علي الزيدي والتحدي الكبير في مواجهة النفوذ الإيراني
بعد تعيين علي الزيدي رئيساً للوزراء في العراق ودعمه من ترامب، يواجه تحديات نزع سلاح الفصائل الإيرانية ومكافحة الفساد وسط ضغوط أمريكية لإعادة بناء سيادة العراق واستقراره الاقتصادي والسياسي في ظل فوضى إقليمية متصاعدة وورلد برس عربي

بعد شهرين بالتمام من تعيينه رئيساً للوزراء في العراق، وجد علي الزيدي رجلٌ لم يكن يُعرف قبل أشهر قليلة بأيّ ثقلٍ سياسي نفسَه جالساً في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم الثلاثاء، يتلقّى مديحاً من الرئيس الأمريكي الذي أسهم في إيصاله إلى هذا المنصب.
قال Trump أمام الصحفيين المجتمعين في الغرفة: "كنتُ أتابع ما يجري في العراق من انتخابات، وأصدرتُ تأييداً قوياً لأنّني لم أكن راضياً عن الشخص الذي كان من المفترض أن يفوز. وهذا السيّد الرفيع، أعتقد أنّه سيكون زعيماً عظيماً."
وأضاف: "إنّه معجبٌ كبير بأمريكا."
ثم مازح الرئيس الأمريكي ضيفَه قائلاً: "إنّه شابٌّ وسيم، وهذا ما لا يُعجبني"، في إشارةٍ فكاهية استقبلها الزيدي بابتسامة عريضة.
كان اللقاء في مجمله فرصةً لإدارة Trump لرسم أجندتها تجاه بغداد، وفي صلبها: انتزاع العراق من تحت ظلّ النفوذ الإيراني، وتحديداً نزع سلاح الفصائل المدعومة من طهران التي تعمل تحت مظلّة هيئة الحشد الشعبي (PMF).
وأكّد الزيدي للصحفيين أنّ موعد الثلاثين من سبتمبر الذي حدّده لتسليم الفصائل أسلحتها لا تراجعَ عنه.
وقال عبر مترجم: "من يُسلّم سلاحه... سنتعاون معه. الفصائل ضرورةٌ لا مهنة."
السيادة العراقية
الموقف الأمريكي من النفوذ الإيراني في العراق ليس وليد اليوم، بل يمتدّ لعقود. الجديد هو أنّ حدّة الضغط ارتفعت بشكلٍ لافت.
في أبريل الماضي، وفي خضمّ المواجهة الأمريكية-الإيرانية وتبادل الضربات في مضيق هرمز، جمّدت واشنطن شحنات الدولار إلى العراق وعلّقت اتفاقيات أمنية، في خطوةٍ مُحسوبة لتطبيق الضغط على الحكومة قُبيل تعيين الزيدي مباشرةً. وما إن جرى اختياره رئيساً للوزراء حتى رُفع التجميد كأنّه لم يكن.
منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، باتت عائدات النفط العراقية التي تُشكّل نحو 90 بالمئة من الموازنة العامة تُودَع في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وبغداد تحتاج إلى موافقة أمريكية حتى لاستقدام حزم الأوراق النقدية جواً إلى البلاد.
والزيدي، المصرفي السابق، يسعى إلى إعادة تموضع العراق دولةً مستقرّة وجاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر.
قال Gordon Gray، المستشار الأول السابق للسفير الأمريكي في العراق بين عامَي 2008 و2009: "إنّه يريد أن يُقدّم نفسَه قائداً لحملة مكافحة الفساد في بلاده، وأعتقد أنّ نهجه يقوم على إقناع المستثمرين الأمريكيين بأنّ العراق دولةٌ تحترم سيادة القانون."
وفعلاً، شنّ رئيس الوزراء العراقي حملةً غير مسبوقة لمكافحة الفساد، طالت وزيرَين سابقَين للنفط إلى جانب عشرات الشخصيات النافذة، فضلاً عن ضبط ملايين الدولارات نقداً وسبائك ذهبية.
غير أنّ السؤال يبقى قائماً: ما معنى السيادة إذا كانت الدولة عاجزةً عن الوصول بصورة منتظمة إلى عائدات نفطها لتموّل تنميتها الداخلية؟
وقال Stuart Jones، السفير الأمريكي السابق في العراق: "وكيف تكون ذات سيادة حين لا تستطيع إقرار مشروع بسيط لاستخلاص الغاز في الجنوب، لأنّ الإيرانيين يتدخّلون دائماً ويسحبون البساط من تحت قدميها؟"
وأضاف: "ينبغي أن تكون أغنى من المملكة العربية السعودية. أغنى من قطر. لكنّها لم تُهيّئ لنفسها المنصّة التي تُتيح لها الاستمتاع بهذه الثروة، وهذا يستلزم استثماراً في البنية التحتية واتّخاذ قراراتٍ مستقلّة بعيداً عن إيران."
"ضحيّة الفوضى"
لكنّ من أكثر العوامل زعزعةً للاستقرار في العراق خلال هذا العام كانت الحرب التي شنّها Trump على إيران بحدّ ذاتها، على ما أفاد Giorgio Cafiero، الرئيس التنفيذي لمؤسسة Gulf State Analytics.
فقد دفع إغلاق مضيق هرمز الاقتصادَ العراقي إلى أزمة حادّة كلّفته عشرات المليارات من الدولارات.
وكان الرئيس الأمريكي في مرحلة مبكّرة من الحرب يُفكّر في توظيف أكراد العراق لإسقاط الحكومة الإيرانية، وهو ما جاء متزامناً مع تقارير إعلامية تحدّثت عن تسليح وكالة CIA للأكراد.
وسارع المسؤولون الأكراد إلى النأي بأنفسهم علناً عن الحرب، محذّرين من أنّ الانخراط فيها قد يُغرق المنطقة في فوضى عارمة، رغم تعرّض إقليمهم لضرباتٍ إيرانية وهجماتٍ من فصائل عراقية موالية لطهران.
وقال Cafiero: "يبدو العراق ضحيّةً للفوضى الإقليمية."
أمّا Trump فكانت له قراءةٌ مغايرة، إذ قال رداً على صحفيٍّ سأله عن تقييمه للعلاقة بين بغداد وإقليم كردستان شبه المستقل: "أعتقد أنّ الشرق الأوسط يتوحّد كما لم يتوحّد من قبل. نحن نتخلّص من متنمّر الشرق الأوسط. إيران كانت متنمّر الشرق الأوسط، تنمّرت على العراق وعلى كلّ دولة. لم يعد ثمّة خوفٌ بعد الآن، لأنّ قدراتها العسكرية دُمِّرت تدميراً كاملاً."
في المقابل، تنفي طهران أنّ قواتها تعرّضت لأيّ إضعافٍ يُذكر، وهي لن تجد حافزاً يدفعها إلى القبول بنزع سلاح حلفائها في العراق.
وقال Cafiero : "أنا متشكّكٌ جداً في فكرة أنّ الدولة العراقية ستتمكّن من فرض احتكارها" على الفصائل المدعومة من إيران. "يصعب عليّ تصوّر ذلك."
وإن كانت ثمّة فرصٌ لتغييرٍ ملموس في عهد الزيدي، فإنّها على الأرجح ستنبثق من قدرته على بناء علاقة شخصية مع Trump وهو ما أثبت الرئيس الأمريكي أنّه يُولي له أهمّيةً بالغة.
كلا الرجلين رجلا أعمال قدِما من خارج المؤسسة السياسية التقليدية، ويريدان إبرام الصفقات.
ولدى الزيدي في جعبته الكثير خلال هذه الزيارة، التي تُمثّل أولى زياراته للولايات المتحدة.
قال Gray، الذي يعمل حالياً في جامعة George Washington : "محطّته التالية هيوستن، حيث سيلتقي مسؤولين تنفيذيين في قطاع الطاقة. ثمّة صفقةٌ مع Chevron لإنشاء خطّ أنابيب نفطي، وهو ما سيُشكّل دفعةً حقيقية للاقتصاد العراقي... لا سيّما بعد أن لم يعد التدفّق الحرّ للنفط عبر مضيق هرمز أمراً مضموناً."
وتختتم الزيارة الأمريكية بعودة الزيدي إلى واشنطن يوم الجمعة، حيث سيكون ضيفاً على غرفة التجارة العراقية الأمريكية.
أخبار ذات صلة

الحوثيون يؤكدون قصف مطار صنعاء

الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الأمير السابق لقطر، يرحل عن عمر 74 سنة

مصر تعمّق محاذاتها البحرية في القرن الأفريقي عبر اتفاق مع الصومال
