رصاصة تغير حياة ممرّض في قلب العديسة
شاب ممرّض في حي العديسة أصيب برصاصة من مستوطنين أثناء محاولته إسعاف المصابين وسط تصاعد العنف والاعتداءات على الفلسطينيين ومصادرة الأراضي في الخليل. قصة مأساوية تعكس واقع التهجير والتضييق المستمر وورلد برس عربي.

مرّت لحظاتٌ قليلة على وصول محمد مطور إلى حيّ العديسة في بلدة سعير، شمال شرق الخليل، حتى أصابته رصاصة في ظهره أطاحت بمستقبله دفعةً واحدة. الشابّ البالغ من العمر 26 عاماً، والذي يعمل ممرّضاً، لم يكن مشاركاً في أيّ مواجهة؛ ذهب إلى المكان لإسعاف المصابين حين سمع بهجوم المستوطنين على البلدة. وحين وصل، أطلق عليه أحد المستوطنين النار من الخلف، فقطعت الرصاصة حبله الشوكي وخلّفته شبه مشلول.
أُصيب فلسطيني آخر في الكتف بالرصاص الحيّ في الهجوم ذاته.
روى خليل مطور، عمّ محمد، تفاصيل ما جرى، قائلاً إنّ المستوطنين انتشروا في المنطقة وأطلقوا النار بشكل عشوائي على السكّان. وأضاف: «كانوا يقصدون القتل، ولم يكترثوا بأيّ شيء. صعدوا إلى التلّة المجاورة للمنازل وصوّبوا أسلحتهم نحو السكّان. إحدى رصاصاتهم أصابت محمد في ظهره، وكانوا يريدون قتله».
لم تستطع سيارات الإسعاف الوصول إلى محمد لأنّ المستوطنين أغلقوا المداخل بعد إقامتهم بؤرة استيطانية جديدة في الحيّ، بهدف إجبار السكّان على المغادرة. فنقله أهله بسياراتهم الخاصة إلى بلدة بني نعيم المجاورة، ومنها نُقل إلى المستشفى.
قال خليل: «كأيّ مريض أو مصاب فلسطيني، واجه محمد صعوبةً في الوصول إلى المستشفى. وحين وصل، تبيّن أنّ الرصاصة قطعت حبله الشوكي. عرف فور إصابته أنّه مشلول، بحكم عمله ممرّضاً».
يستعدّ محمد الآن للانتقال إلى مستشفى المقاصد في القدس لإجراء مزيد من الاستشارات، رغم أنّ الأطباء لا يُبشّرون بكثير من الأمل في استعادة وظائف أطرافه السفلية نظراً لخطورة الإصابة. كان قد بنى منزلاً في المنطقة مؤخّراً وخطط للزواج والاستقرار فيها، وكان يعمل في مستشفى دورا الحكومي. يقول عمّه إنّ تلك الخطط تبدّدت كلّها.
«الآن لا يأمل إلا في العلاج والتكيّف مع واقعه الجديد. يعلم تماماً أنّ إصابته خطيرة وستؤثّر عليه طوال حياته»، أضاف خليل.
ثماني بؤر استيطانية
جاء الهجوم في سياق تصاعدٍ حادّ في أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي ضدّ الفلسطينيين في قرى ومدن الضفة الغربية المحتلّة، وتقع الخليل في قلب هذا التصعيد.
يقطن حيّ العديسة، حيث وقع الهجوم، نحو 1,800 فلسطيني. تقع المنطقة على خطّ المواجهة مع التمدّد الاستيطاني، شرق الطريق رقم 60، وهو شارع التفافي للمستوطنين ابتلع مساحاتٍ واسعة من أراضي سعير والخليل والبلدات المجاورة. وإلى الغرب تقع مستوطنتا Kiryat Arba وKharsina. ولسنوات طويلة، يواجه الفلسطينيون في المنطقة قيوداً على البناء والتطوير، فضلاً عن اعتداءاتٍ متكرّرة على الأراضي الزراعية وأشجار الزيتون.
لم يقف الأمر عند حدّ تضييق الخناق على التوسّع الفلسطيني، بل تجاوزه إلى مصادرة الأراضي تدريجياً. ففي عام 2012، زرع المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي أشجاراً على أجزاء من أراضي العديسة والبقعة، وقُدّرت المساحة المتضرّرة آنذاك بنحو 500 دونم (50 هكتاراً)، وسرعان ما باتت تلك المنطقة مسرحاً لاعتداءاتٍ على الأشجار والممتلكات.
يوسف طروة، ناشط من بلدة سعير، أفاد بأنّ المستوطنين أقاموا ثماني بؤر استيطانية على أراضي البلدة منذ مايو 2025، تمتدّ في جميع الاتجاهات وتستولي على آلاف الدونمات، ما يجعل حياة السكّان أشدّ وطأةً يوماً بعد يوم.
وأشار إلى أنّ العديسة تتعرّض باستمرار لاستهداف المستوطنين الساعين إلى تهجير سكّانها، رغم أنّ بعض منازلها يعود إلى عام 1940. وقال : «قبل شهر، اقتحموا المنطقة ونفّذوا عمليات جرف واسعة على الأراضي الفلسطينية تحت حماية الجيش الإسرائيلي. أحرقوا تلّةً بأكملها، ونصبوا كرفانات، واعتدوا على السكّان، ثمّ شرعوا في إغلاق الطرق».
مع إغلاق المستوطنين للطريق الرئيسية، اضطرّ السكّان إلى سلوك مسالك ترابية وعرة للوصول إلى منازلهم، فتحوّلت رحلاتٌ كانت تستغرق دقائق إلى ساعاتٍ من المعاناة.
وأوضح طروة: «يوم إصابة مطور، كان الجيش الإسرائيلي حاضراً إلى جانب المستوطنين ولم يتحرّك لإيقافهم. بات واضحاً لنا أنّ المستوطن والجندي وعنصر الشرطة الإسرائيلية وجهٌ واحد».
وبعد ساعاتٍ قليلة من هجوم العديسة، أفادت وسائل إعلام فلسطينية بهجومٍ آخر للمستوطنين في حيّ الجعبري بالخليل، أسفر عن إصابة عشرة فلسطينيين، من بينهم اثنان أُصيبا بالرصاص الحيّ، فيما اعتقل الجيش الإسرائيلي أحد المصابين.
ارتفاعٌ متواصل في الأرقام
وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (Ocha) أكثر من 1,330 هجوماً للمستوطنين أسفرت عن إصاباتٍ في صفوف الفلسطينيين أو أضرارٍ في الممتلكات، طالت 250 تجمّعاً فلسطينياً منذ مطلع عام 2026 وحتى 20 يوليو، أي ما يزيد على 6 هجمات يومياً.
استشهد 18 فلسطينياً على الأقل وأُصيب 880 آخرون في هجمات المستوطنين خلال عام 2026. وتكشف هذه الأرقام عن ارتفاعٍ حادّ مقارنةً بالعام الماضي؛ إذ وثّق Ocha نحو 830 إصابة في صفوف الفلسطينيين جرّاء هجمات المستوطنين على مدار عام 2025 كاملاً.
كما شرّد هجماتُ المستوطنين والقيود المرتبطة بها أكثر من 2,300 فلسطيني في عام 2026 وحده.
يقطن نحو 700,000 مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية المحتلّة والقدس الشرقية، موزّعين على ما يزيد على 300 مستوطنة وبؤرة استيطانية. وتُعدّ هذه المستوطنات غير مشروعة بموجب القانون الدولي وفق ما قضت به محكمة العدل الدولية.
أخبار ذات صلة

غزة والإبادة: كيف حوّلت إسرائيل الرعب إلى روتين يومي

الأكاديمي الإماراتي وتغريدة حول باكستان تكشف قلق أبوظبي من اتفاق مكة

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان: مناطق تجريبية بدلاً من الانسحاب الفعلي
