانهيارات».
والحساب بسيط: آلاف الصدوع تعني آلاف المصادر الزلزالية المحتملة. وما دام القمر يواصل التبرّد، فإنّ التصدّع والانهيارات مستمرّان معه. وقال Watters: «مع استمرار تبرّد باطن القمر وانكماشه، يُتوقّع أن يتواصل اليوم نمو الصدوع القائمة وتشكّل صدوع جديدة».
وماذا بعد؟
لا تكتفي الدراسة بتحذير عام. يرى مؤلفوها أنّ «احتمال وجود نشاط صدعي فعّال على القمر يوفّر مبرّراً قوياً لإنشاء شبكة جيوفيزيائية قمرية (Lunar Geophysical Network) لتحديد مصادر الأحداث الزلزالية ومخاطرها المحتملة».
والسؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه الشبكة ستُنشأ قبل أن تستقرّ المعدات والبشر على السطح. فخرائط المركبة تبيّن أين توجد الصدوع، لكنّ قياس ما تفعله هذه الصدوع فعلياً، وبأي وتيرة وبأي قوة، يحتاج إلى أجهزة على الأرض القمرية نفسها.
أخبار ذات صلة

تلسكوب جيمس ويب يرصد انفجار نجم عملاق في فجر الكون

نجم نيوتروني مغناطيسي فائق يولد من اصطدام نجمين نيوترونيين

رصد جيمس ويب تحولات السحب المائية والغازات المضطربة على أبرد نجم بني معروف
