ترامب يغير قواعد المناورات العسكرية في كوريا
ترامب يأمر بتقليص المناورات العسكرية مع كوريا الجنوبية تزامناً مع انطلاق تدريبات «درع الحرية أولشي» وسط ترقب رد بيونغ يانغ وحذر سيول التي تأمل بحوار سلام مستند إلى العلاقة الخاصة بين ترامب وكيم جونغ أون في وورلد برس عربي



كثيراً ما تكشف الإشارات الصغيرة عن تحوّلات كبيرة وما صدر عن الرئيس الأمريكي Donald Trump، الاثنين، بشأن المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية يستحقّ قراءةً أعمق من مجرّد عنوانٍ عابر.
أعلن Trump، عبر منشورٍ على منصّات التواصل الاجتماعي، أنّه أصدر تعليماتٍ لوزير الدفاع Pete Hegseth بـ«تقليص كبير» لحجم التدريبات العسكرية المشتركة مع سيول. وبرّر القرار بأنّ هذه التدريبات لا تُكلّف كثيراً فحسب، بل «ترسل إشارةً غير ملائمة وعدائية تماماً» تجاه بيونغ يانغ، مشيراً إلى أنّ كوريا الشمالية «لم تُبدِ أيّ تهديد واحترمت» إدارته منذ توليه الرئاسة. واستشهد Trump بعلاقته الشخصية الجيّدة مع الزعيم الكوري الشمالي Kim Jong Un مسوّغاً رئيسياً لهذا القرار.
مناورات «درع الحرية أولشي» تنطلق رغم القرار
على أرض الواقع، انطلقت مناورات «درع الحرية أولشي» (Ulchi Freedom Shield) صباح الاثنين في موعدها المحدّد، وهي تدريباتٌ تمتدّ 11 يوماً وتضمّ نحو 18,000 جندي كوري جنوبي. غير أنّه لم يتّضح بعد أيّ أجزاء التدريبات ستخضع للتقليص الذي أمر به Trump. وكان الجيش الأمريكي قد أعلن أنّ هذه المناورات ستستوعب دروساً مستفادة من الصراعات الأخيرة، بما فيها التجارب الميدانية لكوريا الشمالية على الجبهة الروسية الأوكرانية، إلى جانب تمارين إطلاق نارٍ حيّ لاختبار الاستهداف الدقيق المشترك.
في المقابل، لم تُصدر كوريا الشمالية أيّ ردٍّ فوري على الإعلان، وإن كانت وزارة خارجيتها قد اتّهمت، الجمعة الماضي، الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بالتخطيط لمناوراتٍ أكثر استفزازاً هذا العام، وتوعّدت بالردّ بـ«مستوى جديد من الردع». وفي وقتٍ سابق من الشهر الجاري، أطلقت بيونغ يانغ صاروخين باليستيّين نحو البحر في ما بدا احتجاجاً على هذه التدريبات.
سيول تأمل في «حوارٍ ذي معنى»
أبدت سيول ترحيباً حذراً بالمستجدّات؛ إذ أعلن المكتب الرئاسي لـLee Jae Myung أنّ كوريا الجنوبية تأمل في أن تُفضي «العلاقة الودّية» بين Trump وKim إلى «حوارٍ ذي معنى» بين واشنطن وبيونغ يانغ، يُمهّد لمناقشاتٍ جادّة حول تعزيز السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، مؤكّداً أنّ سيول ستبذل الجهود الدبلوماسية اللازمة لتحقيق ذلك.
Lee هو رئيسٌ ليبرالي يُؤيّد تحسين العلاقات مع بيونغ يانغ، وقد اتّخذت حكومته منذ توليها السلطة خطواتٍ استباقية في هذا الاتّجاه، من بينها إيقاف مكبّرات الصوت على خطّ المواجهة التي كانت تبثّ موسيقى K-pop وأخبار العالم، وحظر الناشطين من إطلاق بالوناتٍ تحمل منشوراتٍ دعائية باتّجاه الشمال. وفي السبت الماضي، عرض Lee إجراء محادثاتٍ لإنهاء الحرب الكورية (1950-1953) رسمياً، إذ انتهت تلك الحرب بهدنةٍ لا بمعاهدة سلام.
بيد أنّ كوريا الشمالية أحجمت عن أيّ تواصلٍ مع سيول أو واشنطن منذ انهيار الدبلوماسية النووية رفيعة المستوى بين Kim وTrump عام 2019.
ما قد لا يظهر في العنوان: معادلة Kim تغيّرت
الإشارة الأضعف في هذا المشهد ليست في ما قاله Trump، بل في ما لم يقله Kim حتى الآن. فمنذ 2019، وظّف Kim حالة الجمود الدبلوماسي لتسريع برامج التسليح النووي والصاروخي، وتعزيز التعاون العسكري مع روسيا في سياق الحرب على أوكرانيا، وتعميق الشراكة مع الصين. وفي سبتمبر 2025، أشار Kim إلى أنّه يحتفظ بـ«ذكرياتٍ شخصية جيّدة» مع Trump، لكنّه اشترط استئناف أيّ محادثاتٍ بتخلّي واشنطن عن «هوسها الوهمي بنزع السلاح النووي» من كوريا الشمالية.
يرى الخبراء أنّ Kim يسعى على الأرجح إلى انتزاع تنازلاتٍ كبرى في مقدّمتها رفعٌ واسع للعقوبات مقابل خطواتٍ محدودة في ملفّ نزع السلاح. وقال Leif-Eric Easley، أستاذٌ في جامعة Ewha بسيول: «تُشير منشورات Trump الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي بشأن Kim Jong Un إلى استعدادٍ لإعادة التواصل، لكنّ كوريا الشمالية منشغلةٌ بجني الأرباح من حرب روسيا على أوكرانيا بينما تُحدّث جيشها في الوقت ذاته».
وأضاف Easley أنّ تقليص المناورات الأمريكية الكورية الجنوبية «قد يُلحق الضرر بالتنسيق بين الحليفين، ويُبطئ عملية تحمّل كوريا الجنوبية مسؤوليةً أكبر عن دفاعها، ويُضعف الردع في مواجهة النزاعات المحتملة في آسيا».
تآكل الثقة في التحالف
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزلٍ عن السياق الأوسع. فثقة كثيرٍ من الكوريين الجنوبيين في الولايات المتحدة تراجعت بفعل حرب التعريفات الجمركية التي أشعلتها إدارة Trump، وأسلوبه التعاملي في ملفّات الأمن. وهذه ليست المرّة الأولى التي يسعى فيها Trump إلى تعليق هذه المناورات؛ فبعد قمّته الأولى مع Kim عام 2018، أعلن من جانبٍ واحد تعليق التدريبات الصيفية المشتركة، واصفاً إيّاها بأنّها «استفزازيةٌ للغاية» و«باهظة التكلفة».
والأمر ذاته يتكرّر في سياقٍ أوسع من تحوّل واشنطن عن حلفائها التقليديين؛ إذ وجّه Trump وإدارته انتقاداتٍ حادة لحلفاء NATO بسبب ما اعتبروه قصوراً في الدعم، فيما أشار إلى أنّه طلب من الرئيس Lee الانضمام إلى جهود «نزع السلاح النووي» من إيران، وأنّ الجانب الكوري رفض.
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
قال Kim Dong-yub، أستاذٌ في جامعة دراسات كوريا الشمالية بسيول، إنّ بيونغ يانغ تشعر بقدرٍ أقلّ من الإلحاح للعودة إلى المفاوضات مقارنةً بعام 2018، لكنّها لن تتجاهل مبادرة Trump كلياً. وتوقّع أن تُعلن كوريا الشمالية أنّها «لاحظت» منشور Trump، لكنّها ستنتظر خطواتٍ أمريكية ملموسة تُثبت نيّة واشنطن في التخلّي عن عدائها.
وبناءً على معطيات المشهد الراهن، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات:
الأرجح: تبقى الأمور في طور الإشاراتٍ المتبادلة دون تواصلٍ مباشر في المدى القريب Kim يراقب، وواشنطن تنتظر ردّ فعلٍ يُبرّر خطوةً تالية.
المحتمل: تُجري بيونغ يانغ اتصالاتٍ دبلوماسية غير رسمية خلف الكواليس، تُمهّد لقمّةٍ ثانية بشروطٍ أكثر إيجابيةً لكوريا الشمالية مما كانت عليه في هانوي 2019.
الأقلّ احتمالاً: عودةٌ سريعة إلى مسار تفاوضي جوهري حول نزع السلاح النووي إذ إنّ الهوّة بين الموقفين لا تزال واسعة، وKim في موقعٍ أقوى بكثير ممّا كان عليه قبل سبع سنوات.
الإشارة الحقيقية التي تستحقّ المتابعة ليست في حجم التدريبات المُخفَّضة، بل في ما إذا كانت بيونغ يانغ ستُرسل ردّاً و لو صامتاً يُعيد تحريك ملفٍّ جُمّد منذ أربعة أعوام.
أخبار ذات صلة

الإمارات تنفي "الطموحات الإمبراطورية" في أفريقيا

محكمة روسية تحكم على ناقد الكرملين بـ 11 سنة لمعارضته الحرب في أوكرانيا

أوكرانيا: شركة طاقة تؤكد أضراراً جسيمة في منشآتها بعد 13 غارة روسية
