فتح المحميات البحرية وتحديات حماية البيئة البحرية
إدارة NOAA تعلن خططاً مثيرة للجدل تفتح محميات بحرية واسعة للصيد التجاري وتعيد تعريف مفاهيم الصيد المستدام مما يهدد التنوع البيئي وحماية الأنواع المهددة وسط دعم تجاري ومعارضة بيئية حادة وورلد برس عربي

في يوليو 2026، أعلنت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) عن حزمة أولويات جديدة لإدارة مصايد الأسماك، تُرجمةً لمرسوم رئاسي وقّعه Donald Trump في أبريل 2025 تحت عنوان «استعادة القدرة التنافسية للمأكولات البحرية الأمريكية». الإعلان في ظاهره خطابٌ عن الحداثة وتخفيف الأعباء البيروقراطية، لكنّ ما يقرأه المحلّلون في تفاصيله يشير إلى شيءٍ أعمق: إعادة رسم خريطة الحماية البيئية البحرية في الولايات المتحدة لصالح التوسّع التجاري على المدى القريب.
فتح المحميّات: الإشارة الأقوى في الحزمة
أبرز ما تضمّنته الأولويات الجديدة هو مقترح فتح أربعة محميّات بحرية وطنية أمام الصيد التجاري: Mariana Trench وPapahānaumokuākea وRose Atoll وPacific Remote Islands. هذه المحميّات تغطّي مجتمعةً أكثر من 1.1 مليون ميل مربّع ما يقارب ضعف مساحة ولاية ألاسكا وتحتضن ملايين الأفدنة من الشعاب المرجانية وأنواعاً حيّة لا توجد في أيّ مكانٍ آخر على الأرض، كسمكة القوقع في ماريانا والسمكة الهاوايية.
فتح هذه المناطق للصيد التجاري لن يكون مجرّد قرارٍ إداري؛ إذ تمثّل هذه المحميّات بعضاً من آخر النظم البيئية البحرية البكر على هذا الكوكب. وحين تُفتح أمام الصيد الصناعي، فإنّ الأثر لا يقتصر على الأنواع المستهدفة، بل يمتدّ إلى البنية الكاملة للنظام البيئي.
إعادة تعريف «العلم» و«الصيد المفرط»
على مستوىً موازٍ، تخطّط NOAA لإعادة تقييم أربعة معايير وطنية من معايير قانون Magnuson-Stevens الصادر عام 1976، وهو القانون الذي يُشكّل العمود الفقري لإدارة مصايد الأسماك في أمريكا. المعايير المستهدفة تشمل تعريفات الصيد المفرط، واستخدام أفضل الأدلة العلمية المتاحة، وتأثيرات الصيد على المجتمعات، والتعامل مع الصيد العَرَضي للأنواع غير المستهدفة.
هنا تكمن الإشارة الأضعف التي قد تكون الأكثر أهمية: إعادة تعريف «الصيد المفرط» أو تخفيف معايير «أفضل العلوم» لا تبدو في العناوين كقراراتٍ كبرى، لكنّها تُغيّر قواعد اللعبة بصمتٍ تام. فإذا تحرّكت هذه التعريفات، تحرّكت معها حدود ما يُعدّ قانونياً ومستداماً.
وهذا بالضبط ما تُعبّر عنه Meredith Moore، المديرة التنفيذية لصون الأسماك في The Ocean Conservancy: «أنا قلقةٌ جداً مما سيبدو عليه الأمر حين يبدأون بالعبث في تعريف الصيد المفرط أو ما يعنيه استخدام أفضل العلوم». وتضيف في السياق ذاته: «لا أعتقد أنّ هناك قدرةً تنافسية للمأكولات البحرية بدون الحفاظ على البيئة، فإذا اتّخذوا قرارات قصيرة الأمد تُقوّض الحفاظ على البيئة، فستُقوّض مصايدنا ومجتمعاتنا الصيّادة».
الحيتان والأنواع المهدّدة: ثمنٌ بيئي مرئي
من أكثر التداعيات المباشرة وضوحاً: تعليق تطبيق تقنية الصيد بالحبال اللاسلكية (ropeless gear)، وهي التقنية المصمَّمة لحماية حيتان شمال الأطلسي اليمينية (North Atlantic right whales) من الاشتباك بحبال الصيد. تعداد هذه الحيتان لا يتجاوز 350 فرداً وهو رقمٌ يضع النوع على حافة الانقراض الوظيفي. تأجيل هذه التقنية في هذا السياق ليس قراراً تقنياً؛ إنّه قرارٌ يتعلّق بأولويات الحماية مقابل الربحية.
إلى جانب ذلك، تعتزم NOAA إلغاء تفسيراتٍ راسخة لمفهوم «الضرر» ضمن قانون الأنواع المهدّدة بالانقراض (Endangered Species Act)، وتقليص صلاحيات مناطق الحماية المعروفة بـ«مناطق الموائل ذات الاهتمام الخاص» (Habitat Areas of Particular Concern) لصالح الاعتبارات الاقتصادية.
أصوات الدعم والمعارضة
المعهد الوطني لمصايد الأسماك (National Fisheries Institute)، وهو أكبر تجمّع تجاري لقطاع المأكولات البحرية في الولايات المتحدة، أبدى ترحيباً صريحاً. وقالت Lisa Wallenda Picard، رئيسة المعهد: «نهنّئ NOAA Fisheries وإدارة Trump على هذه الجهود الجديدة، ونقف كمصدرٍ للدعم بينما تبدأ الوكالة في التنفيذ». وأشار بيان المعهد إلى أنّ «الدعوات إلى التحديث والعودة إلى هيكلٍ تنظيمي قائم على المخاطر الفعلية، بدلاً من التوسّع البيروقراطي المستمر، يمكن أن تُسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية والإدارية».
في المقابل، وصفت Andrea Treece، المحامية الأولى في برنامج المحيطات لدى Earthjustice، الخطّة بأشدّ العبارات: «لو طلبت من الذكاء الاصطناعي أن يضع خطّةً لتفريغ النظم البيئية البحرية وإفقار المجتمعات الساحلية، لبدت كثيراً مثل الخطّة التي أصدرتها NOAA للتوّ». وأضافت: «لا يمكنك ببساطة إزالة أجزاء من النظام البيئي تجدها غير ملائمة وتتوقّع أن يستمرّ ذلك النظام في إعالتنا».
أمّا Janet Coit، المديرة السابقة لـNOAA Fisheries في عهد إدارة Biden، فتُلخّص المعادلة بوضوح: «التنظيم هو العمود الفقري لإدارة مصايد الأسماك المستدامة»، وتُحذّر: «مع تأثيرات تغيّر المناخ التي تُعيد تشكيل نظمنا البيئية المحيطية، الآن ليس وقت صرف النظر والذهاب للصيد فحسب».
ثلاثة سيناريوهات للمرحلة المقبلة
ما الذي يمكن توقّعه بعد هذا الإعلان؟ ثمّة ثلاثة مسارات محتملة:
الأرجح: تنفيذ جزئي للإصلاحات مع طعونٍ قضائية تُبطئ فتح المحميّات، في حين تُطبَّق التغييرات التنظيمية على معايير Magnuson-Stevens بصمتٍ أكبر وبمقاومةٍ أقلّ.
المحتمل: تصاعد الضغوط القانونية من منظمات مثل Earthjustice يُعطّل بعض القرارات، لكنّ إلغاء تفسيرات قانون الأنواع المهدّدة يمضي قُدُماً، ممّا يُفضي إلى تراجعٍ تدريجي في مستويات الحماية دون قرارٍ واحد مثيرٍ للجدل.
الأقلّ احتمالاً: تراجعٌ تامّ أو تجميد للإصلاحات جرّاء ضغطٍ سياسي أو كارثةٍ بيئية تُعيد رسم الأولويات.
الإشارة التي تستحقّ المتابعة ليست قرار فتح المحميّات وحده بل التغييرات الهادئة في تعريفات العلم والمعايير التنظيمية. تلك هي التحوّلات الهيكلية التي تُعيد رسم ما هو «مسموحٌ به» لعقودٍ قادمة، بعيداً عن أضواء العناوين.
أخبار ذات صلة

كبرى شركات النفط تطلب من المحكمة العليا إسقاط دعاوى المناخ

الثقب القطبي الجنوبي يتسّع: لماذا تتأخّر استعادة طبقة الأوزون؟

دراسة التدفئة في أيرلندا تضيف مزيداً من الأدلة ضد فخ "الهيكل أولاً"
