وكالة الفضاء الأوروبية تقود رصد الأرض لحماية كوكبنا
تتابع وكالة الفضاء الأوروبية أقمارها بدقة لحماية كوكبنا عبر شبكة IRIDE التي تضم 68 قمراً ترصد التغيرات المناخية والبيئية. تعاون دولي واسع يدعم رصد الأرض ويعزز مكانة أوروبا رائدة في مراقبة صحة كوكبنا في وورلد برس عربي.

حين يبلغ مدير مهمة في الوكالة الأوروبية بأن أحد الأقمار الاصطناعية مهدَّد بالاصطدام بقمر آخر، لا يتحرك القمر فوراً. تقول Simonetta Cheli، مديرة برامج رصد الأرض في وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، إن الفريق يراجع الأمر أولاً مع المرصد الأوروبي الجنوبي (ESO) في ألمانيا، ثم يحرّك مركز العمليات القمر. وتؤكد أن هذه المناورات تتزايد باستمرار. ولا تنفصل هذه المشكلة عن عمل الوكالة، فالأقمار نفسها هي التي تخبرنا بحال المناخ والبيئة على كوكبنا.
جاءت تصريحات Cheli، وهي أيضاً رئيسة معهد البحوث الفضائية الأوروبي (ESRIN) في فراسكاتي بإيطاليا، في حوار أجراه معها Harry Baker من موقع Live Science خلال زيارتها الأخيرة للمعهد. ولم يحدّد المصدر تاريخ نشر الحوار، لكنه يشير إلى أن الحوار جرى في اليوم التالي لإطلاق دفعة جديدة من أقمار IRIDE في 1 أكتوبر، وأنه حُرّر واختُصر للتوضيح.
لماذا نراقب الأرض من الفضاء أصلاً؟
سأل Baker: «لماذا تُعدّ مراقبة الأرض من الفضاء بهذه الأهمية؟». أجابت Cheli: «من المهم لأننا نحتاج أن نعرف اليوم ما هي حالة كوكبنا، وهل هو بصحة جيدة أم في خطر، وهل هو تحت الضغط أم لا».
وفصّلت: «من المهم أن تتوافر معلومات موضوعية عن متغيرات كثيرة مختلفة، مثل إزالة الغابات، وجودة الهواء الذي نتنفسه، وتطوّر المحيطات، وذوبان الكتل الجليدية. باختصار، علينا أن ندرك ما هي الأوضاع على الأرض اليوم، كي نحافظ عليها غداً».
من الاعتماد على الآخرين إلى الريادة
تملك Cheli خبرة تقارب 40 عاماً في رصد الأرض. وحين سأل Baker: «كيف تغيّر برنامج رصد الأرض في وكالة الفضاء الأوروبية على امتداد مسيرتك؟»، عادت إلى بداياتها: «حين بدأت العمل في الوكالة عام 1988 كنا نعتمد على بعثات الشركاء، ومنهم الأميركيون واليابانيون. لم تكن لدينا بعثاتنا الخاصة».
وتضيف: «أطلقنا أول بعثة ERS-1 عام 1991. واليوم، هنا في ESRIN وحده، ندير أكثر من 20 بعثة ونخطط لأكثر من 40 بعثة أخرى. وأطلقنا كذلك ثلاث بعثات مختلفة خلال الأسابيع الثلاثة الماضية: واحدة لدراسة تأثير علم المحيطات في ظواهر الطقس المتطرفة IRIDE، وأخرى لرصد التألق الضوئي للنباتات وحالتها الصحية FLEX، وثالثة لقياس درجات الحرارة على اليابسة وفي البحر Sentinel-3C، وقد كانت مفيدة جداً هذا الصيف».
وتخلص إلى أن «أوروبا اليوم قوة رائدة في هذا المجال عالمياً. لقد تطورنا كثيراً».
ماذا يتبقى من الشراكة مع واشنطن؟
تضم الوكالة 23 دولة، وتصف Cheli التعاون بأنه جزء من طبيعة عملها. سأل Baker: «ما أهمية التعاون مع الدول الأخرى في رصد كوكبنا من الأعلى؟»، فقالت: «حسناً، يجب أن أقول إن هذا في صميم عملنا في الوكالة. تضم الوكالة 23 دولة اليوم، فنحن نعمل معاً يومياً. كما نعمل بتعاون وثيق مع شركاء تجاريين ومع الاتحاد الأوروبي، ومع شركاء دوليين مثل NASA والبرازيل والهند وأفريقيا. فهذا جزء من مهمتنا، وهو كذلك جزء كبير من المجال الذي أديره».
وتعطي مثالاً على سبب ذلك: «لمعالجة استقرار المناخ والبيئة، لا يمكنك أن تعمل منفرداً على المستوى الوطني. عليك أن تتشارك البيانات وتعمل مع الجميع في العالم، وأن تكون لديكم أهداف مشتركة. فما يحدث لغرينلاند، مثلاً، يؤثر في الجميع على الأرض، لا في سكانها وحدهم. لذلك أعتقد أن التعاون جزء أصيل من عملنا اليومي في الوكالة ومن علاقتنا بشركائنا».
بعد ذلك طرح Baker سؤالاً عن السياق السياسي: «في ضوء التخفيضات الأخيرة في تمويل NASA، ومنها ميزانية رصد الأرض، هل تشعر وكالة الفضاء الأوروبية بمسؤولية أكبر لسدّ الفجوة؟». ردّت Cheli: «أعتقد أن لدينا فرصة أكبر بالتأكيد، بمعنى أننا، بما لدينا اليوم من أنظمة وأقمار وبعثات، وحتى قبل السياق السياسي، كنا متقدمين على الولايات المتحدة في بيانات الانبعاثات».
وتقول عن العلاقة مع الشركاء الأميركيين: «لدينا تعاون ممتاز على مستوى العمل مع شركائنا الأميركيين. وهذا محفوظ إلى حد ما، وإن كان سياسياً أكثر حساسية بطبيعة الحال. كنا نذهب إلى مؤتمرات المناخ معاً. لم نعد نفعل ذلك».
IRIDE: 68 قمراً لخدمة الحماية المدنية والسواحل
تتصل الأقمار الجديدة بشبكة IRIDE، وهي شبكة إيطالية التمويل من مركبات رصد الأرض صمّمتها الوكالة الأوروبية وتشغّلها. سأل Baker: «أطلقت الوكالة للتو الدفعة الأحدث من أقمار كوكبة IRIDE (شبكة إيطالية التمويل من مركبات رصد الأرض صمّمتها الوكالة وتشغّلها). ما الذي يميّز هذه الأقمار؟ وكيف تساعد في أبحاثكم؟».
أجابت Cheli: «أطلقنا الثمانية الأحدث من الأقمار ليلة أمس!». وأضافت: «من المخطط إطلاق 68 قمراً إجمالاً في هذه الكوكبة، وقد أطلقنا منها عدداً لا بأس به 39 حتى الآن، ونخطط لإطلاق المزيد قبل نهاية العام».
وتوضح وظيفة الشبكة: «ستجمع الشبكة قدراً كبيراً من البيانات من الطيف البصري والراداري تدعم احتياجات مستخدمين مختلفة، ومنها مثلاً مجال الحماية المدنية، ورصد تآكل السواحل، وعمليات خفر السواحل، وتحليل الإجهاد البيئي. ولذلك سيكون هذا النظام بالتأكيد إسهاماً كبيراً في منظومة رصد الأرض الأوروبية الأوسع».
500 تيرابايت يومياً: كيف تُعالَج هذه الكمية؟
سأل Baker عن دور الذكاء الاصطناعي والحواسيب المتقدمة مثل Space HPC في معالجة البيانات. قالت Cheli: «لدينا اليوم ثروة من البيانات تتزايد باستمرار. في برنامج Copernicus وحده أكبر مبادرة أوروبية لرصد الأرض نتلقى 500 تيرابايت من البيانات يومياً».
وتتابع: «لدينا أيضاً كميات كبيرة من البيانات في الأرشيف هنا في ESRIN من بعثات علمية لشركاء دوليين، منهم اليابان والهند والولايات المتحدة وغيرها. وهذه "البيانات التراثية" تضمن حفظ البيانات الأرشيفية للبعثات التي انتهت، وهذا أمر بالغ الأهمية».
وتختم هذه النقطة بقولها: «لذلك فإن أدوات مثل Space HPC، التي تتمتع بقدرة حوسبة عالية، تساعدنا كثيراً في معالجة تلك المجموعات من البيانات بسرعة أكبر».
صورة الصيف الأشد حرّاً
حين سُئلت عن صورتها المفضلة للأرض، قالت Cheli: «لديّ صور مفضلة كثيرة جداً، يجب أن أعترف. لكن في هذا الصيف، الصورة التي وجدتها لافتة حقاً كانت صورة حرارية لموجات الحر في أوروبا، لأنك ترى فيها أن درجة الحرارة على اليابسة وفي البحر كانت ترتفع بشدة».
وتشرح: «التقطها القمر Sentinel-3B سلف القمر Sentinel-3C الذي أُطلق حديثاً، وترى فيها اللون الأحمر في البحر وعلى اليابسة معاً، وأعتقد أنها تنقل الإحساس بموجة الحر التي عشناها جميعاً هذا الصيف. كان لدينا، على ما أظن، أشد صيف مرّ علينا».
وتتابع: «لكنها تجعلني أشعر بأننا نستطيع فعل الكثير حيال ذلك. تجعلني أشعر بأن لدينا أدوات وقدرات معلوماتية بالتأكيد لدعم هذا الموضوع والمساعدة فيه ورفع الوعي به». وتضيف: «فهذه هي المفضلة الآن، لكن هناك صوراً كثيرة أخرى».
هل يكفي التنسيق التقني في مدار مزدحم؟
يبقى الجانب الأكثر إلحاحاً على جدول الأعمال التنظيمي. سأل Baker: «عدد الأقمار الخاصة، كما في كوكبة Starlink التابعة لـ SpaceX، يتزايد بسرعة. هل أنتم قلقون من تأثير ذلك في مركباتكم العلمية؟».
أجابت Cheli: «نحن قلقون لأننا نرى أن مناورات تفادي الاصطدام تزداد وتزداد. حين يخبرني مدير المهمة بأن علينا تحريك القمر لوجود خطر اصطدام بقمر آخر، علينا أن نراجع ESO المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، ثم يحرّك مركز العمليات القمر. وقد ازداد هذا العدد من المرات التي فعلنا فيها ذلك بالتأكيد خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية بسبب ازدياد عدد الأقمار الموجودة هناك».
لكنها لا تصف الوضع بأنه أزمة تقنية: «في الوقت الراهن يسير التعاون التقني مع الشركاء على نحو جيد جداً. فحين نرى قمر جهة أخرى، نحاول فعلاً تنظيم الأمور بأفضل ما نستطيع، وهو يعمل تقنياً بشكل جيد. لكن ما نحتاج إليه في المستقبل هو إطار واضح على المستوى القانوني، يُلزم الجميع».
وتوضح من المقصود بـ«الجميع»: «"الجميع" في الفضاء لم يعد الشركاء المؤسسيين وحدهم؛ ليست وكالات الفضاء في العالم وحدها هي التي ينبغي أن تنخرط. اليوم لديك جهات خاصة، مثل Starlink، وإن لم تلتزم القواعد نفسها فأنت تخاطر بوضع حرج. لكن هذا أمر نناقشه يومياً ونعالجه».
والاستدامة: ماذا عن أثر الإطلاق نفسه؟
سأل Baker: «الغاية من رصد الأرض أصلاً حماية كوكبنا. كيف تشعرين تجاه بعض الآثار السلبية لإطلاق الأقمار، مثل أعمدة العادم وتلوث المعادن والحطام الفضائي؟». قالت Cheli: «هناك هدف قوي جداً مرتبط بالاستدامة في الوكالة. المسألة لا تقتصر على استخدام البيانات لحماية كوكبنا بصورة أفضل، بل تشمل أيضاً أن نكون مستدامين في عملنا اليومي».
وتشرح: «يرتبط هذا مثلاً بمحاولة وضع سياسة للحطام الفضائي، ومحاولة توفير وقود دافع كافٍ على متن الأقمار التي نبنيها، لنضمن أنها حين ينتهي عمرها تعود بمساعدة على إعادة الدخول ولا تبقى هناك في المدار. والأمر نفسه ينطبق على مجال الصواريخ الحاملة، حيث يبذل شركاؤنا في غيانا الفرنسية حيث يقع موقع الإطلاق الوحيد العامل للوكالة جهداً كبيراً جداً لتقليل أثرنا في البيئة قدر الإمكان في منظومة الإطلاق». وتضيف: «هناك فريق مكرّس فعلاً لكل هذا».
يبقى السؤال المفتوح الذي تضعه Cheli أمام القطاع كله: هل يتفق المشغّلون المؤسسيون والخاصون على قواعد مشتركة قبل أن يضيق المدار أكثر؟ فالبيانات التي تكشف ارتفاع حرارة اليابسة والبحر تأتي من أقمار تعتمد على مدار آمن، ومناورات تفادي الاصطدام تزداد منذ أربع أو خمس سنوات.
أخبار ذات صلة

تلسكوب جيمس ويب يرصد انفجار نجم عملاق في فجر الكون

نجم نيوتروني مغناطيسي فائق يولد من اصطدام نجمين نيوترونيين

القمر يتقلّص مع تبريده... ومخاطر تهدّد المهام القمرية
