أصوات المقاومة في مواجهة النخب الفلسطينية
تاريخ المقاومة الفلسطينية يكشف عن صراع مستمر ضد الاستعمار، حيث تتجلى ثلاثة أنماط من الردود: المقاومة، التعاون، والخضوع. في ظل الإبادة والتهجير، يبرز دور النخب والمتعاونين، مما يسلط الضوء على معاناة الشعب الفلسطيني.

بعد أكثر من قرنٍ من الزمن على بدء الصراع الفلسطيني، وفي خضمّ الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرّة في غزة والإرهاب المتواصل في الضفة الغربية ولبنان، لا تواجه المقاومة الفلسطينية واللبنانية عدوّها الإسرائيلي وحده، بل تجد نفسها أيضاً في مواجهة نخبٍ من أبناء شعبها تتعاون مع ذلك العدو.
لم يكن هذا المشهد يوماً جديداً. فعبر التاريخ، حين تعرّضت الشعوب للاستعمار والهيمنة الخارجية، جاءت ردود أفعالها على ثلاثة أنماطٍ متكرّرة.
أوّلها: المقاومة الجذرية التي حملها الفلاحون والعمّال الفقراء وشريحةٌ واسعة من الطبقة الوسطى الحضرية.
وثانيها: التعاون والتسوية من جانب معظم النخب الثرية وبعض قطاعات الطبقة الوسطى، مبرَّرَين بالاعتقاد بأنّ هذا التعاون سيُفضي إلى تنازلاتٍ استعمارية وسيُجنّب المواجهة المفتوحة التي يُرجَّح أن يخسرها المستعمَر.
وثالثها: الخضوع التامّ والتعاون المباشر من شريحةٍ أخرى من الأثرياء، طمعاً في معاملةٍ تفضيلية على حساب المتعاونين الآخرين، انطلاقاً من منطقٍ مفاده أنّ استمرار الاستعمار يصبّ في مصلحة النخبة بوصفها وكيلاً محلياً له.
سُجِّلت هذه الأنماط الثلاثة في مختلف أرجاء العالم المستعمَر وما بعد الاستعماري، من آسيا إلى أفريقيا، ولم يكن العالم العربي بما فيه الشعب الفلسطيني استثناءً من هذه القاعدة.
فقد استجاب المجتمع الفلسطيني قبل النكبة للاستعمار البريطاني والاستيطان الصهيوني بالطريقة ذاتها، كما فعل بعدها.
منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من خلافاتها الداخلية، توافقت النخب الفلسطينية الثرية على أنّ مقاومة الاستعمار الصهيوني تستلزم التعاون مع المحتلّ البريطاني. قادت هذه الاستراتيجيةَ كلٌّ من الهيئة العربية التنفيذية والمجلس الإسلامي الأعلى، اللذان هيمنت عليهما العائلات الفلسطينية الثرية في القدس ويافا وسائر المدن.
في المقابل، وقفت نخبٌ أخرى في مقدّمتها عائلةٌ قدسية منافسة وعائلاتٌ أخرى مُهمَّشة داخل هاتين الهيئتين موقف التعاون الكامل مع البريطانيين والصهاينة. وبتمويلٍ صهيوني ودعمٍ مباشر، أسّست هذه النخب «الحزب الزراعي»، وجمعية الأمة المسلمة، ثم الحزب الوطني لاحقاً.
في مواجهة هذا كلّه، اختار غالبية الفلاحين والعمّال المقاومة، وكان لهم في ذلك دعمٌ واسع من الطبقة الوسطى الحضرية.
حركة الاستقلال
أمام خيبة الأمل من النخب الفلسطينية سواءٌ المتعاونون الصريحون أو المتساوقون المتذبذبون انبرى المثقّفون من الطبقة الوسطى لتأسيس حزب الاستقلال عام 1932. دعم الحزب مقاومة الفلاحين والعمّال، وأطلق حركةً حقوقية قوامها المظاهرات والمقاطعة والعصيان المدني.
استلهم حمدي الحسيني من غزة وهو غير منتسب إلى عائلة الحسيني القدسية الكبرى وسائر قيادات الاستقلال الشبابية روحَهم من نضالاتٍ ضدّ الاستعمار في بلدانٍ أخرى، ولا سيّما نشاط غاندي في الهند.
على خطى غاندي، نادى قادة حزب الاستقلال ومنهم الحسيني وأكرم زعيتر، المعلّم الشاب من نابلس، وعزّت دروزة المثقّف القومي والمعلّم، والمحامي عوني عبد الهادي الذي كان أيضاً أميناً للهيئة التنفيذية العربية التي تسيطر عليها النخبة بعد عام 1928 بعدم التعاون مع الحكام البريطانيين في فلسطين. واستعاروا أساليب غاندي، بما فيها مسيرة الملح التي استمرّت شهراً كاملاً في مارس 1930، فضلاً عن المقاطعة والعصيان المدني.
وما إن تأسّس الحزب حتى جاهر قادته بانتقاد النخب الفلسطينية لتواطئها مع الحكم البريطاني. ففي أوّل اجتماعٍ جماهيري للحزب في ديسمبر 1932، طالب قادته بالاستقلال، وندّدوا ببريطانيا والصهيونية، ودعوا إلى التضامن مع العراق والسعودية ومصر التي نالت استقلالها حديثاً. واتّهموا الهيئة التنفيذية العربية بالسلبية، وطالبوا قياداتها برفض التعاون مع سلطات الانتداب البريطاني.
في العام التالي، بلغت قدرة الاستقلال على التعبئة ذروتها، في وقتٍ وصل فيه القمع البريطاني والفصل العنصري الصهيوني وتهجير الفلاحين الفلسطينيين وموجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين مستوياتٍ غير مسبوقة.
المقاومة والقمع
حين عجز حزب الاستقلال عن إقناع الهيئة التنفيذية العربية بتبنّي سياسة عدم التعاون، تحرّك وحده لتنظيم مظاهراتٍ في أكتوبر 1933 احتجاجاً على السياسة البريطانية والاستيطان الصهيوني. وفي نهاية المطاف، تراجعت الهيئة وأيّدت الدعوة إلى التظاهر، رغم «معارضة» التيار المتعاون مع الاستعمار.
خرج آلاف المتظاهرين في أرجاء فلسطين، من بينهم 8,000 شخص في يافا وحدها، شمل الموكبَ 600 فلسطيني من وادي الحوارث الذين جُرِّدوا من أراضيهم على يد المستوطنين الصهاينة قبل أشهرٍ قليلة. ردّت الشرطة البريطانية بعنفٍ مفرط، فاستشهد 26 متظاهراً أعزل في يافا وحيفا وجرح العشرات.
رأت السلطات البريطانية والنخب الفلسطينية من الفريقين والصهاينة معاً مصلحةً مشتركة في إسكات حزب الاستقلال. ونجحت جهودهم المشتركة في تحطيم ما كان قد غدا أكثر الأحزاب الفلسطينية المناهضة للاستعمار شعبيةً بحلول عامَي 1934-1935.
بيد أنّ الناشطين الفلسطينيين الشباب، ومنهم عناصر سابقة من الاستقلال ومؤتمر الشباب، واصلوا مطالبتهم للنخب بالتخلّي عن مساعيها العقيمة لكسب الدعم البريطاني في مواجهة الصهيونية، والتحوّل بدلاً من ذلك إلى عدم التعاون.
وبحلول عام 1936، أطلق العمّال الفلسطينيون إضراباتٍ متعدّدة عارضتها القيادات النخبوية، ممّا كلّفها مزيداً من الدعم في صفوف حركة الشباب وبقايا حزب الاستقلال وقاعدته العمّالية.
وبينما واصل السياسيون من النخبة محادثاتهم مع المندوب السامي حول إنشاء مجلسٍ تشريعي، انتهت اجتماعاتٌ جديدة قادها إسقلاليون من أمثال حمدي الحسيني وانضمّ إليهم عمّال المدن إلى إعلان إضرابٍ عامّ شامل في 19 أبريل 1936.
امتدّ الإضراب ستة أشهر كاملة، وهو حتى اليوم أطول إضرابٍ عامّ في تاريخ البشرية.
تقدّم الفلسطينيون المحتشدون، بقيادة الاستقلاليين والمجموعات الشبابية ومنها جمعية الشبّان المسلمين، إلى الواجهة السياسية. وأجبر هذا الزخم السياسيين من النخبة ومنهم المفتي أمين الحسيني الذي كان قد عارض الإضراب في البداية على تأسيس اللجنة العربية العليا بعد أسبوعٍ واحد، لتحلّ محلّ الهيئة التنفيذية العربية التي حُلّت في أغسطس 1934 جرّاء الانقسامات النخبوية.
سعت اللجنة العليا إلى تلطيف مطالب العصيان المدني، فيما ذكّر المندوب السامي البريطاني القيادةَ النخبوية بدورها في لجم الجماهير. وظلّ تردّد المفتي في دعم الإضراب العام والانتفاضة الفلسطينية الأشمل قائماً حتى صيف عام 1936.
في الوقت ذاته، شرعت النخب الفلسطينية في تأسيس أحزابٍ سياسية تتنافس على كسب الرضا البريطاني، ومنها حزب الدفاع الوطني الذي سعى إلى التقرّب من الصهاينة.
وسط هذا التناقض الصارخ بين ثبات الفلاحين والعمّال وشباب الطبقة الوسطى والمثقّفين على خيار المقاومة، وتواصل تعاون النخب وتواطئها، اندلعت الثورة الكبرى الفلسطينية واستمرّت حتى قمعها بوحشيةٍ على يد البريطانيين والمستوطنين الصهاينة عام 1939، وقد راح ضحيّتها أكثر من 8,000 شهيد فلسطيني.
وشكّل المتعاونون من النخبة الفلسطينية ميليشياتٍ ثوريةً مضادة عُرفت بـ«فصائل السلام» لاغتيال الثوار الفلسطينيين. وكانت هزيمة الثورة الكبرى إيذاناً بنكبة 1948 بعد تسع سنوات.
ورثة أوسلو
عادت هذه الديناميكيات إلى الظهور في مرحلة ما بعد النكبة. فأبناء الفلاحين والعمّال المُهجَّرين، إلى جانب شرائح من الطبقة الوسطى، أطلقوا نضالاً سياسياً جديداً في أواخر الخمسينيات، تحوّل إلى حركة مقاومةٍ مسلّحة بحلول أواخر الستينيات.
سرعان ما سعت النخب الفلسطينية إلى احتواء هذه الحركة، بحجّة منحها «الشرعية الدولية»، وذلك أوّلاً عبر الوساطة لدى الأنظمة العربية للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية (PLO) عام 1974 بوصفها «الممثّل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني».
وسرعان ما روّضت التمويلاتُ العربية منظمةَ التحرير، التي راحت تُكرّر استراتيجية النخبة الفلسطينية قبل النكبة، فخفّفت من مطالبها المتعلّقة بتحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، وانزلقت نحو المطالبة بـ«حلّ الدولتين». وأفضت القنوات السرية مع الولايات المتحدة والقنوات المفتوحة مع أوروبا إلى تقليص جدول أعمال المنظمة من التحرير الكامل إلى المطالبة بدويلةٍ هزيلة على جزءٍ ضئيل من أرض فلسطين.
غير أنّ منظمة التحرير بعد عام 1974، إذ كانت تُعيد إنتاج دور المتساوقين والمتنازلين من النخبة الفلسطينية بين العشرينيات والأربعينيات، فإنّ توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 حوّلها من جديد إلى ما يُشبه الشريحة الأخرى من نخبة تلك الحقبة كالحزب الزراعي وحزب الدفاع الوطني التي تعاونت صراحةً مع الصهاينة ورعاتهم الاستعماريين.
والسلطة الفلسطينية اليوم ليست إلّا صورةً طبق الأصل من تلك القوى المتعاونة مع الاستعمار.
في المقابل، سعت منظمة التحرير في عهد ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية التي خلفتها إلى إخماد كلّ محاولةٍ لإحياء نهج المقاومة الذي تبنّاه حزب الاستقلال والثوار الفلاحون، ذلك النهج الذي تبنّاه في البداية «التيار الرافض» داخل منظمة التحرير منذ منتصف السبعينيات، ثم حركتا حماس و الجهاد الإسلامي وما تبقّى من يسار المنظمة منذ أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات.
وبلغ ذلك ذروته في الانقلاب على حكومة حماس المنتخبة عام 2007، الذي دبّرته الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، في صدىً واضح لما فعله تحالفٌ مماثل ضدّ حزب الاستقلال في ثلاثينيات القرن الماضي.
وقد اضطلعت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بالدور ذاته الذي اضطلعت به «فصائل السلام» في الثلاثينيات. هذا هو الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ عام 1993.
ولا يزال صراعه اليوم قائماً بين سلطةٍ متعاونة مع الاستعمار ومقاومةٍ تحرّرية تسعى إلى وضع حدٍّ للاستعمار الاستيطاني.
الإبادة الجماعية في غزة هي الردّ الإسرائيلي وردّ رعاته الغربيين على المقاومة الفلسطينية، فيما ضاعفت السلطة الفلسطينية بوصفها وكيلاً لهذا المحور حربها وقمعها ضدّ المقاومة في مناطق الضفة الغربية الخاضعة لسيطرتها خلال فترة الإبادة ذاتها. وتستعين السلطة في ذلك بجيش الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين المسلّحين.
بيد أنّه تماماً كما عجزت النخب الفلسطينية المتعاونة والمتساوقة في الفترة الممتدّة من العشرينيات إلى الأربعينيات عن وأد المقاومة، يفشل متعاونو السلطة الفلسطينية اليوم في أداء المهمّة المنوطة بهم: القضاء على روح المقاومة في الشعب الفلسطيني.
هذه المقاومة المستمرّة في وجه إسرائيل ورعاتها الغربيين والسلطة الفلسطينية المتعاونة والنخب الفلسطينية الثرية الداعمة لها، هي التي ستحدّد في نهاية المطاف مصير الشعب الفلسطيني.
بعد أكثر من قرنٍ من التعاون والمقاومة، وإصرار إسرائيل على مواصلة إبادتها، تواصل كفّة الميزان انحيازها في اتّجاهٍ واحد: نحو المقاومة.
أخبار ذات صلة

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال
