وورلد برس عربي logo

رصاصة الموت تسرق فرحة الزفاف في غزة

في غزة تتغير أفراح العائلات إلى مآسي بفعل إطلاق النار الإسرائيلي العشوائي الذي يطال المدنيين بينهم أطفال وشباب، وسط استمرار الاحتلال في استخدام أبراج المراقبة والطائرات المسيرة لقتل الأبرياء وتهديد حياتهم واحتفالاتهم وورلد برس عربي.

امرأتان ترتديان الحجاب تعبران عن حزن شديد بالبكاء في مشهد يعكس مأساة المدنيين الفلسطينيين في غزة جراء إطلاق النار الإسرائيلي.
نساء فلسطينيات ينعين أحبائهن الذين قتلوا في غارة جوية إسرائيلية، قبل نقلهم للدفن من مستشفى الشفاء في مدينة غزة، في 18 يونيو 2026 (عمر القتاة/وكالة فرانس برس)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

قبل أقل من أسبوعَين على حفل زفاف ابنته، خرج خليل المصري مع نجله الأكبر لإتمام ما كان ينبغي أن يكون من أسعد لحظات التحضير العائلي: دفع ثمن فستان الزفاف الذي اختارته ابنته وتأكيد حجزه في أحد محلات حي الرمال بمدينة غزة.

بعد إتمام الحجز، توقّف الاثنان عند محل حلويات قريب احتفاءً بالمناسبة، حيث التقيا بصديقَين. وبينما كانوا جالسين معاً على طاولة أمام المحل، اخترقت رصاصة حيّة رأس المصري، فسقط فاقداً وعيه أمام نجله وأصدقائه المذهولين.

نُقل الأب البالغ من العمر 43 عاماً وأب لسبعة أبناء إلى مستشفى الشفاء، لكنه فارق الحياة متأثراً بجراحه في اليوم التالي، في 14 يونيو.

قال شقيقه محمود : "كانت صدمةً كاملة. كان سعيداً جداً ويضحك مع أصدقائه. طلب حلوى، لكن الرصاصة اخترقت رأسه قبل أن تُقدَّم له الطلبية."

"تحوّل الزفاف إلى جنازة."

الحادثة التي رصدتها كاميرا مراقبة عند مدخل المحل ليست حالةً معزولة.

وعلى الرغم من أن مصدر إطلاق النار لا يزال مجهولاً، فإنها وقعت في سياق نمطٍ متصاعد من إطلاق النار الإسرائيلي على المدنيين الفلسطينيين في مناطق مختلفة من قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة.

قال محمود: "النيران جاءت من الشرق. نفترض أنها كانت إما من طائرة رباعية المراوح (كوادكوبتر) إسرائيلية أو من برج مراقبة عسكري."

"كانت هناك طائرة رباعية المراوح في المنطقة قبيل إطلاق النار، لكن كان هناك أيضاً برج مراقبة عسكري في الاتجاه ذاته في المنطقة الصفراء، على بُعد نحو 1.7 كيلومتر."

القتل من الأعلى

تشبه أبراج المراقبة العسكرية أبراجاً مزوّدة بمدافع رشاشة، أقامها الجيش الإسرائيلي داخل مناطق الاحتلال بالقرب من الخط الأصفر وهي المنطقة التي كان يُفترض أن تحتفظ بها إسرائيل مؤقتاً في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، غير أنها رفضت الانسحاب منها.

لم تمضِ إسرائيل قُدُماً في المرحلة الثانية من الاتفاق التي تستوجب انسحابها، وباتت تسيطر على ما يزيد على 60 بالمئة من قطاع غزة.

تُستخدم هذه الأبراج لرفع الأسلحة ومعدات المراقبة فوق مستوى الأرض، مما يتيح تغطية بصرية واسعة النطاق وإمكانية إطلاق النار على مناطق مدنية شاسعة.

وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، جرى نشر هذه الأبراج في 23 موقعاً مختلفاً داخل المنطقة الصفراء في شرق قطاع غزة.

في اليوم ذاته الذي أُصيب فيه المصري، أصابت نيران إسرائيلية ما لا يقل عن خمسة فلسطينيين آخرين في حيٍّ آخر في قلب مدينة غزة.

كان من بينهم طالب الجامعة محمد أبو حصيرة، 19 عاماً، الذي كان يسير في شارع الوحدة حين أطلقت القوات الإسرائيلية النار، وفق ما أفاد شهود عيان.

وأشار الشهود إلى أنهم لم يتمكنوا من تحديد ما إذا كانت الطلقات صدرت عن طائرة رباعية المراوح مسلّحة أو برج مراقبة عسكري إسرائيلي.

قال خالد الطرشاوي، عم أبو حصيرة : "كان محمد في طريقه إلى البيت من النادي الرياضي حوالي الساعة 7 مساءً، وكان في شارع الوحدة حين فتح الاحتلال الإسرائيلي النار فجأةً، مصيباً إياه وعدداً من المارة. وقع هو وأربعة أو خمسة آخرون على الأرض."

"أُصيب في البطن. هرع الناس لحمله وحمل المصابين الآخرين إلى المستشفى. نُقل على مقعد كرسي متحرك لعدم توفر مركبات. حاول الأطباء إنقاذه، لكنه كان قد فقد كمية كبيرة من الدم بحلول وصوله."

كان أبو حصيرة قد أنهى فصله الدراسي الثاني للتو في الجامعة. بعد أن أتمّ دراسته الثانوية وسط الإبادة، التحق ببرنامج الهندسة في إحدى جامعات غزة.

قال عمّه: "كان ذكياً، صبوراً، ومخلصاً دائماً لوالديه. أُصيبت والدته بالذهول حين تلقّت الخبر، لكن والده كان أشد انكساراً. كان محمد ابنه البكر وأحب أبنائه إلى قلبه."

وأضاف: "نجا محمد من الهجمات الإسرائيلية المدمّرة طوال سنتَين ونصف من الإبادة، ورفض مغادرة مدينة غزة. رفض النزوح إلى الجنوب وتمكّن من البقاء حياً خلال أشد فترات الإبادة قسوةً."

"لكنه ارتقى خلال وقف إطلاق النار بطائرة رباعية المراوح أو برج مراقبة."

استهداف المناطق الآمنة

غير أن أبراج المراقبة والطائرات رباعية المراوح ليست سوى وسيلتَين من وسائل كثيرة تواجه بها الموت يومياً في غزة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر.

دأبت الدبابات والقناصة الإسرائيليون المنتشرون داخل المنطقة الصفراء على إطلاق النار بصورة متكررة على المشاة والخيام المؤقتة في ما يُسمّى بالمنطقة الآمنة، ما أسفر عن ارتقاء عشرات الشهداء والجرحى من الفلسطينيين خلال الأشهر الثمانية الماضية.

بعد يومٍ واحد فقط من إصابة المصري وأبو حصيرة، اخترقت رصاصة إسرائيلية رأس الطفل أمير البشيتي، 13 عاماً، بينما كان داخل خيمته المؤقتة في خان يونس جنوب قطاع غزة.

وبحسب والديه، فإن الرصاصة جاءت على الأرجح من دبابة إسرائيلية.

قال عماد البشيتي، والد أمير: "كان حوالي منتصف الليل، وكان يلعب مع أبناء عمومته وأصدقائه خارج الخيمة. ناديته ليدخل وينام، وليتني لم أفعل."

"دخل حاملاً بطانيته وقال لي: 'أريد أن أحكي لك ما حدث'. في تلك اللحظة، كانت تُسمع أصوات دبابات إسرائيلية تتحرك وإطلاق نار قريب من المخيم. قلت له اجلس ونَم لأن هناك إطلاق نار. أصرّ على حكاية القصة قبل أن ينام."

قبل أن ينهي حديثه، اخترقت رصاصة إسرائيلية رأس أمير وخرجت من رقبته أمام والده وأمه وإخوته.

"لم تكن رصاصة عادية، كانت رصاصة متفجرة. سمعتها تنفجر بعد أن اخترقت رأسه،" تابع البشيتي.

"وقع على الأرض وتقيّأ دماً. أمسكت بيده لكنه كان فاقد الوعي. بحلول الوقت الذي حملته فيه وخرجت مسرعاً نحو المستشفى، كان قد فارق الحياة."

كان أمير وعائلته قد نزحوا من رفح ولجأوا إلى منطقة بطن السمين في خان يونس، وهي منطقة تعدّ آمنةً نسبياً تأوي عشرات الآلاف من النازحين.

تصاعد استهداف إسرائيل للمدنيين في الأسابيع الأخيرة، إذ بات الفلسطينيون يرتقون ويُصابون في مناطق تبعد بشكل واضح عن الخط الأصفر، بما في ذلك مواقع مصنّفة آمنةً بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

في يوم الجمعة وحده، استشهد طفل فلسطيني وأُصيب اثنان آخران من عائلة توتح حين أسقطت طائرة رباعية المراوح الإسرائيلية قنبلةً عليهم أثناء جمعهم الماء شرق مدينة غزة. وفي اليوم ذاته، ارتقى فلسطيني آخر بنيران إسرائيلية شرق دير البلح في وسط القطاع.

منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، ارتقى عن 1,072 شهيدًا فلسطينياً وأُصيب 3,463 آخرون في أرجاء قطاع غزة. وقد بلغ إجمالي من ارتقى إثر الهجمات الإسرائيلية في غزة منذ أكتوبر 2023 ما لا يقل عن 73,098 شهيدًا، فيما لا يزال آلاف آخرون في عداد المفقودين ويُرجَّح أنهم دُفنوا تحت الأنقاض.

قال البشيتي: "من يُسمّي هذا وقفاً لإطلاق النار فهو يتجاهل ما يجري فعلياً على الأرض. هذا ليس وقفاً لإطلاق النار، بل هو استمرارٌ للنار."

أخبار ذات صلة

Loading...
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الصومال حسن شيخ محمود يجلسان أمام أعلام بلديهما في اجتماع لتعزيز التعاون البحري والموانئ.

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال

تشهد منطقة البحر الأحمر تحالفاً جديداً بين مصر والصومال لتعزيز النقل البحري والأمن الإقليمي، ما يؤسس محور نفوذ قوي يوازن التوترات مع إثيوبيا. اكتشف تفاصيل الاتفاق وفرص التعاون البحري الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
عناصر عسكرية مصرية على مركبة عسكرية قرب الحدود مع غزة، في سياق التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل وسط توترات الحرب.

الجيش الإسرائيلي والمصري يشاهدان مباراة الأرجنتين معاً في القاهرة

تتصاعد التوترات في غزة وسط حوار استراتيجي مصري إسرائيلي يركز على التنسيق الأمني ودور القاهرة كوسيط رئيسي مع حركة حماس بعد سنوات من التعاون العسكري. اكتشف تفاصيل المشهد الإقليمي المعقد وتأثيره على مستقبل القطاع الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريش خلال مؤتمر يتحدث عن تصريحات مثيرة للجدل بشأن سكان غزة والتوسع الإسرائيلي في لبنان.

ستموتريتش: ويتكوف وصف فلسطينيي غزة بـ"مليوني نازي"

وزير المالية الإسرائيلي سموتريش يصف سكان غزة بـ«النازيين» ويدعو لتهجيرهم، وسط تصاعد التوترات ودعوات لضم أراضٍ لبنانية. اكتشف التفاصيل المثيرة وتداعياتها الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
مزارع فلسطيني في المزرعة الشرقية يرفع يديه أمام أشجار العنب المهددة بالمصادرة لتوسيع طريق المستوطنين في الضفة الغربية.

توسيع الطرق الاستيطانية: إسرائيل تصادر أراضٍ فلسطينية جديدة بالضفة الغربية

تتصاعد أزمة مصادرة الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية مع توسعة طريق 60 الذي يهدد آلاف الدونمات المزروعة بأشجار الزيتون القديمة. اكتشف تفاصيل هذا التهديد وانضم لصوت المطالبة بالعدالة الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية