محطة Nithe الأثرية تعود للحياة في تايلاند
في مقاطعة كانشانابوري، عادت محطة Nithe الأثرية للظهور بعد عقود تحت المياه، مما جذب المؤرخين والباحثين لدراسة تاريخ "سكّة الموت". فرصة نادرة لتخليد ذكرى آلاف الذين فقدوا أرواحهم أثناء البناء. اكتشفوا القصة وراء هذا المكان.





في مقاطعة كانشانابوري غرب تايلاند، عاد إلى الأضواء محطةٌ أثريّة كانت مغمورةً تحت مياه خزّان اصطناعي لعقودٍ طويلة وهي محطة Nithe، إحدى المحطات الرئيسية على «سكّة الموت» الشهيرة التي شيّدتها قوّات الاحتلال الياباني إبّان الحرب العالمية الثانية. وما إن تكشّفت المحطة حتى هرع الباحثون والمؤرّخون إلى المنطقة للاستفادة من هذه الفرصة النادرة قبل أن تبتلعها المياه من جديد.
كانت هذه السكّة الحديدية طريقَ إمداد أنشأته القوّات اليابانية المحتلّة عبر جنوب شرق آسيا القارّية، وقد دفع ثمنها آلاف الأسرى من قوّات الحلفاء والعمّال الآسيويين بأرواحهم في ظروف بالغة القسوة.
ظهور المحطة من تحت المياه
أقدمت هيئة توليد الكهرباء التايلاندية مؤخّراً على تفريغ خزّان سدّ Vajiralongkorn لأغراض الصيانة، فكشفت بذلك عن محطة Nithe المندثرة. وسارع المؤرّخون إلى انتهاز هذه الفرصة الاستثنائية لدراسة الموقع في مقاطعة كانشانابوري، والبحث عن القطع الأثريّة، والتحقّق من تفاصيل تاريخية طالما ظلّت غامضة.
غير أنّ الوقت يضغط؛ إذ من المقرّر أن تنتهي أعمال صيانة السدّ في أغسطس، فيما قد يبدأ موسم الأمطار في جنوب شرق آسيا بإعادة ملء الخزّان في وقتٍ أبكر من ذلك.
كانت Nithe محطةً رئيسية على هذا الخطّ الحديدي الممتدّ 415 كيلومتراً، والذي كان يربط تايلاند المعروفة آنذاك بـ«سيام» بميانمار التي كانت تُسمّى «بورما». وقد شيّد هذا الخطّ نحو 60,000 أسير حرب من قوّات الحلفاء، معظمهم من أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وإندونيسيا التي كانت تُعرف آنذاك بـ«جزر الهند الشرقية الهولندية»، إضافةً إلى مئات الآلاف من العمّال الآسيويين الذين أطلق عليهم اليابانيون اسم «رومشا» (römusha).
لقي أكثر من 12,500 أسير حرب و75,000 عاملٍ حتفَهم خلال مرحلة البناء، وهو ما أفضى إلى اللقب الذي لا يزال متداولاً حتى اليوم: «سكّة الموت». وقد خلّد هذه القصّة المأساوية فيلمُ «الجسر على نهر كواي» الكلاسيكي عام 1957، وفيلم «The Railway Man» عام 2013، فضلاً عن رواية «الطريق الضيّق إلى الشمال العميق» الحائزة على جوائز أدبية، التي تحوّلت عام 2025 إلى مسلسل قصير من بطولة الممثل الأسترالي Jacob Elordi.
فرصة لا تتكرّر
طار الباحث الأسترالي المستقلّ Martyn Fryer من مدينة Perth خصّيصاً لزيارة الموقع، وهو حفيد أسير حرب لقي حتفه أثناء العمل على السكّة بعد أسره في سنغافورة عام 1942. وخاض Fryer مستنقعات الطين تحت حرارة لاهبة بلغت 38 درجة مئوية (100 درجة فهرنهايت) ليفهم على حدّ قوله «ما الذي مرّ به هؤلاء الشبّان، وليُدرك طبيعة الأرض والتضاريس التي صبروا عليها».
وكان Fryer قد أصدر كتاباً عن فوج جدّه بعنوان «From the Woodlands to the Jungle»، وجاب الموقع بجهاز كشف المعادن، فعثر على مسامير حديدية من السكّة ودبابيس الجسور وقطع أثريّة أخرى من زمن الحرب.
وقال Fryer: «زرت محطة Nithe ثلاث مرّات في الماضي، لكنّ مستوى المياه كان دائماً مرتفعاً جداً لاستيعاب ما تقدّمه هذه المنطقة من بنيةٍ تحتيّة متبقّية وتخطيط السكّة الحديدية ذاتها».
ولتحديد مواقع معسكرات أسرى الحرب في المنطقة، قارن Fryer صوراً جوّية من فترة الحرب مأخوذة من الأرشيف الوطني في لندن مع خرائط يدويّة أحضرها Andrew Snow، باحثٌ في مركز Thailand–Burma Railway Centre. وكما جدّ Fryer، كان والد Snow قد أُسر في سنغافورة وأُجبر على العمل في بناء السكّة.
و أوضح Snow أنّ الموسم الجافّ في جنوب شرق آسيا كثيراً ما يكشف عن أجزاء من المحطة، لكنّ مستوى المياه بلغ هذا العام أدنى مستوياته، وانحسر بسرعةٍ لم تُتح للنباتات فرصة النموّ من جديد، ممّا يجعل الدراسة أيسر. وقال: «إنّها فرصة طيّبة لإجراء المسوحات؛ فحين تتعامل مع ذوي من عملوا على السكّة، يكون من الجميل أن تتمكّن من إرائهم المناطق التي ربّما عمل فيها أقاربهم».
وقد توافد مئات الزوّار التايلانديين على المنطقة لمشاهدة هذا «الحدث النادر»، وفق ما قاله Kitti Laokham، وهو مقيمٌ محلّي يبلغ من العمر 47 عاماً، تجاوزت مشاهدات منشوراته عن Nithe على منصّات التواصل الاجتماعي 32 مليون مشاهدة. وقطع Channarong Noimala 350 كيلومتراً شمال غرب بانكوك على درّاجته الناريّة ليرى المحطة بأمّ عينيه، معرباً عن رغبته في تكريم ذكرى من لقوا حتفهم هنا: «على الأقلّ، بالنسبة لمن ماتوا هنا، سواءٌ أكانوا عمّالاً أم أسرى حرب، يمكننا أن نتذكّرهم».
الحفاظ على ذاكرة الحرب
على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب غرب Nithe عبر طرق جبلية متعرّجة، يقع «ممرّ نار الجحيم» (Hellfire Pass)، ذلك القسم القاسي من الجبل الذي لقي فيه مئات الأسرى حتفهم. وقد استقبل مركز Hellfire Pass التفسيري، المموَّل من الحكومة الأسترالية، رقماً قياسياً بلغ 169,000 زائر العام الماضي، الذي صادف أيضاً الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية.
وقال Mick Clarke، المحارب القديم في الجيش الأسترالي الذي يُدير المركز: «مع مرور الوقت، تزداد أهمية أماكن كـ Hellfire Pass. إنّها تُبقي القصص الشخصية حيّةً وتُساعد الأجيال القادمة على فهم ثمن الحرب».
وبحسب وزارة شؤون المحاربين القدامى الأسترالية، أسر العدوّ نحو 22,000 جندي أسترالي خلال الحرب، عمل منهم نحو 13,000 على السكّة الحديدية، وقضى 2,800 منهم خلال مرحلة البناء.
وأضاف Clarke: «بالنسبة لكثير من الأستراليين، يمثّل Hellfire Pass شيئاً شخصياً عميقاً. إنّه يربط العائلات والأمّة بفصلٍ صعبٍ لكنّه مهمٌّ من تاريخ الحرب».
أخبار ذات صلة

الفن كملاذ: الأوكرانيون يجدون الصمود في معرض كييف للفنون وسط ويلات الحرب

إيران تؤكد حماية برنامجيها النووي والصاروخي
