وورلد برس عربي logo

اعتقال الطالب محمود النجار وحلم المنحة المكسور

محمود النجار فقد عائلته في الحرب وحصل على منحة دراسية في إيطاليا لكن اعتقاله عند معبر كرم أبو سالم قطع حلمه. قصة ألم وأمل وسط ظروف قاسية تواجه آلاف الطلاب في غزة. تابع التفاصيل في وورلد برس عربي.

جندي إسرائيلي يرتدي خوذة ونظارات شمسية، يقف بالقرب من معبر كرم أبو سالم، في سياق التوترات المستمرة في غزة.
يقف جندي إسرائيلي بجانب شاحنة عند معبر كرم أبو سالم (كيرم شالوم) بين جنوب إسرائيل وقطاع غزة، 27 يوليو 2025 (كارلوس ريس/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

محمود النجار، البالغ من العمر 38 عاماً، كان يرى في المنحة الدراسية الإيطالية بداية جديدة بعد أن فقد كلّ شيء جرّاء الإبادة الإسرائيلية المتواصلة في غزة.

غير أنّ هذا الأمل تحطّم عند معبر كرم أبو سالم (Kerem Shalom) في مطلع يونيو الماضي، حين اعترضته قوات الاحتلال الإسرائيلي وأخضعته للاستجواب، قبل أن ينقطع أيّ تواصل معه كلياً.

زملاؤه الذين كانوا يسافرون ضمن رحلة نظّمتها السفارة الإيطالية غادروا المعبر دونه، وأبلغوا عائلته لاحقاً بخبر اعتقاله.

قال شقيقه عطية النجار، 28 عاماً : "بعد أن ودّعنا محموداً وشعرنا بالسعادة لأنّه يبدأ رحلة جديدة، صُدمنا حين قرأنا خبر اعتقاله على منصّات التواصل الاجتماعي."

وأضاف: "كان قاسياً جداً أن نعرف باعتقاله واختفائه عبر تصفّح وسائل التواصل الاجتماعي، دون أن نتلقّى أيّ إشعار رسمي."

بذل عطية، الشقيق الأصغر، كلّ ما في وسعه للوصول إلى عائلة الطالب الذي شهد الاعتقال وسرّب خبره إلى المجموعات الإلكترونية.

وقال: "تواصلنا أخيراً مع عائلة زميل أخي، الذي نقل لنا التفاصيل. ابنهم رأى أخي يُعتقل ويُؤخذ للاستجواب بينما كان هو نفسه يُستجوب، قبل أن يُفرج عنه."

كانت عائلة النجار تنظر إلى هذه المنحة باعتبارها فرصة لإعادة البناء بعد خسائر مدمّرة؛ ففي قصف إسرائيلي طال منزل العائلة في جباليا في أكتوبر 2024، فقد محمود والده وأخاه الأكبر وزوجته وأطفاله الأربعة دفعةً واحدة.

وخلال الحرب، حاول محمود أن يتجاوز حزنه بإتمام درجة الماجستير في الاقتصاد الدولي ونشر أبحاث علمية محكّمة.

قال عطية: "بذل محمود جهداً هائلاً للحصول على هذه المنحة. قضى أشهراً في ملء الطلبات وتوثيق المستندات الرسمية، وخضع لعدّة مقابلات حتى حصل على مقعد في جامعة Rome Tor Vergata."

وأردف: "أخي ليس شخصاً عادياً؛ يحمل بكالوريوس في الهندسة و في الرياضيات، وشهادة دكتوراه في الإدارة والاقتصاد الدولي."

بيد أنّ مسيرة النجار الأكاديمية توقّفت فجأة حين اعتقلته قوات الاحتلال دون إبلاغ عائلته بمصيره أو حالته الصحية أو مكان احتجازه، تاركاً إياهم في قلقٍ حادّ.

وأضاف عطية: "لم نتوقّع أن يحدث هذا، لا سيّما أنّه كان قد حصل على تصريح السفر من الجانب الإسرائيلي."

منذ الاتفاق الجزئي لوقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، سافر مئات الطلاب عبر معبري كرم أبو سالم ورفح اللذين أُعيد فتحهما جزئياً. غير أنّ السلطات الإسرائيلية لم تسمح سوى لنحو 7,000 شخص من أصل 19,600 متقدّم - معظمهم من المرضى والجرحى بالسفر عبر معبر رفح، وذلك بعد فحص أمني مشدّد وفق ما أفاد به مكتب الإعلام الحكومي في غزة. ولا تتوفّر أرقام رسمية بشأن من سافروا عبر كرم أبو سالم.

في المقابل، لم يُسمح سوى لنحو 1,500 شخص بالعودة إلى غزة عبر رفح، في ظلّ قيود صارمة على حركة الدخول إلى القطاع.

وتتصاعد مخاوف عائلة النجار مع تراكم شهادات مسافرين آخرين يصفون تعرّضهم للتعذيب والاستجوابات المطوّلة عند المعابر.

قال عطية: "تواصلنا مع الصليب الأحمر ومنظمة 'عدالة' (Addameer) لمعرفة مصير أخي، لكنّهما للأسف لم يتمكّنا من الحصول على أيّ معلومات."

تلقّت العائلة اتصالاً من مركز الميزان لحقوق الإنسان يؤكّد فيه أنّ محموداً محتجزٌ في سجن عسقلان، وأنّه ممنوع من الزيارات حتى 15 يونيو. لكن بعد مرور ذلك التاريخ، لم تتمكّن أيّ منظمة حقوقية من الوصول إليه.

قال عطية: "حتى بعد التاريخ المحدّد، لم تستطع أيّ منظمة حقوقية زيارته لطمأنتنا. والدتي في حالة صحية صعبة بسبب القلق، لا سيّما بعد فقدان والدي وأخي الأكبر في القصف، فضلاً عن أنّ اثنين من إخوتي في السجون الإسرائيلية حالياً، اعتُقلا خلال عملية عسكرية في منطقة نزوحنا أثناء الحرب."

الخوف من الكلام

حاولنا التواصل مع عائلة الطالب الذي شهد الاعتقال، لكنّها رفضت الحديث خشيةً على حياتها وعلى ابنها في الخارج.

وهذه العائلة ليست استثناءً؛ إذ رفض غالبية الطلاب الذين خضعوا للاستجواب أو تعرّضوا للإساءة الحديثَ عن تجاربهم، حتى باستخدام أسماء مستعارة.

محمد أحمد، وهو اسم مستعار، كان محظوظاً إذ تمكّن من السفر عبر كرم أبو سالم لاستئناف دراسته في أوروبا دون أيّ عوائق.

قال : "عملت صحفياً خلال الحرب وتعرّضت لتهديدات من مستوطنين وناشطين إسرائيليين على وسائل التواصل الاجتماعي. لكن بعد حصولي على المنحة وتصريح السفر إثر الفحص الأمني، خضت المجازفة. كان الحظّ في صفّي وسافرت دون استجواب أو إساءة."

أحد زملائه، سافر بعده بفترة وجيزة في إطار المنحة ذاتها ويتشابه معه في الاسم، لم يكن بالمحظوظ نفسه.

قال أحمد: "صُدمت حين أخبرني زميلي أنّه استُجوب من قِبل الجيش الإسرائيلي وسُئل عن أعمال صحفية كنت أنا من قام بها حين كنت في غزة."

وأضاف: "رغم إخباره إيّاهم بأنّه لا يعمل صحفياً وأنّ تخصّصه مختلف، جرّدوه من ملابسه وضربوه وأساؤوا إليه وأهانوه، فقط بسبب تشابه الاسمين، قبل أن يسمحوا له بالمغادرة."

وأشار أحمد إلى أنّ زميله يلتزم الصمت حيال هذه المحنة، خشيةً على عائلته في غزة وعلى مستقبله الدراسي في الخارج.

"كثير من الطلاب مرّوا بهذه التجربة المهينة، لكنّ الخوف على حياتهم وعائلاتهم يدفعهم إلى الصمت."

ممارسات ممنهجة

قالت لينا الطويل، مديرة المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، إنّ مؤسّستها تلقّت تقارير من مسافرين غادروا غزة، من بينهم مرضى وطلاب ومرافقوهم، يصفون فيها ساعاتٍ من الاحتجاز والاستجواب، وفي بعض الحالات الحرمان من السفر كلياً.

وقالت : "تلقّينا شهادات مباشرة من مسافرين أو ذويهم تصف تعرّضهم للاحتجاز والاستجوابات الأمنية، التي تضمّنت أسئلة عن أماكن الإقامة والأقارب والتنقّلات داخل القطاع والانتماءات، وتفاصيل لا صلة مباشرة لها بالسفر أو العلاج."

و أوضحت الطويل أنّ المركز لا يستطيع تقديم رقم دقيق لمن خضعوا للاستجواب أو الاحتجاز نظراً لصعوبة الوصول إلى الضحايا في زمن الحرب، "لكن يمكننا القول إنّ الحالات متكرّرة وليست معزولة."

وأضافت: "في معظم الحالات، يسأل الجيش المسافرين عن أماكن وجود أقاربهم وعدد أفراد العائلة والانتماءات السياسية، أو انتماء أيّ فرد من العائلة لا يزال داخل قطاع غزة."

الشهادات التي وثّقها المركز تصف مسافرين يُكبَّلون ويُعصَب على أعينهم ويُهانون وهي روايات تتسق مع تحذيرات منظمات حقوق الإنسان التي أشارت سابقاً إلى أنّ إسرائيل تستخدم تصاريح المعابر ذريعةً لاعتقال الفلسطينيين.

المسافرون العائدون يواجهون ظروفاً مماثلة. ورغم إحجام معظمهم عن الكلام، وصف بعضهم إساءات تعرّضوا لها خلال استجوابات الجيش الإسرائيلي عند معبر رفح البري.

قال عبد الرحيم أبو طعيمة، 39 عاماً: "لم أتخيّل في حياتي كلّها أن أتعرّض لهذا القدر من الإهانة والألم النفسي."

بعد وصول الحافلة التي تقلّ مجموعته إلى نقطة التفتيش التابعة للجيش الإسرائيلي، جرى استدعاء الأسماء واحداً تلو الآخر. حين جاء دور أبو طعيمة، أُحضر إلى غرفة الاستجواب.

بدأ الجنود بسؤاله عمّا إذا كان يعرف عدداً من الأشخاص، فنفى معرفته بهم جميعاً.

"بعد أن نفيت معرفتي بهم، فاجأني أحد الجنود بصفعة قوية على وجهي، ثم لكمني بشدّة وقال ساخراً: 'يبدو أنّك لا تعرف أحداً'، ونعتني بالكلب."

كان أبو طعيمة قد سافر مع ابنه عام 2025 لإجراء عملية قلب مفتوح في مصر، وقبيل عودته إلى غزة أجرى عملية طارئة في ركبته إثر سقطة أدّت إلى تمزّق أوتاره.

ورغم إبلاغه الجنود بعمليته الجراحية الأخيرة، تجاهلوا حالته الصحية ورفضوا منحه مقعداً للجلوس.

قال أبو طعيمة: "بعد الصفع واللكم، أجبرني الجيش على خلع ملابسي كاملةً دون مراعاة لخصوصيتي، لا سيّما في حضور جنديات. وأجبروني أيضاً على نزع الضمادة عن ركبتي رغم عجزي عن ثني ظهري."

وأضاف: "بصقوا في وجهي، ونعتوني بأبشع الأوصاف، وأجبروني على الوقوف ساعتين في حرّ شديد. وكلّما أخبرتهم بتعبي وعجزي عن الوقوف، زادوا في إهانتي."

طلب أبو طعيمة ماءً فرُفض طلبه.

بعد ساعات من الإساءة على حدّ وصفه، سمح له الجنود بالمغادرة لكنّهم صادروا هاتفه وأجهزته الإلكترونية. وعاد إلى خيمته في غرب خان يونس دون ممتلكاته.

"صُدمت حين وجدت أدوية ابني وأدويتي مسروقة، إلى جانب كثير من ملابسنا من الحقيبة. الآن أنا بلا هاتف. وفوق ألمي النفسي والجسدي، لا تتوفّر هواتف للشراء، وما هو متاح يُباع بأسعار خيالية لا أستطيع تحمّلها."

خلّفت هذه المحنة تورّماً وكدمات شديدة في ركبة أبو طعيمة، باتت تستدعي زيارات دورية إلى مستشفى ناصر الطبي.

"غادرت غزة مع ابني المصاب، وعدت بإصابة في ركبتي لم تشفَ بعد، وبتجربة استجواب قاسية ومفاجئة لن أتعافى من ألمها."

أخبار ذات صلة

Loading...
دخان يتصاعد فوق مبانٍ في صنعاء بعد ضربات جوية سعودية على مطار صنعاء، مع تصاعد التوتر بين الحوثيين والسعودية.

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

تصعيد جديد ينهي الهدنة بين الحوثيين والسعودية بعد ضربات جوية على مطار صنعاء، ما يهدد استقرار المنطقة ويعقد جهود السلام في اليمن. اكتشف تفاصيل التصعيد وتأثيراته على الصراع الإقليمي واستعد لتتبع آخر التطورات الحاسمة.
الشرق الأوسط
Loading...
الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في اجتماع رسمي، مؤسس نهضة قطر الحديثة ودبلوماسي بارز في أسواق الطاقة والإعلام.

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يختتم حقبة تحول فيها قطر إلى قوة عالمية في الغاز والدبلوماسية والإعلام. اكتشف كيف شكّل إرثه مستقبل قطر وقيادتها الشابة. تابع التفاصيل الآن!
الشرق الأوسط
Loading...
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الصومال حسن شيخ محمود يجلسان أمام أعلام بلديهما في اجتماع لتعزيز التعاون البحري والموانئ.

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال

تشهد منطقة البحر الأحمر تحالفاً جديداً بين مصر والصومال لتعزيز النقل البحري والأمن الإقليمي، ما يؤسس محور نفوذ قوي يوازن التوترات مع إثيوبيا. اكتشف تفاصيل الاتفاق وفرص التعاون البحري الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
عناصر عسكرية مصرية على مركبة عسكرية قرب الحدود مع غزة، في سياق التنسيق الأمني بين مصر وإسرائيل وسط توترات الحرب.

الجيش الإسرائيلي والمصري يشاهدان مباراة الأرجنتين معاً في القاهرة

تتصاعد التوترات في غزة وسط حوار استراتيجي مصري إسرائيلي يركز على التنسيق الأمني ودور القاهرة كوسيط رئيسي مع حركة حماس بعد سنوات من التعاون العسكري. اكتشف تفاصيل المشهد الإقليمي المعقد وتأثيره على مستقبل القطاع الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية