ذكرى انتفاضة سوويتو وتأثيرها على الأجيال الجديدة
خمسون عاماً مرت على انتفاضة سوويتو، يوم هزّ العالم وأشعل النضال ضد الفصل العنصري. تعرف على قصص الناجين وتحديات جيل "المولودين أحراراً" في جنوب أفريقيا اليوم. كيف يُحتفل بهذا اليوم وما يزال يحمل معاني عميقة؟





مرّت خمسون عاماً على انتفاضة سوويتو، تلك اللحظة التي هزّت جنوب أفريقيا وأيقظت ضمير العالم. في 16 يونيو 1976، خرج مئات الطلاب في هذه البلدة المكتظّة خارج جوهانسبرغ احتجاجاً على سياسة التعليم العنصرية التي فرضها نظام الفصل العنصري (Apartheid)، فردّت الشرطة بالرصاص، وسقط أكثر من 200 شابٍّ قتلى. اليوم، تحتفل جنوب أفريقيا بالذكرى الخمسين لهذه الانتفاضة، وسط أسئلةٍ لا تزال معلّقة حول مصير الجيل الذي وُلد بعد انتهاء الفصل العنصري.
يوم الشباب: ذكرى تأسيسية في تاريخ التحرّر
باتت أحداث 16 يونيو 1976 تُحيَى سنوياً بوصفها "يوم الشباب" (Youth Day)، وهو عطلةٌ رسمية تُعدّ من أبرز المحطّات في التقويم الوطني لجنوب أفريقيا. فقد شكّلت الانتفاضة منعطفاً حاسماً في مسار النضال ضدّ حكم الأقلية البيضاء؛ إذ أشعلت موجةً من الاحتجاجات في أرجاء البلاد، وعمّقت المقاومة الشعبية ضدّ نظام الفصل العنصري، وسلّطت الأضواء الدولية على الاضطهاد العرقي الذي يعانيه السود في جنوب أفريقيا.
وتحمل بلدة سوويتو، إحدى أقدم المناطق الحضرية الشعبية في البلاد، شواهد هذا اليوم التاريخي التي يقصدها السياح من داخل جنوب أفريقيا وخارجها. من أبرزها النصب التذكاري المُسمَّى باسم هيكتور بيترسون، الطالب ذو الثلاثة عشر عاماً الذي غدت صورته وهو يُحمل جثّةً هامدةً على يدَي زميله رمزاً عالمياً للانتفاضة بعد أن انتشرت في وسائل الإعلام حول العالم. كما تزيّن جدارياتٌ ولوحاتٌ تُصوّر الطلاب المحتجّين شوارعَ البلدة، إلى جانب نصب "16 يونيو التذكاري" الذي يُخلّد ذكرى الانتفاضة.
شهادات الناجين: الجرح الذي لم يندمل
بالنسبة لمن عاشوا تلك الأحداث، تظلّ هذه الرموز استحضاراً مؤلماً ليومٍ غيّر مجرى حياتهم إلى الأبد.
يتذكّر سيث مازيبوكو، أحد الناجين من تلك الاحتجاجات الدامية، بتفاصيل حيّة كيف تصدّى الطلاب للشرطة التي لجأت إلى الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين المتحدّين. يقول: "لقد أربكهم الغاز المسيل للدموع؛ فحين كانوا يرمونه نحونا، كانت الريح تعكسه عليهم فتؤثّر فيهم هم أيضاً. فأرسلوا إلينا كلاب الشرطة، فكنّا نرميها بالحجارة لنردّها عليهم."
اعتُقل مازيبوكو في أعقاب الانتفاضة وقضى 18 شهراً رهن الاحتجاز، قبل أن يُودَع سجن جزيرة روبن (Robben Island) حيث أمضى 7 سنوات مع سجناء سياسيين آخرين.
جيل "المولودين أحراراً": حرية ناقصة
بعد خمسة عقود، شهدت جنوب أفريقيا تحوّلات جوهرية، غير أن الفجوة الاجتماعية والاقتصادية لا تزال تُلقي بظلالها الثقيلة على ما يُعرَف بجيل "المولودين أحراراً" (Born Free)، أي أولئك الذين وُلدوا بعد انتهاء الفصل العنصري. ويُعدّ الفقر والبطالة والجريمة وتعاطي الكحول والمخدرات من أشدّ التحدّيات التي تواجه شباب البلاد اليوم.
تقول سيما بوتو، وهي شابّة تبلغ 19 عاماً زارت نصب 16 يونيو التذكاري: "أرى أن الفقر والجريمة هما الأشدّ إلحاحاً. الفقر هو الذي يدفع الكثيرين منهم نحو الجريمة."
أما زولا مغولي، البالغ من العمر 29 عاماً والعامل مع التحالف الجنوب أفريقي لسياسات الكحول (Southern African Alcohol Policy Alliance)، المنظّمة التي تناهض تعاطي الكحول والمواد المخدّرة، فيقول إنه يشعر بالامتنان لكونه ينتمي إلى جيلٍ نشأ في ظلّ الحرية، حتى مع استمرار التحدّيات الكبيرة. ويُضيف: "الأمور لا تسير بالشكل الذي كان يأمله أجدادنا؛ لا تزال العنصرية والإدمان وأشياء أخرى نصارعها. لكن إذا نهض الشباب، يمكننا أن نصنع ما هو أفضل."
المؤرّخون: احتفالٌ يُفرّغ الذكرى من معناها
يرى المؤرّخ نور نيفتاغودين أن احتجاجات الطلاب عام 1976 كانت لحظةً مؤلمة وتحويلية في آنٍ واحد، أعادت رسم ملامح النضال ضدّ الفصل العنصري و وضعت الشباب في مقدّمة السياسة التحرّرية. ويصف ذلك الجيل بقوله: "كانوا جيلاً شابّاً موهوباً وأسود. أرادوا التعليم."
ويُشير نيفتاغودين إلى أن فكرة "القوة السوداء" (Black Power) أشعلت خيال هذا الجيل الجديد من الشباب، فيما كانت حركة "الوعي الأسود" (Black Consciousness) تمثّل شرارةً حقيقية أوقدت حماس طلاب الجامعات ثم امتدّت تدريجياً إلى طلاب المدارس الثانوية.
بيد أنه لا يُخفي قلقه إزاء ما آل إليه الاحتفال بهذه الذكرى منذ أن أصبح 16 يونيو عطلةً رسمية في أعقاب سقوط الفصل العنصري. ويرى أن الحدث فقد ثقله السياسي، مُغطًّى بطبقاتٍ من الاحتفاليات التي تُجرّده من دلالته العميقة. يقول: "لقد فقد معناه. ما حدث هو أن اليوم بات يُحيَى بالحفلات الموسيقية وما شابهها. أنا لا أعترض على الحفلات، لكنّ الاحتفالات التي جرى تنظيمها انفصلت عن السياسة، وعن الفهم النقدي لما جرى فعلاً."
أخبار ذات صلة

حرية التعبير: لماذا ظلّت حقاً منقوصاً للمسلمين؟

المرأة الأسترالية المتهمة بالانضمام لتنظيم الدولة الإسلامية تتخلى عن الجهاد

إسرائيل تتعرّض للاستهجان في نهائي يوروفيجن.. بلغاريا تحقّق الفوز
