الإيبولا يفتك بالكونغو بين الخوف والدمار
تفشي إيبولا في شرق الكونغو يقتل الأطفال ويهدد الأمل وسط صراعات مسلحة ونقص ثقة السكان. قصة مأساوية عن معاناة الفرق الصحية وصعوبة الوصول إلى المصابين في بيئة محفوفة بالمخاطر. تغطية من وورلد برس عربي.




وقف المشيّعون على مسافةٍ من القبر بينما كان نعشٌ صغير يُوارَى الثرى. عمّال الصحة بأقنعتهم وقفّازاتهم انضمّوا إلى كاهنٍ يُصلّي على الروح الراحلة.
طفلةٌ في السادسة من عمرها كانت أحدث ضحايا تفشّي الإيبولا الذي يجتاح شرق الكونغو. كانت الطفلة الثالثة التي تلفظ أنفاسها في دار الأيتام التي تأوي إليها.
من بعيد، تُقاس الأوبئة بالأرقام: أكثر من 1,300 حالة مؤكّدة، ومئات الوفيات، وعشرات الآلاف ممّن ربّما تعرّضوا للعدوى. لكنّ الجنازة هي اللحظة التي أدركنا فيها حقّ الإدراك حجم هذه الكارثة. الإيبولا لا يُفرّق بين صغيرٍ وكبير، ولا بين متعلّمٍ وجاهل، ولا بين غنيٍّ وفقير، ولا بين مدنيٍّ وعاملٍ في قطاع الصحة.
والأمر لم ينتهِ بعد. يقول الخبراء إنّ الذروة لم تُبلَغ بعد. ولا تتوفّر حتى الآن علاجاتٌ معتمدة لهذا النوع من الإيبولا، المعروف بـ Bundibugyo، فيما يُشار إلى أنّ أيّ لقاحٍ لن يصل قبل أشهر.
ثمّة وفاةٌ أخرى لم تبرح مخيّلتنا: طالبةٌ في كلية الطب كانت على بُعد أشهرٍ قليلة من التخرّج. كانت أمل عائلتها، وكانت تمثّل كفاءةً صحيةً في منطقةٍ نائية تظلّ فيها التفشّيات كهذه طيّ الكتمان لأسابيع. في جنازتها، لم تستطع والدتها أن تتمالك نفسها.
التغطية الصحفية في هذا التفشّي: مخاطر متعدّدة
يصعب تخيّل بيئةٍ أكثر تحدّياً لتفشّي وباءٍ قاتل.
كلّ يومٍ من أيام التغطية كان يبدأ وينتهي بإجراءاتٍ دقيقة للحماية والتعقيم. الإيبولا شديد العدوى وينتقل عبر سوائل الجسم كالقيء والدم والسائل المنوي. وهذا يعني ارتداء القفّازات والأقنعة وأغطية الرأس في حرارةٍ تبلغ 26 درجة مئوية ورطوبةٍ تصل إلى 80%.
كانت مركبة سائقنا وميكروفوناتنا وسائر معدّاتنا تخضع للتعقيم في كلّ مرةٍ نخرج فيها من مناطق التفشّي. وسرعان ما باتت هذه الروتينات طبيعةً ثانية.
وبينما كنّا نُغطّي المراكز الصحية المُثقَلة، كان صوت بكاء الأسر يلاحقنا. الهواء كان ثقيلاً رطباً، والناس غارقون في العرق. عمّال الصحة يتنقّلون بين الأجنحة المكتظّة وهم يغسلون أيديهم مراراً وتكراراً.
مشاهد الحزن والأرواح التي اختُطفت في عزّ الشباب استحضرت في ذاكرتي تغطيتي للأزمة السابقة في هذه المنطقة، حين سقطت مدينة غوما المحور الإنساني الكبير في قبضة مسلّحي M23 العام الماضي. يومها كان الجرحى من الرضّع والأطفال والكبار يُحمَلون إلى المستشفيات على وقع صراخ ذويهم.
يتمركز تفشّي الإيبولا في مقاطعة إيتوري المجاورة، التي تحمل ندوب سنواتٍ من النزاع المسلّح. تسيطر الجماعات المسلّحة على بعض مناطقها، وقد هُجِّر ما يقارب مليون شخص، فيما تفاقمت الأوضاع الاقتصادية بشكلٍ ملحوظ.
وجدنا بعض السكّان يحاولون الحفاظ على نظافة أيديهم بالشوفان والرمل.
في الأسابيع الثلاثة الأولى التي أعقبت الإعلان عن التفشّي في منتصف مايو، رصدت منظمة الصحة العالمية ما لا يقلّ عن 520 حادثة أمنية، من بينها اعتداءاتٌ على عمّال الصحة، أعاقت عمل فرق الاستجابة.
ولا تزال الاعتداءات مستمرة. رأينا أسرّة مستشفياتٍ محترقة فرّ منها المرضى. وأُختطف آخرون ممّن ثبتت إصابتهم أو يُشتبه في إصابتهم بالإيبولا، ليختفوا في مناطق شحيحة الاتصال وتشقّها طرقٌ ترابية وعرة.
في هذه الظروف، يضطلع سكّانٌ محلّيون من أمثال حسين توايبو بتنسيق استجابة المجتمع. أخبرني توايبو أنّ أربع مناطق صحية على الأقلّ في إيتوري، تضمّ آلاف السكّان، لا تزال بعيدة عن متناول فرق الاستجابة لأنّها تحت سيطرة الجماعات المسلّحة. وفي غياب إمكانية الوصول، تعتمد هذه الفرق جزئياً على قادة المسلّحين لتمرير رسائل الوقاية من الإيبولا وتشجيع السكّان على المشاركة في الإجراءات الرامية إلى كبح انتشار الفيروس. غير أنّ ذلك يفتح باباً على مشكلةٍ أخرى.
المعلومات المضلِّلة والخوف: التحدّي الأكبر
تكرّر أمامي القلق ذاته من أطباء وعمّال إغاثة: كثيرٌ من السكّان لا يثقون في منظومة الاستجابة لوباء الإيبولا. بعضهم يعتقد أنّ المرض لا وجود له أصلاً.
في منطقةٍ عانت طويلاً من الاعتداءات ونهب ثرواتها الطبيعية، ينظر السكّان بعينٍ ريبةٍ إلى الغرباء. وغياب الفهم الكافي لمرض الإيبولا الذي تتشابه أعراضه كالحمّى مع أمراضٍ أخرى كالملاريا يجعل إجراءات الوقاية الصارمة مثار استغرابٍ وقلق.
وقد اشتعل الغضب تحديداً حول طقوس الدفن، حين طُلب من الأهالي الامتناع عمّا هو متأصّل فيهم: تغسيل ذويهم وتجهيزهم للقبر.
هذا الانعدام للثقة هو أحد الأسباب التي تجعل المسؤولين الصحيين عاجزين عن تحديد الحجم الحقيقي للتفشّي. ولم تتمكّن السلطات حتى الآن من التعرّف على المريض الأوّل.
يتجنّب بعض السكّان المراكز الصحية. وأحياناً يجد عمّال الصحة المجتمعيون الذين أفلتوا من الإيبولا صعوبةً في إقناع الآخرين بالتعامل مع المرض بجدية.
من هؤلاء الممرّض إيتيان إيزو، الذي أُصيب بالإيبولا في وقتٍ سابق من هذا العام. أخبرني أنّ كثيرين يسألونه: لماذا نجوت وهلك غيرك؟
قال إيزو: "يدّعي بعضهم أنّ عمّال الصحة رُشوا، ولهذا يموت الناس. ويزعم آخرون أنّ الكوادر الطبية تقتل المرضى عمداً". هذا هو نوع التضليل الذي يكافح إيزو وزملاؤه في مواجهته.
ولم يسلم الصحفيون من ذلك. في أحيانٍ عدة اتّهمنا الناس بأنّنا جزءٌ من مؤامرةٍ لاختلاق المرض. ومرةً واحدة تجمهر حشدٌ غاضب خارج مركزٍ صحي كنّا نعتزم التغطية منه، فأشار إلينا مديره بالعودة في يومٍ آخر.
ومع ذلك، تستمرّ الحياة
يتكيّف الناس مع الوباء حتى وهو في تصاعد.
في الحانات، باتت الأقنعة وقياس الحرارة والرقص مع مراعاة التباعد الاجتماعي جزءاً من السهرة. وتستمرّ حفلات الأعراس حيث حلّت الأطراف المزيّنة بالدانتيل محلّ أقنعة الوجه. وفي الكنائس، يوزّع حضّارٌ يرتدون أثواباً بيضاء تزيّنها صلبانٌ حمراء قُرَب التناول.
وخلال مباراة كأس العالم بين الكونغو والبرتغال، احتشد المئات من المشجّعين في الحانات ومناطق المشاهدة على قارعة الطريق، يتعانقون ويهتفون لفريقهم، في بهجةٍ جارفة بمشاركة الكونغو لأوّل مرةٍ في كأس العالم منذ أكثر من نصف قرن.
لساعاتٍ قليلة، أفسح التباعد الاجتماعي المجال للاحتفال بالنسبة لنا جميعاً.
أخبار ذات صلة

الأطباء الفنزويليون يحذّرون من العدوى وسط البحث عن ضحايا الزلزال

لاجئ فنزويلي نجا من كارثتين: «لن أعود أبداً إلى La Guaira»

من أنقاض فنزويلا: قصة نجاة استثنائية وسط أيام الفاجعة
