وورلد برس عربي logo

غزة تحت وطأة الإبادة وصمت الصفارات

في غزة، الحياة تحت وطأة الإبادة الجماعية تحولت إلى روتين من الرعب المستمر بين طنين الطائرات المسيّرة وقصف لا يتوقف وحصار يحرم السكان من أبسط مقومات الحياة. قصة صمود إنساني وسط دمار شامل وحصار خانق على وورلد برس عربي.

طفل فلسطيني يحمل زجاجات ماء في مخيم نزوح بقطاع غزة وسط ظروف معيشية صعبة وحصار على المياه.
يجمع الأطفال مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة في 28 أبريل 2026، بينما يظل معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.4 مليون شخص مشردين، كثير منهم يعانون من التشرد المتكرر (إياد بابا/أ ف ب)
شارك الخبر:
FacebookTwitterLinkedInEmail

الحياة في ظلّ الإبادة الجماعية لها طقوسها اليومية المألوفة. والعين المتأمّلة تستطيع أن ترصد الأهوال الكامنة في المشاهد التي تتوالى على الشاشات واحدةً تلو الأخرى.

وفي مكانٍ آخر، يختفي المشهد ذاته تحت الأنقاض، إذ تُحتجز أجساد آلاف الفلسطينيين في باطن الأرض بعد أن انقطعت أنفاسهم هناك، فيما تعجز عائلاتهم عن انتشالهم.

في قطاع غزة، أثبتت الوحشية الحديثة حضورها المرعب من خلال جريمةٍ تتلو جريمة، أمام أعين العالم بأسره.

هذه الأهوال لم تُسبّبها كارثة طبيعية، بل تسبّب فيها تسونامي الإبادة الجماعية الحديثة التي تنفّذها إسرائيل بأسلحة ومعدّات وتقنيات أمريكية وغربية.

لقد استولت الإبادة الجماعية على ملامح الحياة اليومية بكلّ تفاصيلها، وتركت بصمتها المأساوية على السكّان في كلّ مجال من مجالات حياتهم.

الشذرات التالية مستقاةٌ من تلك الواقعة المعيشة.

أطفال غزة لا يعرفون يوماً بلا صوتٍ مهدِّد يرافقهم ليلاً ونهاراً، دون توقّف. وهذا هو حالهم منذ اللحظات الأولى التي فتحوا فيها أعينهم على الدنيا.

الرعب الصوتي

الصوت الذي يرافق غزة ليلاً ونهاراً هو طنين الطائرات المسيّرة العسكرية الإسرائيلية، التي تحلّق فوق القطاع في أسراب وتراقب كلّ شبرٍ منه على مدار الساعة دون انقطاع.

اكتسبت هذه الطائرات اسمها المحلّي من تأثيرها الصوتي المزعج؛ إذ يسمّيها السكّان «الزنّانة»، وهي تسمية عربية مشتقّة من صوت الطنين الذي تُصدره.

قد يجد الأطفال الصغار المحاصرون في هذا الشريط الضيّق المطلّ على البحر الأبيض المتوسط صعوبةً في تخيّل عالمٍ خالٍ من هذا الضجيج، الذي يرسّخ في داخلهم إحساساً دائماً بالتهديد، وبقصفٍ قد يأتي في أيّ لحظة.

بهذه الطريقة، يستولي الاحتلال على المشهد الصوتي ويوجّه رسالةً إلى السكّان مفادها: إنّهم تحت المراقبة الدائمة، وإنّ القذيفة التالية قد تصيب أيّاً منهم في أيّ مكان، فتقتله أو تجرحه ومن حوله.

هذا التحليق الرعدي خليطٌ من الهيمنة السمعية والرعب الصوتي والترهيب النفسي.

لكلّ فلسطيني في غزة تجربته الشخصية مع المآسي المرتبطة بهذه الطائرات المسيّرة العسكرية بأشكالها المختلفة، من خلال مشاهدة القصف الذي أودى بحياة أقارب وجيران وأحبّاء، فتناثرت أجسادهم فيما بقيت ذكراهم.

الغارات الجوية لم تكن معروفةً قبل العصر الحديث؛ بدأت تتطوّر إبّان الحرب العالمية الأولى وأفرزت ممارسةً وقائية: دُقَّت صفارات الإنذار لتمكين الناس من الاحتماء في الملاجئ المُعدَّة لهذا الغرض.

الحملة الإبادية التي تستهدف الشعب الفلسطيني في غزة منذ أكتوبر 2023 وظّفت أحدث أدوات الحرب في عصرنا، من أسراب طائرات حربية أمريكية الصنع وطائرات مسيّرة تتقاسم مهمّة القصف الجوي.

ومع ذلك، لم تُدَقّ في غزة صفّارة إنذار واحدة.

ليس هذا نتيجة إهمالٍ أو عطل. فقد باتت فكرة صفّارات الإنذار ضرباً من العبث، إذ لم ينقطع القصف لحظةً واحدة، ممّا يجعل أيّ إنذار مجرّد مزحةٍ قاسية.

والأهمّ من ذلك أنّه لا يوجد ملجأ يلوذ به السكّان، ولا إمكانية للحماية من الأهوال المتفجّرة التي تتساقط من السماء.

إنّ اكتظاظ المدنيين في ملجأ تحت الأرض يشكّل بحدّ ذاته خطراً جسيماً على أرواحهم. فالذخائر الثقيلة تخترق الأعماق وتُحدث حُفَراً واسعة، كما رأى العالم في قلب الأحياء السكنية ومخيّمات اللاجئين ومحيط المستشفيات وقرب دور العبادة.

والأدوات البدائية المتاحة عاجزةٌ عن انتشال المحاصرين تحت الأنقاض.

وقد عرف العالم أنّه لا ملجأ في غزة، وأنّه لا مكان آمن في أيّ بقعةٍ منها.

حتى مدارس الأمم المتحدة التي لجأت إليها العائلات النازحة تحوّلت إلى فخاخ لمجازر متكرّرة. وكذلك الحال مع دور العبادة الإسلامية والمسيحية التي سُوِّيت بالأرض، ولم تُستثنَ منها حتى الأديرة التاريخية.

دُمِّرت المستشفيات، وذُبح طواقم الإسعاف، ولم تُحترَم منشآت الصليب الأحمر، وقُتل سبعة من عمّال الإغاثة التابعين لمنظمة World Central Kitchen حين استُهدف قافلتهم في دير البلح في 1 أبريل 2024.

فنّ البقاء

الحياة اليومية في غزة تعني الصمود بلا صنابير مياه، ودون أيّ فرصة مضمونة وآمنة لإرواء العطش.

في البداية، دمّر جيش الاحتلال شبكات المياه في غزة. وفي 9 أكتوبر 2023، أعلن وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت فرض «حصار كامل» على القطاع، وقُطعت إمدادات المياه عن أكثر من 2 مليون شخص.

مع تدمير معظم المنازل وإنهاك البنية التحتية المدنية، كاد الصنبور المنزلي العادي يختفي كلّياً. لا تزال بعض نقاط توزيع المياه قائمة، يتزاحم عليها السكّان لملء الأوعية بوسائل بدائية. ما كان يستغرق ثوانٍ عند الصنبور أصبح رحلةً يومية مضنية لا ضمان لعودةٍ سالمة منها.

تكرّرت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت رجالاً وسيدات فلسطينيين من مختلف الأعمار، بمن فيهم الأطفال، خلال مسيرة عذابهم بحثاً عن الماء.

اضطرّت الأسر الفلسطينية إلى توزيع هذه المهام اليومية بين أفرادها: شخصٌ يجلب ما يمكن إيجاده من ماء، وآخرون يحملون أوعيةً فارغة أملاً في ملئها بطعامٍ شحيح لا يكفي الاحتياجات الغذائية للأطفال والكبار على حدٍّ سواء، وسواهم يتحمّلون مشقّة البحث عن الدقيق وضروريات الحياة الأخرى.

قد لا يجدون شيئاً. وقد يعودون جرحى برصاص إسرائيلي، أو بأجسادٍ ممزّقة بقذائف ما يُسمّي نفسه «أكثر جيوش العالم أخلاقاً».

حين يستلزم الحصول على الماء هذا الجهد المضني والمحفوف بالمخاطر، فإنّ تلبية الحاجات الإنسانية الاعتيادية كقضاء الحاجة أو الاستحمام تتمّ في ظروفٍ مهينة، لا سيّما بالنسبة للنساء والفتيات.

النساء الفلسطينيات في غزة يستحقّن التقدير على إتقانهنّ فنّ البقاء في هذه الظروف القاهرة.

لقد اضطررن إلى تولّي قيادة أسرهنّ في الانتقال من أنقاض المنازل المدمّرة إلى فضاءٍ مفتوح على جانب الطريق أو على رمال الشاطئ. يساعدن في نصب الخيام من أيّ مواد متاحة، في نوعٍ من إعادة التدوير القسري.

في هذا النمط القاسي من الحياة، يجب نسيان كلّ ما يعرفه عصرنا عن العطور ومستحضرات التجميل ومنتجات العناية بالبشرة. تضطرّ النساء والفتيات إلى التأقلم مع واقعٍ تنعدم فيه حتى الضروريات الأساسية كمستلزمات النظافة الأنثوية والمراحيض العادية.

فضلاً عن ذلك، تحمل النساء من مختلف الأعمار عبئاً هائلاً في ظروفٍ انعدمت فيها الخصوصية إلى أدنى مستوياتها.

المطبخ كما تعرفه الأسر الاعتيادية اختفى كلّياً. ما يتوفّر من طعام يُطهى على موقدٍ من الطين أو الحجارة، تُضطرّ الأمّهات إلى إشعاله بمواد ضارّة بالصحة والبيئة.

وقد تُشعل هذه الطريقة ذاتها حرائق تلتهم خيام النازحين المكتظّة.

حين يتحدّث شخصٌ في غزة، قد تلاحظ أشياء لا يُفصح عنها عادةً. فقد يكون قد فقد بعض أسنانه بصورة دائمة، كما حدث لأعداد كبيرة من السكّان الذين تركت الإبادة أثرها عليهم في هذا الجانب أيضاً.

حدث هذا بعد أن دمّر جيش الاحتلال عيادات طبّ الأسنان في أرجاء القطاع كلّه، وأتلف أو أحرق أو عطّل المستشفيات التي كانت تعالج مرضى الأسنان سابقاً، فضلاً عن إيقاعه خسائر فادحة في صفوف الكوادر الطبية.

لفترةٍ مطوّلة، عانى السكّان من حظر دخول الأدوية والمستلزمات العلاجية والمعدّات الطبية.

وبات الحصول على معجون الأسنان وفرشاة الأسنان من السوق ترفاً لا يُنال.

هذا الواقع البائس أفضى إلى تدهورٍ جماعي في صحّة الأسنان يطال كلّ الأجيال. ومجتمع الأسنان المتهالكة هذا صورةٌ بليغة عن الحرمان القسري المفروض على سكّان إقليمٍ يخنق فيه الحصار المُحكَم الحياة اليومية، فيسلب الأسنان من الوجوه الشاحبة لأهله، وأحياناً يتركهم دون طعامٍ يستحقّ المضغ أصلاً.

شهودٌ حافو الأقدام

أجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي معظم سكّان قطاع غزة على تهجيرٍ متكرّر من منطقةٍ إلى أخرى، عبر أوامر طرد مفاجئة أو تصعيد الهجمات.

مراراً وتكراراً، اضطرّ السكّان إلى السير على طرقٍ وعرة مُقتلَعة بالجرّافات، أو التنقّل بين أكوام الأنقاض والنفايات نحو وجهةٍ ما داخل القطاع، حاملين متاعهم ومستلزمات التخييم البدائي.

وما إن يستقرّوا هناك حتى قد يُرغمهم الجيش على الفرار من جديد نحو وجهةٍ أخرى، وهكذا تتواصل الدوّامة.

اختبر الفلسطينيون، صغاراً وكباراً، التهجير في اتجاهاتٍ متضاربة: سيراً على الأقدام، أو على عرباتٍ تجرّها الخيل والحمير، أو في أيّ مركبةٍ لا تزال صالحة.

ومن المشاهد التي رآها العالم: نازحون يمشون في صنادل بالية، بل حافين، بعد أن تآكلت أحذيتهم خلال الرحلة الطويلة ولم يجدوا ما يعوّضها.

يُضطرّ السكّان إلى رقع أحذيتهم وإصلاح صنادلهم المهترئة.

وبما أنّ سلطات الاحتلال منعت دخول كثيرٍ من الضروريات الأساسية، بات الحصول على حذاءٍ جديد، أو حتى صندلٍ بسيط، طموحاً بعيد المنال بالنسبة لكثيرين.

تتجلّى قسوة الحياة اليومية في غزة في مشاهدٍ كهذه: أطفالٌ وبالغون يفتقرون إلى أحذية صالحة للاستعمال وهم يتحمّلون مسيرات طويلة على درب التهجير. غير أنّه في هذا الواقع العاري من الرحمة، هذا ليس أكبر همومهم.

ومن أشدّ الحقائق رعباً أنّه لا يكاد يوجد طفلٌ في غزة لم يرَ مراراً أشلاء بشرية ممزّقة.

بعض تلك الأشلاء قد تعود إلى أشخاصٍ عرفهم الطفل جيّداً: أفراد عائلته، جيرانه، أصدقاؤه. وقد تستقرّ بعض هذه الصور في ذاكرة الأطفال، فيصبح المشهد الملطّخ بالدماء والأشلاء البشرية أمراً اعتيادياً في نظرهم في هذه البقعة من العالم.

الطفل في هذه الإبادة ليس مجرّد شاهدٍ على ما يجري، بل ضحيةٌ مباشرة، كما تؤكّده المؤشّرات الإحصائية المرعبة الموثّقة في تقارير أممية متخصّصة.

الطفل الذي يقضي وقتاً مطوّلاً تحت الأنقاض لا يخرج منها سالماً.

معلّقٌ بين الحياة والموت، يشهد انطفاء أنفاس من حوله في ظلامٍ تام، يكاد يفقد كلّ أملٍ في الخروج حيّاً — حتى تمتدّ إليه يدٌ أخيراً وتنتشله بجهدٍ جبّار إلى سطح الحياة.

في هذه الحياة الجديدة، لن يجد الطفل منزلاً يأوي إليه. وقد يكون هو شبه الوحيد الباقي من عائلته.

بيد أنّ مأساته المتراكمة لن تتيح له فرصةً للتأمّل فيما جرى، لأنّ آلة الإبادة المتحرّكة قد تسحقه في أيّ لحظة.

ماذا أبقت أهوال الإبادة الجماعية من الأعراف المُفترَض أنّها تحمي الطفولة، في عالمٍ أتاح استمرار هذه الوحشية المرئية ضدّ الأطفال الفلسطينيين عاماً بعد عام، تُبثّ فظائعها مباشرةً، دون أن يُوقفها أحد؟

أخبار ذات صلة

Loading...
قادة تركيا والسعودية وباكستان يتبادلون التوقيعات ويصافحون خلال توقيع اتفاقية الدفاع المشترك في مكة المكرمة.

الأكاديمي الإماراتي وتغريدة حول باكستان تكشف قلق أبوظبي من اتفاق مكة

تصريحات عبد الخالق عبدالله تثير جدلاً واسعاً بسبب انتقاداته لباكستان وسط تحالفات دفاعية جديدة في المنطقة. اكتشف تأثير هذه التصريحات على السياسة الخليجية واستمر في القراءة لمعرفة التفاصيل.
الشرق الأوسط
Loading...
جندي لبناني يقف على مركبة مدرعة عند مدخل قرية زوطر الغربية، وسط مبانٍ مدمرة وشوارع ترابية، في منطقة تجريبية جنوب لبنان.

الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان: مناطق تجريبية بدلاً من الانسحاب الفعلي

في جنوب لبنان، تبدو "المناطق التجريبية" فخاً لإسرائيل تستغلها لفرض احتلالها وتأخير انسحابها، بينما يعاني سكان زوطر الغربية من دمار مستمر وانفجارات متواصلة. اكتشف التفاصيل وتأثيرات هذا الصراع على الأرض.
الشرق الأوسط
Loading...
رجل يراقب آثار الدمار الناتج عن غارات إسرائيلية على جنوب لبنان، مع تجمع سكان وسط أنقاض مبنى مهدوم في النبطية.

الضربات الإسرائيلية تودي بحياة تسعة في جنوب لبنان وسط تصعيد متواصل

تصاعدت الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان مخلفة تسعة قتلى وعشرات الجرحى، مما يزيد التوتر في المنطقة ويهدد الاستقرار. اكتشف التفاصيل وتأثير التصعيد على مستقبل التفاوض. اقرأ المزيد الآن.
الشرق الأوسط
Loading...
ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس وزراء باكستان يشهدان مراسم عسكرية ضمن اتفاقية مكة للدفاع المشترك لتعزيز الأمن الإقليمي.

محور براغماتي: كيف يُعيد تشكيل موازين الشرق الأوسط

تغيرت موازين القوى في الشرق الأوسط بعد هجوم السابع من أكتوبر 2023، مع بروز محور سني جديد يضم الرياض وأنقرة وإسلام آباد. اكتشف كيف يعيد هذا التحالف رسم الخريطة الإقليمية، تابع التفاصيل الآن.
الشرق الأوسط
الرئيسيةأخبارسياسةأعمالرياضةالعالمعلومصحةتسلية