نتنياهو وإيران صراع لا ينتهي على المصير السياسي
نتنياهو جعل الملف الإيراني محور سياسته لكن الحرب على إيران لم تحقق أهدافها وتعززت مكانة طهران في مواجهة واشنطن. انهيار توازنات الأمن الإسرائيلي وتصاعد الصراعات الداخلية يهددان مستقبل الحكومة والانتخابات القادمة في وورلد برس عربي.

لطالما شكّل الملف الإيراني العمود الفقري للمسيرة السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu. فقد وصف الجنرال المتقاعد إسحاق بن إسرائيل جهودَ Netanyahu لإقناع الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي بأنها «أسوأ خطأ استراتيجي في تاريخ إسرائيل»، معتبراً أنه لم يُفضِ إلى شيء سوى دفع إيران نحو السعي لامتلاك السلاح النووي بوصفه رادعاً.
على مدى عقود، صوّر Netanyahu إيران على أنها تهديد وجودي للشعب اليهودي، مُلمِّحاً إلى أنها ستُبادر إلى مهاجمة إسرائيل فور امتلاكها قدرات عسكرية نووية. غير أن هذه الادعاءات تنطوي على قدرٍ كبير من المبالغة، إذ تتجاهل حقيقة أن إيران دولةٌ ذات سيادة يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة، وتواجه تحدياتها الداخلية الخاصة.
والواقع أن أيّاً من الدول التي تمتلك قدرات نووية لا يبدو في عجلةٍ من أمره لاستخدامها. فضلاً عن ذلك، كان إشعال نزاعٍ دموي مع دولة بحجم إيران وعمقها الاستراتيجي فكرةً سيئة في جميع الأحوال. حتى وقتٍ قريب، كانت رغبة Netanyahu في ضرب إيران تُقابَل بالرفض حتى داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذاتها؛ إذ أكد الرئيس السابق لجهاز Mossad مئير داغان منذ عام 2011 أن أي هجوم على إيران لن يؤدي إلا إلى تسريع مسارها نحو القنبلة النووية، واصفاً هذا الطرح بأنه «أغبى شيء سمعه في حياته». وعليه، لم يكن الرؤساء الأمريكيون السابقون وحدهم من استشرفوا التداعيات التي نشهدها اليوم في خضمّ الحرب الإسرائيلية-الأمريكية المشتركة على إيران.
اختلال التوازنات
بيد أن استعراض انتصارات Netanyahu الانتخابية المتتالية منذ عام 2009 حتى اليوم باستثناء سنة ونصف السنة التي أمضتها «حكومة التغيير» في السلطة يكشف عن مسارٍ واضح المعالم. فقد أعاد Netanyahu تشكيل القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية وفق مزاجه، حتى كاد يُفرغ المؤسسة الأمنية من أي معارضةٍ داخلية.
وعلى الرغم من فشله في إقناع المجتمع الدولي بأن إيران تمثّل تهديداً وجودياً للشعب اليهودي، حقّق Netanyahu نجاحاً داخلياً لافتاً؛ إذ أظهرت استطلاعات الرأي الصادرة في مارس أن أكثر من 80 بالمئة من الرأي العام الإسرائيلي أيّد الحرب، فيما انضمت إليها جميع قيادات المعارضة أيضاً.
بالنسبة لـNetanyahu، كانت هذه الحرب مُفترَضاً أن تكون تاجَ الصراعات التي خاضتها إسرائيل على مدى عقود، والردّ الأمثل على إخفاقات الاستخبارات والجيش في السابع من أكتوبر 2023 . كان المقصود أن يكون الجواب على السابع من أكتوبر هو هزيمة إيران. لكن الأهداف المُعلنة للحرب لم تتحقق، بل إن مكانة طهران في مواجهة واشنطن باتت أكثر رسوخاً مما كانت عليه، إلى الحد الذي تخوض فيه اليوم حرب استنزاف ضد الولايات المتحدة حول الممرات الملاحية في مضيق هرمز وهو إشكالٌ لم يكن قائماً قبل 27 فبراير.
تمتد تداعيات الحرب لتطال انهيار المنظومة الأمنية الكاملة التي شيّدها Netanyahu بنفسه حول الملف الإيراني. ويزيد الأمر تعقيداً على رئيس الوزراء أن توقيت الحرب كان مُصمَّماً ليحسم ليس مصير إيران وحسب، بل أيضاً مصير انتخابات أكتوبر المقبلة. والتوازن بين الحكومة والمعارضة بات يميل اليوم لصالح أحزاب المعارضة، فكان ردّ Netanyahu أن يشنّ حرباً من نوعٍ آخر، هذه المرة على مؤسسات الدولة ذاتها.
في السابق، وظّف Netanyahu خطاب الهوية السياسية أداةً لاستبدال النخب الإسرائيلية وإحلال شخصياتٍ أكثر يمينيةً وأيديولوجية في المواقع الحساسة. غير أن سلوكه بلغ من التطرف حداً جعل حتى مُعيَّنيه أنفسهم ينقلبون عليه. ولعلّ أبرز مثالٍ على ذلك المستشار القانوني السابق للحكومة أفيحاي ماندلبليت، الذي آثر في نهاية المطاف توجيه اتهاماتٍ بالفساد إلى Netanyahu.
مواجهة تلوح في الأفق
ربما أدرك Netanyahu أن مجرد تدوير النخب الإسرائيلية لم يعد كافياً، فانتقل إلى مهاجمة مؤسسات الدولة مباشرةً: من تقليص صلاحيات المستشار القانوني للحكومة، إلى استهداف هيئة البث العام، وصولاً إلى شنّ حربٍ لا هوادة فيها على المنظومة القضائية.
في الأسبوع الماضي وحده، تحدّث وزراء إسرائيليون صراحةً عن تجاهل أحكام المحكمة العليا، مهدّدين بشكل فعلي بإشعال أزمةٍ دستورية. وفي السياق ذاته، رُصد رئيس جهاز Shin Bet ديفيد زيني، الذي عيّنه Netanyahu، في تسجيلٍ من فعالية خاصة يُلمّح فيه إلى أنه اختير لهذا المنصب بسبب قدرته على الولاء للسلطة المنتخبة. وقد يكون لهذا التصريح ثقلٌ بالغ في ضوء المواجهة الوشيكة بين السلطتين التنفيذية والقضائية في إسرائيل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من النفوذ الواسع الذي يحوزه Netanyahu على المؤسسة العسكرية، يبقى عاجزاً عن ردّ مطالب القيادة العسكرية بفرض التجنيد الإلزامي على أبناء المجتمع الحريدي. فمغامراته العسكرية منذ السابع من أكتوبر أدت إلى تفاقم الأزمة الإسرائيلية على جميع الجبهات؛ وبعد قرابة ثلاث سنوات من القتال، باتت أزمة الكوادر البشرية حادةً بشكل غير مسبوق. بيد أن Netanyahu، مدفوعاً بحساباته الانتخابية وخشيته من فقدان شركائه الحريديين في الائتلاف الحكومي، مضى في تشريعات تمنح امتيازاتٍ موسّعة للشبان الحريديين الذين يتهرّبون من التجنيد بحجة الانكباب على دراسة التوراة.
في الوقت نفسه، يُدرك Netanyahu أن الوضع الراهن لحزب Likud لن يُفضي إلى نتائج انتخابية مُرضية. لذا يعمل على فرض تعديلاتٍ جوهرية على نظام الانتخابات التمهيدية داخل الحزب، تُتيح له تعيين ثمانية مرشحين في قائمة Likud الانتخابية مباشرةً، وهو ما أثار مخاوف جدية من تمرّدٍ داخلي.
بات Netanyahu يُدرك أن الفشل في حرب إيران ليس مجرد حملةٍ عسكرية خرجت عن مسارها؛ بل هو حدثٌ مفصلي قد يُنهي مسيرته السياسية برمّتها. ومن يتابع خطابه عن كثب، لا سيما خلال العامين الأخيرين، لا يمكنه إغفال النبرة المشيحانية التي تتخلّل تصريحاته، وتكشف عن رجلٍ مقتنعٍ بأنه يؤدّي دوراً في مسيرة التاريخ.
والآن، وقد بدأ صرح ورق اللعب الذي شيّده يتداعى، لن يتوقف Netanyahu عند حدٍّ في سعيه لتفادي الانهيار الشخصي حتى لو اقتضى ذلك هدم مؤسسات الدولة ذاتها من أجل البقاء.
أخبار ذات صلة

تصعيد الخليج: لماذا أزمة هرمز لن تكون الأخيرة

الخليج يُشير إلى قبول رسوم مضيق هرمز وفق مصادر مطّلعة

ضربات أمريكية على إيران للليلة الثالثة تسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص
